يحتضن ثرى “باتنة”، عاصمة “الأوراس” الأشم، جثمان الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى أول أمس، وذلك بناء على وصيته، مما يجعله الرئيس الوحيد الذي لا يدفن في مقبرة “العالية” التاريخية.
وتعيش الجزائر في حداد بعد رحيل مجاهد يختتم عهد الرؤساء الذين ارتبطوا مباشرة بالثورة الجزائرية المجيدة، بعد أحمد بن بله وهواري بو مدين والشاذلي بن جديد ومحمد بو ضياف وعلي كافي وعبد العزيز بو تفليقة، ولعله الرئيس الوحيد في العالم الذي انسحب من عهدته الرئاسية بمجرد أن أحس بأنه لن يستطيع أن يكون في مستوى الثقة التي منحتها له الجماهير، وأنه لن يكون قادرا على تحقيق الهدف السامي الذي يعمل له، وهو تحقيق المصالحة الوطنية التي تخرج بالجزائر من أسوأ عشرية عرفتها منذ أن استرجعت الاستقلال.
وعندما أدرك ذلك انسحب بهدوء لم ينقصه الذكاء والحرص على ضمان الاستقرار في البلاد، تاركًا ذكرى طيبة وسيرة نقية اختلطت بحسرة شعبية على فراقه، وهو ما يُذكر بالرئيسين المصري جمال عبد الناصر والسوداني عبد الرحمن سوار الذهب، مع اختلاف الدوافع والخلفيات والسياق التاريخي.
تولى اليمين زروال رئاسة الدولة في منتصف التسعينيات ثم انتخب رئيسا للجمهورية، وتحمل مسؤولياته بشجاعة المجاهد الأصيل، محققا تكاملا رائعا بين الروح العسكرية والإدراك السياسي، وراح يعمل للخروج بالبلاد من وضعية العشرية الحمراء في وسط أجواء معقدة تنمرت فيها ضباع كراهية الانتماء العربي الإسلامي، وفي مواجهة هجمة شرسة ممن كانوا يريدون إقرار وضعية سياسية تتناقض مع مبادئ أول نوفمبر وتلبي طموحات أقليات تتحمل إلى حد كبير مسؤولية الأحداث الدامية التي مزقت الجزائر في القرن الماضي، وفي ظل تآمر خارجي تميز بالطعنات في الظهر والضرب تحت الحزام، وفي مناخ عزلة رهيبة فُرِضتْ على الجزائر، شارك فيها بعض الأشقاء.
وفي تلك المرحلة البائسة رفض زروال لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي طلب أن يكون اللقاء سرّيّا، وقال زروال آنذاك…”سأقبل لقاءه عندما تكون لديه شجاعة مواجهة الرئيس الجزائري علنا”.
رحل اليمين زروال (واليمين مشتق من اليُمْن) فاهتزت الجزائر لفقده، مجاهدا في سبيل الله والوطن، حريصا على كرامة بلاده وأمن مواطنيه، مؤمنا بعظمة الجزائر ومدركا أبعاد هذه العظمة المستمدة من التاريخ العريق ومن التضحيات الكبرى لشعبها.
ولم يخلط زروال في سعيه نحو المصالحة الوطنية بين التوفيق والتلفيق، وبين الصمود والعناد، وبين ما هو استراتيجي وما هو تاكتيكي وبين ما هو ثابت وما هو مرحليّ، وكانت له نظرته الموضوعية التي تعتمد على تفهم موقف الخصوم بدون التنازل عند منطقهم، واستطاع أن يفرّق بين العداوة والخصومة ويتصرف مع الآخرين بناء على هذا الفهم، وكان هذا درسا لا أدري إذا كان هناك من استفاد منه.
وكان الرئيس الراحل على المستوى الشخصي عملاقا يتمتع بالبساطة مع الحزم ويجمع بين العظمة والتواضع، وبرغم أنه كان من أهم جنرالات القوات المسلحة، قائدا للقوات البرية ومديرا للكلية العسكرية العليا بشرشال، لكنه احتفظ دائما بمنطق مجاهد جبهة التحرير الوطني الذي يرتدي الزيّ العسكري، وهو ما كان من أهم دروس الثورة.
