عدّ الثروة الحيوانية في موريتانيا إحدى الدعائم الأساسية للاقتصاد الوطني والتنمية الريفية، لما تمثله من مورد غذائي واستراتيجي يربط بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الرعي وتربية المواشي. وقد كشف التعداد العام للثروة الحيوانية لسنة 2024 عن معطيات كمية ونوعية غير مسبوقة، تعكس الحجم الحقيقي لهذا القطاع ودوره المحوري في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل، خاصة في المناطق الريفية والهشة.
أولًا: حجم الثروة الحيوانية وتركيبتها
أظهرت نتائج التعداد أن القطيع الوطني بلغ ما مجموعه 29.339.913 رأسًا من الماشية، موزعة على النحو التالي:
الأغنام: 13.915.459 رأسًا
الماعز: 7.275.809 رأسًا
الأبقار: 6.147.368 رأسًا
الإبل: 2.001.277 رأسًا
وتؤكد هذه الأرقام المكانة المحورية للأغنام والماعز في النظام الرعوي الوطني، إلى جانب الحضور الاستراتيجي للإبل، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية ذات الظروف البيئية القاسية. وعند تحويل القطيع إلى وحدات حيوانية قياسية (UBT)، بلغ الرصيد الوطني حوالي 9.165.267 وحدة، وهو ما يعكس ضغطًا متزايدًا على الموارد الرعوية، لا سيما خلال فترات الجفاف وتذبذب التساقطات المطرية.
ثانيًا: التوزيع الجغرافي ومناطق التركّز
يُظهر التعداد تفاوتًا مجاليًا واضحًا في توزيع الثروة الحيوانية، حيث تتصدر ولايات الحوض الشرقي، الحوض الغربي، العصابة، واترارزة المشهد الرعوي، مستحوذة مجتمعة على أكثر من 60% من القطيع الوطني. وتمثل ولاية الحوض الشرقي وحدها نحو ثلث القطيع الوطني، ما يجعلها القلب الرعوي للبلاد.
في المقابل، تسجل ولايات الشمال (آدرار، تيرس زمور، نواذيبو) أعدادًا أقل من حيث الحجم، لكنها تتميز بتركيز مرتفع للإبل، بما يعكس قدرة هذا النوع على التكيف مع البيئات الصحراوية القاسية. ويعكس هذا التوزيع العلاقة المباشرة بين توفر الموارد الرعوية، ومسارات الانتجاع، والامتدادات الإيكولوجية العابرة للحدود نحو مالي والسنغال.
ثالثًا: أنماط التنمية الرعوية والتحول الإنتاجي
بيّن التعداد أن النظام الرعوي التقليدي لا يزال هو النمط السائد في البلاد، سواء لدى الأسر الريفية المستقرة أو لدى المجموعات المنتجعة. وتشمل التنمية الرعوية للأسر الريفية المستقرة 273.640 أسرة، تمتلك:
3.202.501 رأسًا من الأبقار
380.206 رأسًا من الإبل
4.380.832 رأسًا من الضأن
532 رأسًا من الماعز
أما نمط الانتجاع (الداخلي والعابر)، فيشمل أكثر من 9 ملايين رأس، ويمثل:
77.8% من الإبل
44.1% من الأبقار
42.6% من الأغنام
ويبرز الانتجاع كآلية تقليدية فعّالة للتكيّف مع التغيرات المناخية وعدم انتظام الأمطار، غير أنه يطرح في الوقت ذاته تحديات متزايدة تتعلق بالأمن، وتدهور المراعي، وتداخل المسارات الرعوية، وضعف التنظيم المؤسسي لهذا النمط من الإنتاج.
رابعًا: التشغيل والدور الاجتماعي
يُعد قطاع الثروة الحيوانية من أكبر القطاعات المشغّلة في موريتانيا، إذ يوفر حوالي 589.626 فرصة عمل، تمثل النساء ما يقارب 25% منها، في حين يشكل العمل غير الدائم والانتجاعي أكثر من 60% من إجمالي التشغيل في القطاع. وتتركز اليد العاملة أساسًا في ولايات الحوضين، العصابة، اترارزة، وكركول، بما يعكس الترابط الوثيق بين النشاط الرعوي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في هذه المناطق.
خامسًا: الإنتاج الحيواني (اللحوم والألبان)
قدّر التعداد الإنتاج السنوي من الحليب بحوالي 984 مليون لتر، تتوزع مساهمته على النحو التالي:
الإبل: 47%
الأبقار: 44.5%
الأغنام والماعز: أقل من 9%
ويُلاحظ أن القطعان المنتجعة تسهم بأكثر من 62% من إجمالي إنتاج الحليب، في حين لا تتجاوز مساهمة أنظمة الإنتاج الحديثة وشبه المكثفة 4% فقط، وهو ما يبرز محدودية التحول الإنتاجي وضعف استغلال الإمكانات الكامنة في القطاع، خاصة في مجالات تحسين السلالات، وتطوير الأعلاف، وتعزيز الخدمات البيطرية.
سادسًا: الأسواق وسلاسل القيمة
أحصى التعداد 62 سوقًا دائمًا للماشية، إضافة إلى عشرات الأسواق الأسبوعية، مع تسجيل عرض يومي بلغ:
51.518 رأسًا من الضأن
7.319 رأسًا من الأبقار
3.210 رأسًا من الإبل
وتُعد أسواق نواكشوط مركز الاستهلاك الرئيسي، خاصة للأبقار والأغنام، بينما تلعب الأسواق الداخلية دورًا أساسيًا في التجميع وإعادة التوزيع. غير أن ضعف الربط بين حلقات سلاسل القيمة (الإنتاج، النقل، الذبح، التحويل، والتسويق) يحدّ من خلق قيمة مضافة محلية، خصوصًا في مجال تصنيع اللحوم والألبان.
