نشـأة موريتانيا وتطور الدولة الحديثة: الحلقة الخامسة

محمد حاميدو كانتى

   "مطبات"رابعا: طبيعة الإصلاح السياسي

- في 17 ابريل 1991 أكد (معاوية ولد سيدي احمد الطايع) في خطاب له أن الحكومة عاقدة العزم على "المضي قدماً في إشراك كل مواطن في بناء موريتانيا مستقلة قوية ومزدهرة"
 
- في 12 يوليو 1991، شهدت موريتانيا استفتاء على دستور جديد. وتمت المصادقة عليه في استفتاء عام بتاريخ 12 يوليو 1991 بنسبة تتجاوز97 بالمائة من الأصوات. تضمن الدستور ديباجة و (104) مواد.
 
- دخل الدستور الجديد حيز التنفيذ في 20 يوليو 1991. ويمتاز الدستور الموريتاني الصادر بتشديده على المثل الثقافية والواقع الاجتماعي للبلاد خلافاً لدستور 20 / مايو / 1961 الذي يحاكي الدستور الفرنسي بشكل كبير. 
فقد برزت الهوية الإسلامية للدولة على نحو واضح في ديباجة دستور 1991 مرتبطة بنمط تحديثي ديمقراطي ..

"فالشعب الموريتاني يعلن، اعتباراً منه لقيمه الروحية وإشعاعه الحضاري، وتمسكه بالدين الإسلامي الحنيف ومبادئ الديمقراطية الوارد تحديدها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..."
وفي الديباجة نفسها يتم تحديد هوية الشعب الموريتاني (كشعب مسلم عربي إفريقي يعلن تصميمه على السعي من اجل السلم في العالم).

                                           

المهم في هذا الدستور فيما يتعلق بالإصلاح السياسي هو مسألتا:
 المشاركة السياسية  و تداول السلطة. 
هذا، إذا سلمنا بان عملية الإصلاح السياسي تعد حجر الزاوية في عملية إصلاح الدولة، وجوهر الإصلاح السياسي هو تأسيس عقد اجتماعي جديد بين الدولة ومواطنيها، يجعل من المواطنة بمعنييها السياسي والقانوني محور الرابطة المعنوية بين الحاكم والمحكوم يستند إلى مبادئ وأسس احترام حقوق الإنسان، وإقرار التعددية السياسية والفكرية، وتمكين مختلف القوى والتكوينات الاجتماعية من التعبير عن مصالحها وتوصيل مطالبها من خلال قنوات مؤسسية شرعية، مع توفير ضمانات تمثيلها في هياكل الدولة ومؤسساتها بصورة عادلة ومتوازنة، إضافة إلى إفساح المجال أمام نمو تنظيمات المجتمع المدني وتطورها وتحقيق استقلاليتها عن الدولة. 

ومن مقومات العقد الاجتماعي الجديد أيضا، إقرار مبدأ الفصل بين السلطات، واحترام استقلالية السلطة القضائية، وتوفير ضمانات ومتطلبات تحقيق المشاركة السياسية، وكل ذلك يجب أن يقود في نهاية المطاف إلى إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة طبقاً للإرادة الشعبية كما تعكس ذلك نتائج الانتخابات الحرة . 

                                                   

الملاحظ أن دستور 1991 ضمن مبدأ التعددية الحزبية في المادة (11) منه إذ نصت على "تسهم الأحزاب والتجمعات السياسية في تكوين الإرادة السياسية والتعبير عنها، تتكون الأحزاب والتجمعات السياسية وتمارس نشاطها بحرية، شرط احترام المبادئ الديمقراطية وشرط ألا تمس، من خلال غرضها ونشاطها، بالسيادة الوطنية والحوزة الترابية ووحدة الأمة والجمهورية."
 
يحدد القانون شروط إنشاء وسير وحل الأحزاب السياسية. وهو ما تكرس فعلاً بالأمرين القانونيين الذين أصدرتهما (اللجنة العسكرية) في 25  يوليو 1991 المتعلقين بحرية تشكيل الأحزاب وحرية الصحافة. 

