لم يكن أمام موريتانيا في ظل اضطراب محيطها سوى أن تختار طريقًا عقلانيًا في إدارة المرحلة، يقوم على تثبيت الاستقرار، وتحصين المؤسسات، وخلق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح وإكراهات الواقع.
ومنذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، بدا واضحًا أن المقاربة المعتمدة تقوم على بناء تدريجي هادئ يراكم النتائج ويؤسس لتحولات قابلة للاستمرار.
لقد تميزت هذه المرحلة بإدارة سياسية تتجنب التوتر غير الضروري، وتمنح الأولوية لمعالجة الملفات ذات الأثر المباشر على المواطن، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورة الدولة وهيبتها وموقعها الخارجي؛ وهذا ما يفسر أن كثيرًا من الملفات التي ظلت لسنوات عالقة بدأت تعرف معالجات عملية، ولو بوتيرة تدريجية.
فعلى المستوى الدبلوماسي، تمكنت موريتانيا من تعزيز حضورها في محيطها الإقليمي والدولي، مستفيدة من خطاب سياسي متزن يقوم على الاعتدال واحترام الشركاء.
وقد انعكس ذلك في تنامي الثقة الدولية في الموقف الموريتاني، وفي قدرة البلاد على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، دون التفريط في استقلالية القرار الوطني.
وفي منطقة الساحل التي تعرف تحولات حادة، ظل الصوت الموريتاني محسوبًا ضمن الأصوات الأكثر اتزانًا وموثوقية.
أما داخليًا، فقد برزت ملفات البنية الأساسية والخدمات العمومية باعتبارها محورًا رئيسيًا في العمل الحكومي. ففي مجال المياه، شهدت البلاد توسيع عدد من شبكات التزويد بالماء الصالح للشرب، وإطلاق مشاريع لتحسين النفاذ إلى الخدمة في مناطق كانت تعاني من العجز، وهو ملف ظل لعقود أحد أبرز التحديات اليومية للمواطنين.
وفي قطاع الصحة، تعززت البنية الاستشفائية تدريجيًا، سواء عبر دعم المؤسسات الصحية أو تحسين بعض الخدمات العلاجية، مع توسيع نطاق التدخل الصحي في الداخل، وهو ما يعكس توجهًا نحو تقليص الفوارق المجالية في الخدمات الأساسية.
وعلى مستوى التعليم، استمرت جهود إصلاح المنظومة التربوية عبر تطوير البنية المدرسية، وإنشاء المدرسة الجمهورية وتحسين بعض آليات التسيير، وإعطاء أهمية أكبر لمسألة جودة التعليم وربطها بأهداف التنمية المستقبلية، إدراكًا لأن بناء رأس المال البشري هو الضامن الحقيقي لأي تحول اقتصادي واجتماعي.
وفي مجال الحكامة، برزت إرادة واضحة في تعزيز الرقابة ومكافحة الفساد، من خلال التعامل مع ملفات حساسة وفق منطق مؤسساتي، بما يرسخ تدريجيًا مبدأ أن المال العام لم يعد خارج دائرة المساءلة.
اقتصاديًا، تكشف طريقة معالجة ملف جمركة الهواتف عن فلسفة جديدة في إدارة القرار العمومي؛ إذ إن الاتفاق الأخير بين الإدارة الجمركية والفاعلين في السوق لم يكن مجرد تسوية تقنية، بل عكس استعدادًا واضحًا للاستماع والتكيف مع المعطيات الواقعية، وهذا مجرد أنموزج من مقاربة الرئيس غزواني، الذي نتقل النقاش من حالة الاحتقان إلى التفاهم، وتمت مراجعة الرسوم وفق مقاربة تراعي القانون ومصالح السوق معًا، وهو ما يؤكد أن الدولة لا تتعامل مع الملفات الاقتصادية بمنطق الجمود، بل بمنطق التوازن بين التنظيم وحماية النشاط الاقتصادي.
هذا النوع من القرارات يعكس انحيازًا واضحًا للمواطن، لأن تخفيف الأعباء على السوق يعني بالضرورة تقليل الانعكاسات على المستهلك، كما أنه يعزز الثقة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين.
وفي البعد الاجتماعي، ظلت السياسات الموجهة للفئات الهشة حاضرة ضمن أولويات الدولة ممثلة فب تآزر وتوابعها، وذلك عبر تنظيم برامج الدعم الاجتماعي وتوسيع شبكات الحماية، و تحسين الوصول إلى بعض الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل البعد الاجتماعي جزءًا من الرؤية العامة للحكم.
إن من الطبيعي أن ترافق أي تجربة سياسية حملات نقد واعتراض، فهذا جزء من حيوية المجال العام، غير أن الفارق يبقى واضحًا بين النقد المؤسس على قراءة موضوعية، وبين الخطابات التي تنزع إلى التهويل أو إنكار الوقائع.
فالمواطن حين يقارن بين الخطاب والإنجاز، يدرك أن كثيرًا من الأحكام المتداولة سياسيًا لا تصمد طويلًا أمام ما يتحقق ميدانيًا.
إن بناء الدول يتم بالتراكم الهادئ، وبالقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وهذا تحديدًا ما يفسر أن التجربة الحالية، رغم صعوبة السياق، تواصل التقدم بثبات، مستندة إلى منطق الدولة أكثر من استجابتها للضجيج.