سابعا: الإنفاق العمومي على القطاع
لكن السؤال الاقتصادي الجوهري ومن خلال هذه المعطيات السابقة التي اظهرها التعداد: هل يعكس مستوى الإنفاق العمومي على القطاع وزنه الحقيقي في الاقتصاد الوطني؟
أقل من 1% من الميزانية العامة وفق قانون المالية لسنة 2026، حيث يبلغ الإنفاق المباشر المرتبط بالثروة الحيوانية نحو 1.3 مليار أوقية جديدة، في حين تصل الميزانية العامة للدولة إلى حوالي 132 مليار أوقية جديدة.
أي أن حصة القطاع لا تتجاوز: 0.98% من الإنفاق العام
وهو رقم يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى تناسب التمويل مع قطاع يشغل مئات الآلاف، ويشكل ركيزة الأمن الغذائي الوطني.
44 أوقية جديدة لكل رأس ماشية:
عند توزيع الإنفاق المباشر على إجمالي القطيع الوطني: 1.3 مليار ÷ 29.3 مليون رأس ≈ 44 أوقية جديدة للرأس سنويًا
هذا يعني أن متوسط ما تنفقه الدولة سنويًا على كل رأس ماشية لا يتجاوز 44 أوقية جديدة وهو مستوى منخفض للغاية إذا ما قورن بتكلفة اللقاحات، الخدمات البيطرية، المياه الرعوية، أو البنية التحتية.
2,200 أوقية جديدة سنوية لكل عامل في القطاع أما إذا احتسبنا الإنفاق بالنسبة لعدد العاملين (589 ألف شخص تقريبًا):
1.3 مليار ÷ 589 ألف ≈ 2,200 أوقية جديدة للعامل سنويًا وهو رقم يعكس أن تدخل الدولة يظل في إطار دعم الاستقرار، لا في إطار الاستثمار المكثف لرفع الإنتاجية أو تعزيز القيمة المضافة.
1.3 أوقية جديدة لكل لتر حليب منتج
يبلغ الإنتاج الوطني من الحليب نحو 984 مليون لتر سنويًا. وعند مقارنة الإنفاق بحجم الإنتاج: 1.3 مليار ÷ 984 مليون لتر ≈ 1.3 أوقية جديدة لكل لتر
هذه الأرقام تكشف بوضوح أن القطاع يعمل أساسًا بقدراته الذاتية التقليدية، بينما يظل الدعم العمومي محدودًا نسبيًا.
ماذا لو ارتفعت الإنتاجية 10% فقط؟
إذا ارتفع إنتاج الحليب بنسبة 10% فقط، فذلك يعني إضافة حوالي 98 مليون لتر سنويًا.
وعند متوسط سعر 30 أوقية جديدة للتر (300 أوقية قديمة)، فإن القيمة السوقية الإضافية ستكون: 2.94 مليار أوقية جديدة تقريبًا أي ما يعادل نحو 2.3 ضعف الإنفاق الحكومي الحالي على القطاع.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: زيادة طفيفة في الإنتاجية قد تولد قيمة اقتصادية ضخمة تفوق بكثير حجم الاستثمار العمومي الحالي.
دعم وقائي أم استراتيجية تحول؟
لا يمكن التقليل من أهمية الإنفاق الحالي، خاصة في مجالات الصحة الحيوانية وإدارة الموارد الرعوية، إذ يمثل صمام أمان في بيئة مناخية هشة. غير أن هيكل التمويل يكشف أن المقاربة السائدة هي مقاربة حماية واستقرار أكثر من كونها استراتيجية تحول إنتاجي.
مقارنة إقليمية مع مالي والسنغال
تُظهر المقارنة أن موريتانيا تتفوق في حجم الإبل والأغنام، بينما تمتلك مالي أكبر قطيع في المنطقة (نحو 45–50 مليون رأس) مع اعتماد قوي على الأبقار والأغنام، ما يجعلها أكبر منتج للحليب واللحوم في الساحل. أما السنغال، فيمتلك قطيعًا أصغر (12–15 مليون رأس)، لكنه يتميز بتنوع أنماط الإنتاج وإدماجها في سلاسل القيمة الحديثة، خصوصًا في المدن الكبرى مثل داكار. لكن يبقى القاسم المشترك بين الدول الثلاث هو هيمنة النظم التقليدية وضعف التمويل العمومي مقارنة بالإمكانات.
ثامنا: فجوة بين الإمكانات والتمويل
إن تحويل أقل من 1% من الميزانية إلى رافعة اقتصادية حقيقية يتطلب رؤية جديدة تجعل من الثروة الحيوانية قطاعًا إنتاجيًا تنافسيًا، لا مجرد ركيزة اجتماعية واسعة.
يكشف التعداد العام للثروة الحيوانية 2024 بوضوح أن موريتانيا تمتلك ثروة حيوانية ضخمة ومتنوعة، لكنها لا تزال غير مستثمرة بالقدر الكافي اقتصاديًا. ويتمثل التحدي الرئيسي في:
الانتقال التدريجي من الرعي التقليدي إلى نظم إنتاج أكثر إنتاجية واستدامة،
تعزيز الخدمات البيطرية والبنية العلفية،
تنظيم الانتجاع والمسارات الرعوية والأسواق،
ربط القطاع بسلاسل قيمة قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.
إن توظيف هذه المعطيات في السياسات العمومية كفيل بتحويل الثروة الحيوانية من مجرد رصيد كمي إلى رافعة تنموية حقيقية للاقتصاد الوطني.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار:
هل نكتفي بإدارة القطيع، أم نستثمر في اقتصاد الثروة الحيوانية؟










