هل تخلت أمريكا عن حلفائها في الخليج؟ قراءة في تحولات التحالف الاستراتيجي

آية مصدق

منذ اللحظات الأولى للحرب التي شنتها كل من إسرائيل وأمريكا ضد إيران في الثامن والعشرين من نوفمبر الجاري، وجدت دول الخليج نفسها في مرمى النيران وهدفًا مشروعًا للرد الإيراني. ورغم أنها لم تكن طرفًا في القرار، ولا تقع استشارتها في التخطيط لهذه الحرب، إلا أنها دفعت الثمن أغلى مما دفعته تل أبيب وواشنطن.

فبينما تسعى الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها من خلال ضرب العمق الإيراني، وتركز الضربات الإسرائيلية على تصفية القيادات البارزة، تتعرض الدول الخليجية للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. لم تستهدف هذه الهجمات القواعد الأمريكية في المنطقة فحسب، بل طالت البنية التحتية النفطية والمطارات والفنادق.

اللافت أن واشنطن لم تبدِ أي اهتمام واضح بمعاناة حلفائها، حيث أكدت تقارير صحفية أن السلطات الإماراتية تحملت وحدها عبء إجلاء وإيواء الرعايا الأجانب، بينما لم تقدم السلطات الأمريكية أي مساعدة لمواطنيها العالقين في دبي. هذا الوضع جعل الخليجيين يدركون أن أولويات واشنطن واضحة: مصلحة إسرائيل وأمريكا قبل كل شيء.

 

لكن الغريب كان في تصريحات دونالد ترامب الذي أبدى دهشته من هجوم إيران على دول الخليج، وكأن الأمر لم يكن متوقعًا. رغم أن أي محلل استراتيجي مبتدئ كان يمكن أن يتنبأ بأن إيران سترد باستهداف القواعد الأمريكية في دول الجوار المضيفة. حتى أن دول الخليج نفسها لم تستبعد هذه الفرضية، لكن ثقتها في الغطاء الأمني الأمريكي واعتبار نفسها حليفًا استراتيجيًا لواشنطن جعلها لا تتخذ تدابيرها الوقائية قبل الهجمات الإيرانية.

هذه ليست المرة الأولى التي تفشل فيها أمريكا في حماية حلفائها، إذ سبق أن وقع قصف للسعودية في 2019 وأبوظبي في 2020. والآن تتكرر التجربة على نطاق أوسع، ليصبح الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي الخليجية مصدر تهديد أمني لها، ليس فقط من طرف إيران، بل من طرف كل عدو لأمريكا قد يخوض ضدها حربًا في المستقبل. وهكذا تتحول الحماية إلى خطر حقيقي، ويتحول الحليف إلى عبء.

وهو ما يستوجب أن تعيد دول الخليج تقييم علاقاتها الأمنية مع واشنطن والبحث عن بدائل. وبالفعل، بدأت تتحرك فعليًا لتأمين نفسها بعيدًا عن الغطاء الأمريكي. إذ أثبتت تقارير توجه السعودية إلى أوكرانيا للاستفادة من خبرتها في مكافحة الطائرات المسيّرة، فيما لجأت الإمارات إلى فرنسا وأستراليا من أجل تعزيز دفاعاتها الجوية، وطلبت قطر المساعدة من إيطاليا في ما يتعلق بأنظمة مكافحة المسيّرات. هذا التنويع في مصادر التسليح والتحالف يمثل نقطة تحول استراتيجية في العلاقات الخليجية الأمريكية. فبدلاً من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية، أدرك الخليجيون أن البحث عن بدائل صار ضرورة وجودية لتأمين الحماية التي لم توفرها واشنطن.

يشمل ذلك الأمن الطاقي أيضًا، إذ تلقى الاقتصاد الخليجي ضربات قاسية خلفها الهجوم، وزاد من حدتها تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. فقد أعلنت كل من العراق والكويت حالة “القوة القاهرة” وبدأتا في خفض إنتاج النفط، وهو ما يعني خسارة مليارات الدولارات. وتشهد دبي التي بنت اقتصادها على الأمن والاستقرار نزوحًا للأثرياء والمستثمرين نحو هونغ كونغ وسنغافورة، إضافة إلى تضرر قطاع الطيران في قطر والإمارات عبر إلغاء العديد من الرحلات.

لكن، هل هذه الخسائر التي تسببت بها أمريكا لدول الخليج ستضع حدًا للتحالف؟ الجواب هو لا. لأن دول الخليج تدرك جيدًا أن الولايات المتحدة تبقى القوة العظمى. ورغم أنها تضع مصالح إسرائيل دائمًا في المقام الأول على حساب بقية حلفائها، إلا أن إنهاء التحالف معها أو حتى تبني خطاب ضدها سيجعلها في مرمى ثلاث نيران في المنطقة: إيران، وإسرائيل، والقواعد الأمريكية على أرضها. وإن كان عليها الاختيار، فستختار إسرائيل وأمريكا باعتبارهما الطرف الأقوى في المنطقة، إلى جانب الاستثمارات الضخمة التي تربطها مع الولايات المتحدة خصوصًا. لكن هذا لا يعني أن الثقة لم تهتز، وأن البدائل غير ضرورية.

لكن بعد انتهاء الحرب، كيف ستكون العلاقة بين أمريكا ودول الخليج؟ تشير التوقعات إلى مرحلة جديدة تكون فيها واشنطن أقل هيمنة، والخليجيون أكثر تنوعًا في الشراكات وأكثر حذرًا تجاه إيران. غير أن التحدي الأكبر هو وجود القواعد الأمريكية التي تعتبر قنابل موقوتة، قد تضع دول منطقة الخليج في مواجهة أخرى مع خصوم الولايات المتحدة، وتدخل مجددًا في حرب لم تخترها، وتصبح كبش فداء لواشنطن وإسرائيل. لذلك، من الضروري أن تسعى هذه الدول لاستقلالية قوتها ودعمها على المستوى الداخلي عبر آليات الردع، وعلى المستوى الخارجي عن طريق تحالفات قوية.

نقلا عن رأي اليوم

أحد, 22/03/2026 - 22:26