■ “سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ” .. “والذي نفسي بيده لو كان الإيمان/الدين/ العلم منوطا بالثريا لتناوله رجل/رجال من فارس” – وكفى “سلمان” رضواناً انه اسقط تحالف المكر اليهودي وطغيان الإئتلاف القبلي بنصر من الله .. تُعَدُّ غزوة الخندق (غزوة الأحزاب) من أعظم المعارك التي خاضها المسلمون في تاريخهم، حيث واجه المسلمون تحالفًا غير مسبوق من أعدائهم الذين اجتمعوا في محاولة للقضاء على الدين الإسلامي في المدينة المنورة (تحالف مكون من قريش وغطفان وبني أسد وسليم، إلى جانب يهود بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع النبي محمد ﷺ وانضموا للأحزاب في حصارهم للمدينة — تحالف قوي بين المكر اليهودي وطغيان الإئتلاف القبلي).
تميّزت غزوة الخندق بابتكار تكتيكي جديد في الحروب العربية حين اقترح الصحابي سلمان الفارسي حفر خندق حول الجهة المكشوفة من المدينة لحمايتها من هجوم الأحزاب .. قال سلمان: “يا رسول الله، إنا إذا كنا بأرض فارس وتخوفنا الخيل، خندقنا علينا، فهل لك يا رسول الله أن تخندق؟”، فأَعجب رأيُ سلمان المسلمين. وقال المهاجرون: “سلمان منا”، وقالت الأنصار: “سلمان منا”، فقال الرسولُ محمدٌ ﷺ: “سلمان منا أهل البيت”. وعندما استقر الرأي بعد المشاورة على حفر الخندق، ذهب الرسولُ هو وبعضُ أصحابه لتحديد مكانه، واختار للمسلمين مكانًا تتوافر فيه الحمايةُ للجيش.
انتهت غزوة الخندق بانتصار المسلمين وهزيمة الأحزاب رغم تفوقهم العددي مما جعلها معركة مفصلية في تاريخ الإسلام حيث أثبت المسلمون قدرتهم على الصمود والتعاون في مواجهة الأعداء .. كما أظهرت هذه المعركة أهمية الشجاعة والإيمان وقوة الوحدة، وكشفت حقيقة اليهود وحقدهم، ومكر المنافقين وخبثهم .. وكانت سببا في تحول موقف المسلمين من الدفاع إلى الهجوم فاستطاعوا خلال سنين قليلة من فتح مكة، وتوحيد العرب تحت راية الإسلام فقد أشار النبي ﷺ قائلاً: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا” .. وهكذا تحقق للمسلمين التمكين السياسي والعسكري.
■ ساهم علماء ومفكرون من أصول فارسية بشكل هائل في الحضارة الإسلامية والعربية، حيث كتبوا جل مؤلفاتهم باللغة العربية، وأصبحوا ركيزة في العلوم الشرعية، الفلسفة، الطب، والرياضيات. اكتفي هنا بذكر بعضٍ من أبرزهم: ابن سينا، الخوارزمي، جابر بن حيان، البيروني، والفرابي.
■ وهنا يُذكِّرنا “طوفان السماء” ب“سيف بن ذي يزن” واللحظة التاريخية يوم لم يجد غير “ايران” تلبي نداء استغاثته، فحرر اليمن و طرد الاحباش منها! ليس دفاعاً عن ايران، ولكنها القراءة العلمية للتاريخ وتراكمات العقل الباطن ..
■ ولطالما تساءلت المفكرة القومية العربية الاردنية “ديانا فاخوري” وكررت التساؤل هل كان قايين ليقتل هابيل لو تعلّم حياكة السجاد العجمي، و خبر ليالي الأنس في فيينا (التي أثمرت انتصارآ نوويآ ايرانيآ – الاتفاق الذي نقضه ترامب، ويحاول اليوم العودة الى ما يشبهه)، وآمن “أن الناس اثنان: أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” كما أنبئنا الامام علي (كرّم الله وجهه).
