اتخذت الدولة الموريتانية في الأيام الماضية قرارات اقتصادية صعبة، أثرت في الحياة الطبيعية لكل مواطن، وانقسم الناس تجاهها بين واع مدرك لدوافعها، ومتحامل عليها، متهما الحكومة بالرغبة المبيتة في إثقال كاهل المواطن، ومستنصرا بقرارات دول مجاورة تختلف في الرؤية والإمكانات عن موريتانيا.. ولا أقصد من هذا الشرح تأييد سياسات التضييق ولا دعمها، وإنما أصف، كمراقب، الواقع وأستشرف الممكن في المستقبل.
قبل البدء في التعقيدات الدولية وتشابك المخاطر والمصالح، ينبغي الاعتراف للرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني بأنه - ربما - الرئيس الوحيد الذي يملك رؤية لا تنتجع في المواسم الانتخابية، بل ترتسم كمبادئ تحدد السياسات الداخلية، وتضع الأولويات في الأزمات، وتتلخص رؤيته في الانحياز الواعي للطبقة الهشة، حتى لو أدى ذلك إلى تأخر نتائج خطط التنمية المستدامة، ويؤكد مقربون منه أنه مسكون بتجنيب هذه الفئة وطأة الأزمات ومضاربة التأرجحات الاقتصادية، قناعة منه بعدم قدرتها على مقاومة تلك الضغوط، وحرصا على إلحاقها بركب الطبقة الوسطى عبر التمييز الايجابي المؤدي إلى تساوي الفرص لدى أجيالها اللاحقة على الأقل مع نظرائهم من المواطنين.
لم تمنح الأزمات الدولية الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني فرصة للتعرف والتعريف برؤيته، بدءا من كورونا مرورا بالأزمة الأوكرانية، ثم حرب الخليج الحالية.. ومع ذلك فإن المراقب يلمح خيوط تلك الرؤية المنحازة للطبقة الضعيفة في كل قرارات تخص التنمية قريبة ومتوسطة المدى.
وبالعودة إلى الأزمة الحالية، يشكك بعض المواطنين في دوافع قرارات التقشف، ويتحججون ببعد موريتانيا عن مركز الأزمة، ويقول إن السنغال المجاورة - على سبيل المثال - لم تزد الأسعار، فما الذي يجعل موريتانيا تعيش وكأنها في قتام هذه المعركة..
هناك معطيات اقتصادية متاحة للجميع وهناك تفكير استراتيجي يتفهمه من يعيش لغده.. تؤدي كلها إلى معنى واحد وهي أن هذه القرارات مر لا بد من تذوقه.. لأن بديل المر أكثر مرارة.. فكيف ذلك..؟
لقد أدت الحرب الذي أذكت نارها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيرات ضخمة في العالم حتى إن كثيرا من الاستراتيجيين يؤكدون أن ما قبلها - بغض النظر عن مفاهيم النصر والهزيمة - لن يكون كما بعدها.. دول مترفة مهددة بفقر مدقع، ومدن كانت زينة الدنيا وقبلة العالم تتحول إلى مدن معزولة يتناثر الزجاج فوق رؤوس ساكنيها.. وامبراطورية بحرية عملاقة كالولايات المتحدة تستجدي على لسان رئيسها من يساعدها في فتح مضيق لا يتجاوز 50 كيلو ميترا.. ثم يدعي شخص في أدغال الصحراء الكبرى أنْ لا دخل له ولا أثر لهذه الأزمة في حياته..
اسمع إذا.. إن مضيق هرمز هذا هو الممر الوحيد لـ35% من الطاقة و32% من الأسمدة، وإغلاقه - المستمر منذ شهر - يعني نقص معروض الطاقة من مكانٍ ونوعية لا يمكن تعويضهما، وهو ما جعل برميل النفط يقفز من 72 دولارا إلى أكثر من 100 دولار.
وهنا يقول بعض منا إن موريتانيا لا علاقة لها بمضيق هرمز ولد الشركة التي تمونها خزانات في إسبانيا وهي لا تمر عبر هذا المضيق.. وهذا خطأ جسيم في المعلومة والاستنتاج.. فموريتانيا، وفق المصادر المفتوحة، تنوع مصادر طاقتها كما أنها لا تستورد الطاقة فقط، بل المواد الأساسية بما فيها الغذاء والدواء، التي تصدرها دول محاصرة - عمليا - أو تمر شحناتها عبر هذا المضيق، فضلا عن رفع كلفة الشحن نتيجة ارتفاع أسعار التأمين.. وبالتالي فإن موريتانيا - التي لا تنتج للأسف غذاءها ودواءها - لا يمكنها إلا أن تتداعى إلى خطتين: آنية وآجلة، أما الآنية فهي محاولة الاقتصار على أقل ضرر ممكن جراء هذه الأزمة الضاغطة، والآجلةُ تقتضي وضع استراتيجية للأمن القومي تشمل الاكتفاء الذاتي في الطاقة والغذاء لتفادي مثل هذه الحالات أو تخفيف أثرها مستقبلا..