لكن الملاحظ أن المادة (6) من القانون المنظم للأحزاب تحظر على أي حزب الانفراد بحمل لواء الإسلام. 
ويبدو أن المشروع الموريتاني استفاد كثيراً من التجربة الجزائرية، وتفادى خلق مناخ سياسي مماثل، وهو ما حصل من الناحية العملية مع "حزب الأمة الإسلامي" حيث تقدم بطلب لإجازته، ولكن رفض الاعتراف به باعتباره حزباً إسلامياً. 

وهذا يعني فيما يتعلق بالمشاركة السياسية استبعاد قوى سياسية معينة، والسعي باتجاه عدم إشراكها في العملية السياسية وما يرافق ذلك من تهميش لشرائح اجتماعية عريضة من المجتمع، ويفرغ عن الإصلاح السياسي جديته، ويفقده عنصراً رئيساً من عناصره والمتمثل بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية. 

في مقابل ذلك لم تشر مواد الدستور الـ (104) إلى مبدأ التداول السلمي للسلطة. 
وفي الدستور إشارة واضحة لذلك التغييب، فالمادة (28) من الدستور تنص على "يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية"، تعني هذه المادة إطلاق دون تحديد عدد ولاياته، وهو ما يسمح للرئيس بالبقاء في السلطة مدى الحياة. 

                                             

فضلاً عن مواد أخرى يتعلق اغلبها بمنصب الرئيس، ويجعل منه رأسا لكل السلطات بما فيها السلطة القضائية، ويذهب إلى حد إعطائه حق استبدال العقوبات الصادرة عن القضاء، وهو ما أكدت عليه المادة (37) من الدستور بالنص على "يمارس رئيس الجمهورية حق العفو وحق تخفيض العقوبات أو استبدالها" . 
بمعنى أن التداول السلمي على السلطة لم يقر في الدستور الموريتاني. وقادت أزمتا المشاركة السياسية، وغياب التداول السلمي للسلطة إلى غياب المؤسسات السياسية أو عجزها عن استيعاب عملية التحول الديمقراطي وتأطيرها مؤسسياً، على الرغم من مرور عقد أو يزيد على الإعلان عن بدء الإصلاح السياسي. 

                                             

وطرحت بعض النخب في هذا السياق كون النظام الديمقراطي لم ينجب طبقة سياسية مقتنعة بمبدأ التناوب على السلطة وقادرة على تولي ذلك التناوب دون خطر على البلاد . 

وهكذا، مثلت الانشغالات الموريتانية في محاولات التحول الديمقراطي هماً رئيساً على مستوى النظام السياسي، وعلى مستوى المجتمع الموريتاني، وظلت تلك المحاولات تتعرض للكثير من المعوقات التي فعلت فعلها في مجمل المساعي الرامية إلى التحول الديمقراطي، فضلاً عن تعرضها إلى مسألة التشكيك في نزاهتها، حتى صارت (الإصلاحات السياسية) المنشودة قاب قوسين أو أدنى من إمكانية خلق مؤسسات تركن إليها وتؤسس عليها عملية التحول الديمقراطي. 

                                                     

وتجلى تعثر الإصلاحات السياسية في موريتانيا في صورة استمرار فوز الحزب الحاكم "الحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي" وزعيمه معاوية رئيساً للدولة في مقابل استمرار التشكيك بشرعية مجمل عملية التحول الديمقراطي لا سيما الانتخابات، إذ غالباً ما تعرضت تلك الانتخابات إلى التشكيك بنتائجها من المعارضة لا سيما الإسلامية منها.

 وقاد هذا الأمر إلى تصاعد مطالب المعارضة السياسية وإعلان المعارضة للنظام السياسي وإعلان مطالبها السياسية وفي مقدمتها إجراء الإصلاحات السياسية بما يتوافق والسعي باتجاه ترسيخ أسس التحول الديمقراطي في موريتانيا بشكل يكفل للجميع المشاركة في الحياة السياسية، والتداول السلمي للسلطة . 

إلى اللقاء في الحلقة السادسة
                                 

خميس, 22/01/2026 - 23:09