وكمثال بسيط على تواضعه وبساطته أتذكر يوم اتصل بي مدير التشريفات برئاسة الجمهورية في ديسمبر 1997 ليبلغني بأن الرئيس سوف يستقبلني على العاشرة من صباح بعد الغد، فرحت أضرب أخماسا في أسداس، ولم أكن طلبت لقاء الرئيس ولا كنت أتوقع لقاءه.
وتذكرت أن زروال، في آخر لقاء لي معه خلال حفل أقيم بقصر الشعب، قال لي برقة بالغة : “أنا أتابع تحركاتك”، وفهمتُ أنه يشير إلى كتاباتي ومساهماتي في بعض النشاطات الثقافية، وشعرت بسعادة بالغة وأنا أسجل أن رئيس الجمهورية يتابع النشاط الثقافي باهتمام، سيرا على سنة الرئيسين هواري بو مدين والشاذلي بن جديد في عهدته الأولى.
وفي اليوم المحدد للاستقبال كنت في مكتب الأخ خليل مدير التشريفات قبل الموعد بخمس دقائق، وعندما اقتربت الساعة من العاشرة اصطحبني إلى مكتب الرئيس المجاور لمكتبه، وفوجئت بزروال ينتظرني واقفا خلف باب المكتب مباشرة، وليس جالسا على مكتبه على بعد أمتار في صدر القاعة، أو جالسا على الكرسي الوثير في الصالون البعيد الملحق بغرفة المكتب.
وأحسست بتقدير كبير للرجل، وأكبرت فيه هذا التصرف الكريم تجاه ضيف كان مجرد إطار سياسي متقاعد، وكعادة قدامى الجيش وقفت أمامه وقفة “انتباه”، فإذا به يُعلّق ضاحكا: “لم تنسَ بعد انضباط الجيش”.
وبعد عناق أخوي غابت عنه قيود البروتوكول اصطحبني نحو صالون المكتب مشيرا لي لكي أتقدمه، ولأجلس إلى يمينه.
وقال لي بأنه يتابع بتقدير كبير نشاطي وكتاباتي داخل الوطن وخارجه، وتذكرت بخجل كبير أنني لم أكن كتبت كلمة ثناءٍ واحدة عليه، ولم أحاول مدح جهوده بأي حال من الأحوال، باستثناء سطور قليلة قلت فيها بإيمان ويقين أن “مكان كل وطني هو إلى جانبه”.
وتزايد إكباري للرجل عندما أخذ يحدثني بإسهاب، كصديق يستقبل ضيفه استقبال الندّ للندّ، عن الأوضاع في البلاد، وعن أن الدستور ينص على تعيين عدد من الكفاءات الوطنية في مجلس الأمة، ثم قال لي أنه وقع اختياره عليّ لأكون عضوا في المجلس، وفوجئت بالعرض، خصوصا وأن موقفي من تعديل دستور 1996 الذي أقام مجلس الأمة لم يكن سرا على أحد، حيث كنت وقفت ضده، وكتبت، مع الزميلة زهور ونيسي، النص الذي صدر عن اتحاد الكتاب ناقدا التعديل الدستوري.
ورحبت بعرض زروال وكان شرطي الوحيد لقبوله هو أن يُسمح لي بمواصلة الكتابة، وهو ما علق عليه الرئيس ضاحكا بأنه لن يمنعني من الكتابة ، فهي من معالم شخصيتي التي أهلتني للمنصب.
واستقر زروال بعد انسحابه من غابة المسؤولية الكبرى في منزله الشخصي بمسقط رأسه، وألف المواطنون رؤيته وهو يطوف في بعض شوارع المدينة راجلا بدون أي حراسة خاصة، مُذكّرا بما قيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عدلْتَ فأمنت فنمت، ورفض كل التسهيلات التي يمنحها القانون لرئيس سابق، بما في ذلك السيارة الفاخرة، بل ورفض أن يتلقى العلاج خارج وطنه، وأسلم الروح في مستشفى العاصمة الجزائرية بعد طول معاناة.
رحم الله اليمين زروال، فهو ممن ينطبق عليهم قوله تعالى” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.
نقلا عن رأي اليوم











