الجزائر الجوار التونسي المجيد والفتنة

محمد يعقوبي

حين كانت تونس تفاوض على استقلالها، لم يكن الأمر جلاء فرنسيًا كاملًا دفعة واحدة، بل كان انتزاعًا تدريجيًا لسيادة الدولة قطاعًا بعد قطاع. فقد توالت المفاوضات بالتقسيط منذ 20 مارس 1956 بتسليم هياكل الدولة من الإدارة، والجماعات المحلية، والتعليم والقضاء، ثم الأمن والشرطة، ثم الدفاع والحدود، وصولًا إلى القواعد والثكنات العسكرية إلى غاية الجلاء العسكري التام من الأراضي التونسية الذي امتد إلى غاية 15 أكتوبر 1963. وفي كل محطة من هذه المراحل، كانت الجزائر حاضرة بقوة في قلب التفاوض، كما يروي الزعيم التونسي الراحل الباجي قائد السبسي في كتابه “بورقيبة.. المهم والأهم”.

الشاهد هنا أن الجزائر كانت حاضرة في صلب كل مفاوضات حول كل قطاع، وكان الهدف هو خنق الثورة الجزائرية في كل مفاصل الدولة التونسية الجديدة، إلى درجة أن المفاوض التونسي وجد نفسه يفاوض على جبهتين، المعلنة حول استقلال تونس، والخفية على رفض أي طعنة في ظهر الثورة الجزائرية، وهو ما فهمه الفرنسيون وعملوا بعده على تقسيط الاستقلال التونسي، الذي لم يكتمل إلا بجلاء آخر جندي فرنسي سنة 1963.

السبسي يقرّ بأن استعمار تونس أصلا كان بغرض السيطرة على الجزائر، وأن استقلال تونس كان أيضا بغرض التفرغ لقمع الثورة وحماية الوجود الفرنسي في هذا البلد القارة. وكانت فرنسا تشترط دائمًا في مفاوضتها على استقلال القطاعات في تونس تشديد الرقابة على الحدود ومنع عبور المجاهدين والسلاح نحو الجزائر، وتقديم المعلومات اللازمة في وقتها، غير أن الحكومة التونسية كانت تبلي بلاءً حسنًا في رفض الرضوخ لهذه الهيمنة. ورغم كل هذه الضغوط، لم تتخلَّ يومًا عن واجب الأخوة وحسن الجوار، بل اختارت أن تكون السند الحقيقي للثورة الجزائرية. لقد احتضنت المجاهدين، وفتحت أرضها لعبور السلاح والإمدادات القادمة من ليبيا ومصر، وكانت ملاذًا آمنًا لرجال جيش التحرير الوطني.

وحتى عندما عيّن بورقيبة ولاة على الأقاليم الجنوبية في تونس ووجدوا أن الجنوب التونسي هو المعبر الأساسي لتهريب السلاح من ليبيا إلى الثورة الجزائرية، أصبحوا هم، بحصانتهم، من يحمون عبور السلاح الى الاراضي الجزائرية في تحدٍّ صارخ لفرنسا.

ومن أبلغ ما يختصر هذا التضامن بين الشعبين، قصة المجاهد الجزائري الذي كان مطاردًا من القوات الفرنسية بعد تنفيذ عملية ضد إحدى الثكنات على الحدود، لجأ بعدها إلى قرية تونسية قريبة من الحدود، وحين بدأت الدوريات الفرنسية تمشط المكان، اتفق أهل القرية على تهريبه وسط موكب عرس مختلق. ألبسوه لباسهم، ومرّ بين الزغاريد والأهازيج أمام أعين الجنود دون أن يثير الشكوك، ليصل سالمًا إلى منطقة آمنة ويعود إلى صفوف رفاقه.

ذلك أن الشعب التونسي كان يعتبر المجاهد الجزائري واحدًا من أبنائه.

كما يروي سكان الحدود في شهاداتهم عن الثورة، قصة مجاهد جزائري آخر كان يقود شاحنة سلاح في طريقها إلى الثورة، فدهس طفلًا تونسيًا عن طريق الخطأ. وحين اجتمع أهل القرية وأهل الضحية حوله، لم يفكر في الفرار، بل سلّم نفسه لهم بكل شرف، واشترط عليهم فقط أن يتركوه حتى يوصل شحنة السلاح إلى وجهتها، ثم يعود إليهم برجليه لأنها أمانة يتوقف عليها مصير وطن.

وحين رأى أهل القرية أنه لا هم له إلا وصول السلاح إلى المجاهدين، أدركوا صدق الرجل ونبل قضيته، فأطلقوا سبيله ليكمل المهمة. وبعد أن أوصل الأمانة، عاد إليهم يحمل شرف الكلمة في يد وروحه في اليد الأخرى، فلم يجد منهم إلا العفو والعطف والاحتضان..

كانت تونس قاعدة خلفية أساسية لعبور السلاح والدواء والمؤن، حتى إن فرنسا أقدمت على قصف منطقة ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958 بسبب احتضانها للمجاهدين الجزائريين، فاختلط الدم الجزائري بالتونسي في واحدة من أبلغ صور المصير المشترك عبر التاريخ.

هذه الوقائع التاريخية تنسف كل محاولات الفتنة بين الجزائر وتونس، والتي معروف مصدرها. لأن اختلاط الدماء بين الشعبين لا يمكن أن تعكره المسبات هنا وهناك.

ولعل حسن الجوار بين تونس والجزائر في أحلك الظروف، هو درس بليغ أيضًا لبعض الدول التي تستضيف قواعد عسكرية تُضرب منها دول مجاورة أخرى، في حرب تحول فيها الجوار من عون وسند إلى سكاكين وخناجر..

ستبقى الجزائر وتونس نموذجًا لحسن الجوار يدرس للأجيال، وفاء لتلك الدماء التي امتزجت والتضحيات التي بذلت هنا وهناك ..

نقلا عن رأي اليوم

أحد, 19/04/2026 - 16:22