أتردد بشكل متكرر خلال السنة على المركز الوطني لنقل الدم منذ 2006 تقريبا، حيث تبرعت حينها لأول مرة، واكتشفت أني أحمل فصيلة نادرة، فحرصت على التبرع كلما واتتني الفرصة.
وكم يؤسفني، أن المركز بعد مرحلته "الذهبية" خلال إدارة الدكتور محمد عبد الله ولد بيلاهي ظل في ترد دائم، وتراجع مضطرد إلى اليوم، ولا أذكر أنني زرته إلا ولمست مظهرا أو ملمحا لهذا التراجع، في شكل خدماته، أو تعاطيه مع المتبرعين، أو تجهيزاته ومعداته، أو تعامله من ذوي المرضى الباحثين عن منقذ..
ولعلي لا أبالغ، إذا قلت إننا نخسر كل يوم أرواحا عديدة من المحتاجين للدم لأسباب مختلفة؛ من المصابين في حوادث السير، أو النساء الحوامل، أو مرضى القصور الكلوي، أو الأورام السرطانية، أو من يجرون عمليات جراحية معقدة، أو غيرهم.. ثم يفقدون حياتهم نتيجة عجز المركز وتقصيرنا في إنقاذهم أو التخفيف من معاناتهم..
فالبلاد كلها من شرقها إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها، تعتمد – بكل أسف – على مركز يتيم في العاصمة، تعوزه الزمر النادرة دوما، وحتى غير النادرةفي أحايين كثيرة، ويتوقف عمله بنهاية الدوام الرسمي – بل وحتى قبله – ولا يعمل أثناء عطلة الأسبوع، حيث لا يوجد في الغالب سوى موظف وحيد - أو اثنين - لا دور له سوى صرف بعض أكياس الدم عند طلبها استعجاليا إن وجدت أصلا.
يواجه المركز مشاكل متعددة وبنيوية، وعلى مستويات مختلفة، وخصوصا على مستوى توفير الدم، أو التعامل مع المراجعين، أو توفير آلية لديمومة هذه الخدمة الضرورية.
ولعل أدهى وأخطر مشكلة يواجهها المركز هي انعدام آلية مستمرة للتزود بالدم، فالمركز الوطني لنقل الدم لا يتوفر على آلية مستمرة للتزود بالدم، وهو أكثر من ذلك عاجز عن مواكبة أعداد المتبرعين الذي يتوافدون عليه سواء خارج أوقات الدوام أو خلال عطلة الأسبوع. ومن المؤسف أن يقطع المواطن مسافات طويلة للتبرع بالدم ثم يعود لأن المركز غير جاهز وطواقمه غير مستعدة لأخذ الدم.
ومن أسباب هذه الخلل البين، ضعف موارد المركز المالية، والمسؤولية في ذلك تقع على وزارة الصحة، وعلى الحكومة، فالمركز عاجز – أو هكذا يدعي – عن دفع تعويض للأطباء والفنين والممرضين للعمل خارج أوقات الدوام وفي عطلة الأسبوع، وهم غير مستعدين للعمل دون تعويض.
ولعل من الأفكار التي يمكن أن تساهم في حل مشكلة انعدام آلية دائمة لتوفير الدم:
1. تنظيم حملات تبرع واسعة يساهم فيها العلماء والأئمة والمسؤولون وكل المؤثرين، وبكل اللغات الوطنية، وفي طول البلاد وعرضها، من أجل التعريف بالتبرع الدم، وأهميته بل وضرورته، وتبديد كل الصور السلبية المترسخة عنه في أذهان أعداد هائلة من المواطنين.
2. حل مشكلة توقف المركز عن العمل خارج الدوام، وفي عطلة الأسبوع، وضمان استيعاب الأعداد التي تتوافد الآن على المركز.
3. فتح فروع للمركز في ولايات نواكشوط، وفي عواصم ولايات الداخل، وحل مشكلة مركزة نقل الدم في مركز واحد.
4. إشراك أكثر لكل الهيئات ذات الصلة، خصوصا الهلال الأحمر، والجمعيات الطبية، وعموم منظمات المجتمع المدني في جهد سد الحاجة الماسة في الدم
5. فرض تبرع دوري على منتسبي القوات المسلحة وقوات الأمن، وتفويجهم على ذلك بما يضمن مصدرا طيلة العام، ولا يؤثر على أداء عملهم وطبيعة انتشارهم في أداء مهمتهم النبيلة.
6. فرض وثيقة تثبت "التبرع بالدم" في كل الملفات الرسمية، وخصوصا المتعلقة بمن هم في المراحل العمرية التي يمكن لمن هم فيها التبرع عادة، كمسابقات الوظيفة العمومية (مثلا في المسابقة المرتقبة لاكتتاب 3000 موظف، سيصل عدد المترشحين إلى عشرات الآلاف، لو اشترط تقديم وثيقة التبرع بالدم مع شهادة الصحة أو بدلا عنها)، أو مسابقات الحصول على رخصة السياقة، وكذا من يريد الترشح للباكلوريا، أو التسجيل في إحدى المؤسسات الجامعية.. أو الاكتتاب في الجيش أو الدرك أو الحرس الشرطة.. أو الحصول على جواز سفر.. أو بطاقة تعريف.. أو حيازة وثائق القطع الأرضية.. وغيرها من الخدمات العمومية.. فهذا سيوفر مخزونا مهما ومتجددا للمركز الوطني لنقل الدم.. باختصار ربط الخدمة العمومية بالتبرع بالدم عند القدرة عليه..
أليس هذا أفضل من إحضار بطاقة صحة نعرف جميعا أنها مزورة..!
7. تفعيل "بطاقة المتبرع" ومنحها بعد التبرع 4 أو خمس مرات بشكل منتظم، ومنح حاملها امتيازات في الحصول على الدم، في حال الحاجة إليه، وتكريم الأكثر تبرعا، والأكثر مساهمة في حملات التبرع كل سنة..
8. العمل بشكل جاد لتبديد الصورة السلبية عن التبرع، ونشر الوعي بأهميته وتأثيره الإيجابي على الصحة، وفوق ذلك كونه أداة لإنقاذ نفس بشرية، والله تبارك وتعالى يقول: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}.
هذا مجرد مقترحات علها تساهم في عدم تكرار المشهد الذي رأيته البارحة من عودة ذوي مرضى في ظرف نفسي لا يوصف..
رمضان مبارك، تقبل الله منا ومنكم ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه
شارك المنشور أو انشره على صفحتك فقد يساهم ذلك في تشجيع متبرع أو يدفع لاتخاذ إجراء ما.. فيكون سببا في إنقاذ نفس بشرية..