■ أما حاكة السجاد العجمي ولاعبو الشطرنج فهم من توج العشق بين التاريخ والآيدولوجيا بزواج أثمر اللحظة التكنولوجية النووية (وربما العسكرية النووية قريباً في تصدٍّ مشروع للمكر والطاغوت الصهيواوروبيكي) .. هم الشعب الأول وهم بناة الحضارة الأولى في التاريخ منذ حوالي 9 آلاف سنة .. هل تذكرون كيف خاطب وزير خارجية بريطانيا، منذ حوالي عقدين من الزمن، الايرانيين بصلف وتكبر مؤكدآ أنهم لن يسمحوا لهم باستخدام جهاز طرد مركزي واحد، وكذلك فعل ترامب! أما اليوم فتملك ايران، وباعتراف العالم، آلاف أجهزة الطرد المركزي .. وفي اليوم الذي أقرت به ايران الاتفاق النووي، أكَّدت حفاظها على البرنامج الصاروخي الذي أرادت أمريكا منعها من امتلاكه .. وهذه الحرب الدائرة حالياً تشهد على نوعية الطائرات والقدرات الصاروخية الباليستية وغيرها التي ما انفكَّت ايران تقوم بتفعيلها.. وقد باتت ايران – حسب التقارير المعتمدة عالميآ – ضمن قائمة ال 15 في انتاج العلوم منذ عام 2013. وقد أنتجت آلاف المقالات العلمية المتخصصة وازداد انتاجها العلمي اكثر من 20 ضعفآ منذ عام 1996. وهي تنتج سنويآ نحو 50 الف كتاب وتطبع حوالي 300 مليون نسخة، ناهيك عن الأقمار الصناعية وتكنولوجيا النانو وانتاج السيارات (نَيَّف ومليون سيارة رغم الحصار) .. وها هي تدخل عصر القنبلة الاقتصادية وسوق الذهب الأسود والأسواق العالمية .. قلناها سابقآ، أيآ كانت السيناريوهات، إِنْ بالاتفاق النووي مع ايران او بدونه — ودخولها عصر القنبلة الاقتصادية وسوق الذهب الأسود والأسواق العالمية عامة — كل ذلك يأتي ضمن السياق والسباق الأمريكي الصيني حيث تقود الصين الهجمة الاقتصادية الى جانب المنافسة السياسية والعسكرية المتنامية التي يخوضها بوتين ورفاقه رفضآ للتفرد الأمريكي يردفها تكتل البريكس في تصديه للاحتكارات الأمريكية وهيمنتها على الأسواق والأسعار والثروات!
■ واما العقيدة فعربية متجذرة بموروثنا التراثي ثابتاً ومتحولاً أعلنت ايران تبنّيها لدى انتصار الثورة الاسلامية .. والعقدة صهيونية اوروبية أميركية بسرديةٍ مُزَيَّفَةٍ زائفةٍ، ومُزَيِّفةٍ للوعي تتلاعب بالعقول وتُهندس الإدراك!
وهذه العقيدة ورفيقاتها الأربع؛ عيون المقاومة الخمس (العقيدة، العقل، العلم، العزيمة، العمل) تتصدى لأعتى وأقوى وأخطر تحالف استخباراتي في التاريخ الحديث (“العيون الخمس”، من لندن إلى واشنطن) ومفرزاته بكل تغولها على ارض الواقع وارضنا بالتحديد!
وهنا اعود لكلمة الشاعر العراقي موفق محمد الى “الثائر الأعظم الامام الحسين بن علي”:
“ما قال تباً للحياة، بل قال فلتحيا الحياة” ..
“وقال يا كلَّ السيوف إنْ كنتِ ظمأی، فخذي هذا دمي سيظل حتى آخر الدنيا طريق الجلجلة” ..
وقال – عليه السلام – أيضاً: “مثلي لا يبايع مثل يزيد”!
وقال أيضاً: “هيهات منا الذلة، والجنة اقرب” معلناً انتصار الدم على السيف قولاً وفعلاً لترسم زينب لوحتها “ما رأيت الا جميلا”!
■ وبتبني العقيدة العربية اعلاه، حظيت القضية الفلسطينية باهتمام كبير من آية الله الخميني الذي اعتبر، أثناء حرب 1967، أن العدو ليس إسرائيل وحدها، بل والولايات المتحدة والغرب جُملة واحدة، نتيجة دعمهم دولة الاحتلال .. كما أصدر الخميني فتوى اعتبر فيها أن العلاقات مع إسرائيل وبيع الأسلحة والنفط لها “حرام شرعا ومخالفة صريحة للإسلام”. لقد نظر الخميني للوضع في فلسطين على أنه حرب مقدّسة، ودلَّل على ذلك بجريمة إحراق المسجد الأقصى عام 1969. وبعد ثلاثة أعوام على الحادثة، وجَّه الخميني رسالة من النجف دعما للمجاهدين في فلسطين، كما أكَّد غير ما مرة أن الشاه وإسرائيل يقفان في صف واحد، وأن معاداة أحدهما تعني بالضرورة العداء للآخر.
وحينما جاءت الثورة الإيرانية، غيَّرت من موقع طهران في الشرق الأوسط جذريا. فما إن سقط الشاه وتولَّى الخميني مقاليد الحكم، حتى أعلنت طهران جملة من الخطوات الإستراتيجية أهمها قطع العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومنح الفلسطينيين مقر السفارة الإسرائيلية السابق من أجل افتتاح سفارة لهم، وكان “ابو عمَّار”، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، أول شخصية عالمية تزور إيران بعد نجاح الثورة للقاء الخميني وتهنئته على الانتصار. كما أعلنت إيران آخر جمعة من شهر رمضان كل عام يوما “للقدس”، ما زالت تُحيي ذكراه حتى يومنا ..