وهنا نطرح سؤلا مهما.. ما الذي كان بإمكان موريتانيا أن تفعل..؟
في الحقيقة هناك طريقتان تقليديتان للتصدي لمثل هذه الأزمات.. أولاهما هي تحمل الدولة للفارق عبر توجيه ميزانيتها إلى بند التموين وتعطيل أو تأجيل خططها التنموية، وستتحمل غالبا مزيدا من الديون الخارجية، ما سيجعلها رهينة للدائنين وسيهوي بعملتها إلى قاع سحيق يجعل فرص بقاء الدولة مهمة صعبة تستلزم خطط تقشف أقسى وأقل نجاعة.. وهذه الطريقة هي الأسهل دائما عند الدول الغنية جدا أو الفاسدة جدا.. لأن صاحب القرار فيها لا يتعب نفسه بتقريب ولا تسديد بل يهيل من زبد الخزينة الوطنية والدولية دون مسؤولية، وقد تعتمدها دول لأسباب سياسية أو انتخابية، دون النظر في العواقب الاقتصادية والاجتماعية، وقد أدت سياسات دعم الوقود والطاقة الى انهيار دول بالكامل أو شللها اقتصاديا، كما حدث في فنزويلا ولبنان ومصر في بعض الأوقات، وغيرها..
أما الطريقة الأخرى فهي اتخاذ قرارات صعبة على المواطن، لكنها مريحة على المدى المتوسط للاقتصاد الوطني، وتمنح الدولة ثقة في أجهزتها وصلابتها وقدرتها الذاتية على المعالجة، بعيدا عن إملاءات الشركاء وإكراهات الاقتراض.
ورغم ما يبدو من أن موريتانيا انتهجت الطريقة الأخيرة - الأفضل على كل حال - إلا أنها في الحقيقة زاوجت بين الآليتين، فقد تحملت الميزانية القسط الأكبر من الزيادات الجديدة وبدأت سياسة تقشفها بتسيير الموجود، ترشيدا وتقليصا، مستصحبة في قراراتها أمورا ثلاثة:
1. إدراكها أن حِمل الديون ثقيل على الدولة، ولا يمكن بناء سياسات تنموية من جيوب الآخرين على حساب الأجيال الحالية واللاحقة.
2. رؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغرواني المنحازة للفئات الهشة، ووضعها في سلّم أي سياسات طارئة أو استراتيجة، وهو ما تجلى في المخصصات المالية لذوي الدخول الضعيفة، ومراجعة رواتبهم، حتى يستطيعوا التعامل مع المتغيرات الجديدة.
3. أن أهم وأقرب الشركاء الممولين لبلادنا قد مستهم هذه الأزمة أكثر من غيرهم، وأن موقف موريتانيا الأخلاقي وكرامتها الوطنية لا يسمحان لها بطرق باب المريض طلبا للشفاء، بل عليها - لو استطاعت - رد الجميل لهم والوقوف مع شعوبهم في هذه المحنة.
وفي الأخير.. من حق كل مواطن انتقاد القرارات الحكومية والدفع بخطأها - إذا رأى ذلك - لكن عليه في المقابل قراءة اللحظة واحترام النسق الوطني في أوقات الأزمات، وذلك بمزيد من الوعي حين يقرر الاحتجاج أو التحفظ على قرارات استثنائية في وقت استثنائي.. فلدينا ما نعبر به عن اختلافاتنا غير صورة البلد وخططه الاستراتيجية..
وفي المقابل على الجهاز التنفيذي للدولة أن يشرك الطبقة السياسية وهيئات المجتمع المدني في رؤيته وخطته وأن يبدأ أو يفعّل فورا خطط الاكتفاء الذاتي، فالعالم مقبل على عهد انهيار الأحلاف وتبدل القوى المسيطرة، وانتهاء حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي اتسمت - على علاتها - بمستوى وثيق من التعاون الأمني والتنموي بين دول العالم..
وعلى زملائي الصحفيين أن يدركوا أن القيمة الخبرية وحرية الرأي يستلزمان الانطلاق من المسؤولية، وأن الصحافة في زمن الأزمات ليست هي الصحافة والطريق أمان.. فما كل ما يعرف يقال.. ولا كل تحليل يُنشر.. والسعي وراء الحقيقة ومصلحة البلد أولى وأحق من اللهث خلف عدد المتابعين، فما وجدنا لأكثرهم من عهد.. فبشِّروا ولا تنفّروا..











