مجلس ترامب لـ”سلام” غزة

علي محسن حميد

لفت نظري  أن  مجلس السلام  لغزة سمي، ب Board ، وهذه التسمية  ليست هي  التي ألفناها عندتسمية المجالس ذات الطبيعة السياسية أو العسكرية ، وهي Council، وبالبحث وجدت أن كلمة   Board  تعني قيام سلطة حاكمة تضع استراتيجيات وقرارات ملزمة كمجلس الإدارة Board of Directors  أو مجلس الأمناء Board of Trustees  بينما  تعني كلمة مجلس Council مجموعة منتخبة أو معينة توصي أوتناقش أو تضع سياسات تركز غالبا على  قضايا محددة وليس لقراراتها صفة الإلزام. ولهذا السبب يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع لإضفاء القوة على بعض قراراته.
 و بهذا التعريف لكلمة Board  يتبين البعد الإلزامي لقرارات صانِعي كارثة تدمير غزة الإسرائيليين والامريكيين  تحت شعار التعمير الذي لاتساهم في تكاليفة دولة التدمير  التي خلت كلمات الوفود العربية في جلسة المجلس بواشنطن في ١٩ فبراير من  مطالبتها بدفع بعضه.

إننا أمام فاجعة استسلمنا لها نسميها  بالعربية  “الخصم والحكم”  وهذا هو بالضبط وضع عدوينا إسرائيل وامريكا الذي قبلنا به.  لقد.ضم المجلس إسرائيل التي شارك وزير خارجيتها ساعر أو  المسعور الذي قال قبل يوم واحد في مجلس الأمن أن  الصهاينة هم السكان الأصليين لفلسطين وليس شعبها الحقيقي. وبتقييم  بسيط للمادتين الثالثة  والسابعة من خطة ترامب لتطويع غزة عن وقف فوري للنار ودخول المساعدات فإن شيئا لم يتغير لأن إسرائيل منذ صدور الخطة في  سبتمبر ٢٠٢٥ استمرت في تدمير وتهجير وتجويع وحصار الفلسطينيين ولاتزال تقتلهم يوميا  وتمنع عنهم الغذاء والدواء ودخول الخيام في البرد القارس المصحوب بعواصف وأمطار غزيرة بينما يتركز اهتمام ترامب على تهديد حماس التي أوفت بالتزاماتها بالدمار ومواجهتها بقسوة إذا لم تنزع “أسلحة الدمار الشامل التي في ترسانتها العسكرية”! التي سماها نتنياهو نفسه ببنادق الكلاشنكوف .
هذا التهديد لايطال إسرائيل التي لاتزال تنتهك الخطة حتى اليوم بتواطئ امريكي.
لقد  استبعدت امريكا، طاعة لإسرائيل منظمة التحرير الممثلة الرسمية للشعب الفلسطيني المتهمة من قبل امريكا ودول اوروبية بفساد  لم تحدد تفاصيله .تهمة الفساد سيناريو مكرر  وقد كانت سيفا مسلطا في  وجه الرئيس الراحل عرفات عامي ٢٠٠٤و ٢٠٠٥ عندما كان يراد التخلص منه.  الأصل في مسألة الفساد أن  إسرائيل وامريكا  لاتريدان أن تتضمن مناهج التعليم الفلسطينية مفردات وجمل  كالنكبة والاحتلال وحق العودة والمستعمرات غير المشروعة وتاريخ فلسطين الحقيقي وعروبة فلسطين وكل مايتصل بحقوق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والدولة وكتابة تاريخ صهيوني لفلسطين وعدم تعويضات لأسرالشهداء الفلسطينيين . وهذا قد يبدأ تطبيقه في غزة بإشراف توني بلير. نتنياهو  يحاكم منذ عام ٢٠١٩ وحتى ٢٠٢٥  بتهم  الفساد  ولايزال تحت مقصلة القضاء ولو أراد  حضور  مجلس ترامب لما ووجه بالفيتو كالسلطة وقد فضل عدم الحضور وتفويض وزير الخارجية ساعر لئلا يلتزم  بأي شيء يقره مجلس ترامب قد لايوافق هواه.
لقد كان استبعاد السلطة  ممثل الشعب الفلسطيني الرسمي  استبعادا للبعد السياسي للقضية الفلسطينية و تجسيدا  للفصل بين الضفة وغزة تلبية لمطلب إسرائيلي غير خفي.