■ ومع ذلك، يريدون لنا أن نلاقي دينيس روس بكل حمولته اليهودية، و جاريد كوشنر وصحبه مبعوثي هيرتزل الی المنطقة .. يدعوننا الی عدم القلق من “الشقيقة اسرائيل” .. ويرون أنه يحق لنا أن نقلق من ايران صاحبة البعد الاري الذي يتقاطع مع البعد الاري في الشخصية الجرمانية ويشيرون الی أن الصليب المعقوف مستوحی من شعار ايراني قديم متصل بطائر الهوما .. ثم يستفيضون بتحذيرنا من ظهور “هتلر الايراني” الذي سيغزو الشرق الأوسط بعربه ويهوده! من هنا تمخضت عبقريتهم البراجماتية عن ضرورة التحالف بين العرب وأشقائهم اليهود ضد الأعداء الغزاة الايرانيين، الفرس، المجوس، الصفوبين، الرافضة والعجم .. ولتسقط او تُذبح أو تُشتت منظومة المقاومة والممانعة!
■ اما برنارد لويس فقد عرض خرائطه طارحآ التحالف ضد “الخطر الايراني” كتكتيك لتسهيل تفكيك الدول العربية والاسلامية خدمة لاسرائيل وحماية لها من الخطر المصيري! وهذا يعيدنا إلى يوم أوقعنا “الخب” في الفخ بشن الحرب على ايران عام 1980.. اما بريجنسكي، فقد بدأ يفكر بتنشيط حرب خليجية ثانية لتفتيت المفتت و”تصحيح اتفاقية سايكس بيكو”.. وعليه قامت وزارة الدفاع الأميركية بتكليف برنارد لويس بوضع مشروع عملي لتفكيك المنطقة على أسس دينية، طائفية، مذهبية، عرقية، ثقافية .. وتمت المصادقة على مشروع لويس هذا في جلسة سرية للكونجريس الامريكي عام 1983!
هل تكون المتاهة اليمنية وهيروشيما البسوس مصداقآ لما زعمه وزير خارجية ترومان Dean Acheson عن اقتراب العقل العربي بحمولته الدينية من العقل الوثني فنتعاطى مع العالم على انه مهرجان للعدم؟ لعل هذا ما يفسر استدعاء “فارسية” ايران و”مجوسيتها” و”شيعيتها” يوم خلعت النجمة السداسية ورفعت محلها العلم الفلسطيني في طهران!
■ وماذا عن زيارة الرئيس الهندي ناريندرا مودي لدولة الكيان وما تبعها من تحرش طالبان بباكستان قبيل العدوان الصهيوامريكي الحالي على ايران!؟ هل يقلب هذا معادلة صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات رأساً على عقب!؟ هل تتحول المواجهة بين الحضارة اليهومسيحية والحضارة الكونفواسلامية الى المواجهة بين الحضارة اليهوهندوسية والحضارة الكونفواسلامية!؟
■ على نبض ساعة السابع من اكتوبر/تشرين الاول 2023 (طوفان الأقصى بغزته والقدس ينصره طوفان البحر بيمنِه، وطوفان السماء بطير أبابيل اقلعت من ايران) استمراراً تراكمياً لحرب تموز 2006 – تُطيح غزة بأُسطورة “العجز العربي” حضاريّاً وثقافيّاً.. وتُعيد “النكبة” أو “النكسة” إلى موقعها التقني السياسي .. وهنا لا بد لي ان أكرر ان فلسطين هي خط التماس بين الأرض والسماء .. ووجود اسرائيل يرتكز الى وعلى سرقة ومصادرة الأرضِ الفلسطينية وافراغها من اَهلها (العرقبادة” و”الهفلبادة”) وهذه هي النكبة .. وجود اسرائيل هو المرادف الطبيعي للنكبة العربية الفلسطينية .. وعليه فان ازالة النكبة ومحو اثارها يعني بالضرورة ازالة اسرائيل ومحوها من الوجود – لا تعايش، نقطة على السطر.
وختاماً لنقرأ من سورة “البقرة – 191”: “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ” .. دعوها نائمة وتجنبوا “لعنة الله”!
فكما زينب، كذلك نحن “ما رأينا الا جميلا” ..
الله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره ..
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائم هو لبنان بجنوبه، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إجلال وإكبار وتوقير لغزة واهلها وللمقاومين بنصرهم الدائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..
نقلا عن رأي اليوم











