جمعتنا البدايات.. جيل تحرير الفضاء السمعي البصري في موريتانيا. التحق بنا في إذاعة موريتانيد MFM (أول صوت إذاعي مستقل في البلاد)، كان ذلك نهاية 2013، وكانت تجربة الإذاعة يومها لم تكمل مرحلة الفطام.
سريعًا، برز بقاموسه اللغوي الجزل، ومصطلحاته وزوايا معالجته الراقية، فكان فتى غرفة التقارير، بلا حشو سردي ولا إغالة لغوية ولا خلط بين الأجناس، يتحكم في اللغة والسياق، في احترام متناغم للمتلقي.
كان عبد الله محمد الناهي رحمه الله، وجعل الجنة مثواه، مهنيًا صادقًا، مخلصًا في كل تفاصيل حياته.. ملتزمًا بواجباته الشرعية، وفيًا لمبادئه التي استقاها من عذق كريم في حاضرة “الصنكه”، عذق آل الناهي الأفاضل.
أسر بأخلاقه كل من خالطه.
نوغل، ونحن في نشوة المراهقة، في أعراض الناس تلميحًا وتصريحًا، فلا يشاركنا، بل يحاول بقصصه الطريفة أن ينعرج بنا إلى موضوع جديد.
يستشفع الأعذار لأغلاط زملائه؛ ينصح إذا رأى الفرصة المناسبة، ويتهرب بلطف حين يفرض السياق الانحشار في قول أو فعل غير مهني قد يخدش مكارم الأخلاق ومروءة الرجال.
زاهد في الدرهم زهده في اعتلاء خشبة الشهرة، وقد يرهقه الوجع والمرض فلا يبث لأحد، بل يتصبر ويتجمل.. وكان ذلك ديدنه حتى آخر لحظات حياته. فقد أسلم الروح لبارئها تحت وطأة إهمال طبي، نتيجة بيروقراطية الإجراءات وغياب الإنسانية.
خدم الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة، وخاض مبكرًا التجربة الجديدة للإعلام الرقمي دون ضجيج.
وخلال كل المحطات (من إذاعة موريتانيد 2013، مرورًا بقناة الساحل، وإدارة التحرير في تكنت لخمس سنوات، وصولًا إلى التجربة الثرية في تجكجة إنفو ورئاسة التحرير بمركز الصحراء)، ترك الناهي أثرًا طيبًا لا يُمحى، ومدرسة نبل وفضيلة، منها نستلهم ونستسقي معاني المهنية والإخلاص.
بداية نوفمبر 2016 ودع والدته المربية، عيشه منت محمد باب… ومنذ ذلك الحين ظل كثير الحديث عنها بحرقة وحنين. لاحقًا قرر الزواج، عسى أن ينجب فتاة تحمل اسمها، فكان له من الله ما أراد.
ونحن نواري جسد الطاهر مثواه، كان والده محمد ولد الناهي يشهدنا على بره للجميع، وينعاه للجميع، ويقدم تعازيه فيه للبعيد قبل القريب.
حاله: اللهم إني أمسيت عنه راضٍ فارض عنه.
جعل الله الجنة مثواه وبارك في عائلته وفي كريمه.










