نشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأة موريتانيا وتطور الدولة الحديثة: الحلقة السادسة

محمد حاميدو كانتى

"متطلبات التحول ومستقبل الإصلاح"
                                                           1
خامسا: متطلبات التحول الديمقراطي:
لايمكن إحداث التحول الديمقراطي دون توفر متطلبات أساسية يمكن من خلالها الشروع بعملية التحول الديمقراطي، وتمهيد الأرضية لمأسسة العملية الديمقراطية برمتها.
وإذا صار من المسلم به أن عملية التحول ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع، لا أن تكون تجربة جاهــــزة وتطبق في هذا البلد أو ذاك. 
إلا أن عمليـة التحول ينبغي أن تتــــوافر على وجود العديد من المتطلبات في المجتمع ومن ذلك: 

- توسيع قاعدة المشاركة السياسية: بحيث تمثل في العملية السياسية شرائح المجتمع كافة بمختلف توجهاتها السياسية وانتماءاتها، فضلاً عن أن تكون ضامنة وقادرة على استيعاب الشرائح الاجتماعية الجديدة ومطالبها المتصاعدة. 
وهنا تأتي مسؤولية المؤسسات السياسية التي ينبغي أن تكون لها القابلية على التكيف مع التغيرات الحاصلة في المجتمع، وفي الوقت نفسه قادرة على استيعاب تلك المطالب، وبهذا الإجراء يضمن عدم التهميش أو الاستبعاد أو الإقصاء عن العملية الديمقراطية. 
                                                      
2

- ترقية الجانب النفسي "السيكولوجي" : المتعلق بسلوك الفرد والجماعة، والذي بمجمله يمثل سلوك الفرد ويشكله في نظرته إلى السلطة، وبالتالي يشكل الموقف من عملية التحول الديمقراطي. 
 باختصار ترقية الجانب المتعلق بإيمان الفرد والجماعة بضرورة التحول الديمقراطي. 

- ترسيخ المؤسسات السياسية: التي تكفل إيمان الفرد والجماعة بضرورة التحول الديمقراطي (عبر الجانب المؤسسي والتنظيمي مصاغاً ومبلوراً في دساتير وقوانين … على أن يكون ذلك دائراً في إطار ثقافي يقبل بالديمقراطية والتعدد سبيلاً إلى النهضة والتقدم عموماً . "وتجسده المشاركة السياسية". 

 - إقرار التعددية السياسية: التي من أهم أهدافها (أن تكفل تداول السلطة وحريات التعبير عن الرأي والمصالح والانتخاب... الخ، وعلى هذا الأساس يؤكد (المختصون) على أن (هدف التعددية السياسية وسبب وجودها هو إنشاء الطريقة المؤسسية التي تسمح لأحد أطراف التعددية بالوصول إلى السلطة مكان الطرف المسيطر.
                           "ومن يتجاهل هذه القاعدة البدهية يختبأ وراء أصبعه"

3

-    ترقية مؤسسات المجتمع المدني: حيث ظلت مؤسسات المجتمع المدني لحقبة طويلة من الزمن حبيسة إرادة الدولة وسلطانها، فالدولة سلبت من المجتمع وظائفه الحيوية، واحتكرتها لنفسها، وجردت الشعب من حقوقه الإنسانية ومنها حق المشاركة في الحياة السياسية وحق التعبير عن آرائه المستقلة. 
ولذلك لابد للدولة التي تريد التحول إلى الديمقراطية من أن توجد للمجتمع المدني المناخ السليم لنمو مؤسساته وازدياد فاعليته، لان الديمقراطية تقتضي السماح بتعدد وتنوع واختلاف الآراء بل إن اختلاف الآراء يعد سمة من ابرز سمات الديمقراطية. 

                                                  4

سادسا : مستقبل الإصلاح السياسي في موريتانيا والإطاحة بولد الطايع:

لا ينبغي وضع مجمل عملية الإصلاح السياسي في موريتانيا في خانة التكهنات في دراسة مستقبلها، وإنما علينا البدء باستقراء جيد لعملية الإصلاح منذ الشروع بها وحتى أواخر العام 2005). 

تؤشر بداية تلك العملية أنها جاءت بقرار من النظام العسكري، وجاء القرار بصيغة تضمن استمرار شكل الحكم بتغيرات طفيفة، وظل النظام العسكري مسيراً لمجمل العملية ومحركاً لها، مستخدماً أساليب الإقصاء والإبعاد لقوى سياسية محددة كالحركة الإسلامية، وحركة المعارضة المسلحة في المنفى (فرسان التغيير). 
بمعنى آخر أن الإصلاح جاء من النظام وليس استجابة لحاجة مجتمعية، والدليل على ذلك هو ازدياد المعارضة السياسية. 

                                                         5

ومع أن موريتانيا كانت قد شهدت انفتاحاً سياسياً فعلياً تجلى في تعدد الأحزاب المعارضة والتكاثر المذهل للصحف الحرة، الأمر الذي أرسى حرية تعبير فعلية، كما أن أول انتخابات رئاسية تعددية في العالم العربي قد أجريت، إلا أن المسار الديمقراطي لم ينفذ إلى جذور البناء الاجتماعي وقاعدته، ولم يخلق دينامكية فاعلة تكرس تعمق ثقافة الاختلاف وتضمن استمراره، كما أن تآكل الجهاز الإداري وفساده وضعف وسائله وصلاته غير المحددة بالسلطات الحاكمة، عوامل مست مصداقية الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهو ما حدا بالمعارضة إلى مقاطعة الانتخابات، وهذا الوضع كما نراه ليس نتيجة مباشرة لعوائق وأخطاء المسار الديمقراطي الحالي، وإنما يحمل أكثر من ذلك مؤشرات على أزمة شرعية عنيدة يعانيها نموذج الدولة (الوطنية) التي فقدت الكثير من بريقها، وفشلت في تحقيق غايتها التي من اجلها قامت وهي التنمية..

                                                          6
 . 
لذلك كله تعد المرحلة من إعلان دستور ابريل 1991 وحتى أغسطس 2005 مرحلة عدم استقرار سياسي، بمعنى أن الإصلاح لم يأت بنتيجة تذكر على الواقع الموريتاني لاسيما وان موريتانيا قد شهدت خلال تلك الحقبة انقلابين عسكريين احدهما فاشل والآخر ناجح عبرا بشكل لا لبس فيه على أن الإصلاح كان من النظام ولأجله وليس من النظام إلى المجتمع، وسلوك نظام (ولد الطايع)  يؤكد على ذلك، ويمكن أن نذكر هنا سلوكين سلكهما النظام إثر إيقاف عملية الإصلاح التي شرع بها (ولد الطايع) بحدوث انقلاب أغسطس 2005: 

-    العلاقات مع إسرائيل
-    التوسل بملاحقة الإسلامية

                         إلى اللقاء في الحلقة السابعة
                                       

أحد, 25/01/2026 - 16:48