وجه ترامب الدعوة لستين دولة للمشاركة ولم تلب  دعوته سوى ٢٢ دولة وليس أكثر كما يروج بعض الإعلام وقد رفضت عدة دول المشاركة كالمكسيك التي بررت رفضها بعدم وجود تمثيل للفلسطينيين،  وتغيب الأعضاء الدائمين الأربعة في مجلس الأمن والسويد   وإسبانيا والفاتيكان والنرويج وبلجيكا وإسبانيا وبعض الدول لم تدع كإيرلندا وشاركت دول كمراقب كإيطاليا وألمانيا والاتحاد الاوربي الذي اعترضت فرنسا وإسبانيا وإيرلندا وبلجيكا على مشاركته.
كان على العرب الذين حضروا أن يقفوا موقف المكسيك بالإصرار على مشاركة السلطة وفي أسوأ الأحوال على الأقل أن يتشاوروا معها تحت خيمة جامعة الدول العربية شبه المشلولة وأن تلقى كلمة واحدة  عنهم جميعا تعبر عن موقف  عربي موحد بالتشاور أيضا مع السلطة السلطة الفلسطينية يستند إلى حل لايخالف الشرعية الدولية  والمبادرة العربية.
كان الاجتماع فرصة نادرة للعرب ليسمعوا العالم موقفهم الموحد لاغتنام التغطية الإعلامية الكبيرة  لفعالية المجلس وفرصة لإدانة قرار إسرائيل الأخير تحويل مساحات فلسطينية كبيرة إلى  أملاك دولة وهو مايقود إلى الضم بدون إعلان وبدون إغضاب ترامب الذي ادعى أنه ضد ضم الضفة المحتلة  ولكنهم للأسف لزموا الصمت إزاء هذا القرار الاستعماري الجديد.  مقارنة بخطابات العرب في الأمم المتحدة وفي مجلس ترامب برهن العرب على أنهم  فصيحين في الأمم المتحدة وخجولين في حضرة مجلس ترامب للسلام.
حقيقة سلام ترامب:
ترامب يريد إقصاء أي ممثل حقيقي للفلسطينيين سواء كان السلطة أو حماس
 ووفقا لصحيفة ديلي تلغراف البريطانية فإن  ترامب الإسرائيلي يريد تشكيل قوة شرطة غزة من عصابات الجريمة المنظمة  وتجار المخدرات و المليشيات المسلحة المناهضة لحماس التي تسلحها وتمولها إسرائيل. وهذا يفسر لماذا استبعد ترامب نيابة عن نتنياهو  السلطة من المشاركة في مجلس سلامه المسموم. إن الهدف النهائي لترامب ولنتنياهو هو منع إقامة الدولة وهذه الغاية سيحققها صهره الصهيوني جارد كوشنر ومبعوثه الصهيوني  أيضا ستيف ويتكوف بالشراكة الوثيقة مع إسرائيل.وفي المجمل لن تكون هناك قيمة  أو  اعتبار للمادة  ١٩  من خطة ترامب التي تنص على ” قد تتوفر أخيرا  الشروط اللازمة لمسار موثوق به يفضي إلى تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية وهو  مانقر به كطموح للشعب الفلسطيني. السؤال هنا هو  هل إسرائيل في وارد توفير هذه الشروط وهل ستستقل سياسات امريكا الفلسطينية عن سياسات  إسرائيل وتتصرف امريكا كدولة مستقلة أم دولة قزمة محتلة من قبل إسرائيل.  الإجابة لا ثم لا. لذلك تم استبعاد السلطة والأمم المتحدة  وعدم دعوة  الدول التي تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. إن مخرجات المجلس ستصب في تحقيق غايات إسرائيل وحدها  وتتجاهل البعد السياسي والحقوقي للقضية الفلسطينية وتركز على البعد المِعدوي الذي بدأ مساره توني بليرعام ٢٠٠٥ عندما كان رئيسا لوزراء دولة وعد بلفور ولهذا السبب دعي وسيكون مهندس مرحلة أخرى في تدمير قضية فلسطين.
* كاتب يمني

نقلا عن رأي اليوم 

جمعة, 20/02/2026 - 12:10