ثالثا: بداية التسعينات و مرحلة الانفتاح السياسي
تعرض الجيش إلى ضغوط قادت إلى التغيير وتحديداً في العام 1991، في هذا الصدد جاء خطاب الرئيس ولد الطايع في 17 أبريل 1991 معبرا عما يمكن اعتباره الملامح الأولية للمشروع الديمقراطي الموريتاني.
فقد أكد هذا الخطاب أن الحكومة عاقدة العزم على"المضي قدما في إشراك كل مواطن في بناء موريتانيا مستقلة قوية ومزدهرة.. وسيقام استفتاء عام من أجل المصادقة على دستور وستتم هذه الإجراءات بإذن الله قبل نهاية السنة الجارية" في إشارة إلى سنة1991 " .
ويمكن تقسيم دواعي الإصلاح السياسي في الدولة الحديثة إلى عوامل داخلية وعوامل خارجية أيضا :
فضعف استجابة النظام للطلبات الواردة إليه أدى إلى الضغط عليه من داخل النظام ومن بيئته وبدلاً من أن يصل ذلك الضغط إلى مستوى تدمير النظام نفسه، لجأ النظام إلى الإصلاح كسبيل للتخفيف من اختناقاته التي زخر بها طيلة حقبتي الحكم المدنية والعسكرية، والأخيرة منها على وجه الخصوص.
و لذلك فان من أولى دواعي اللجوء إلى الإصلاح هو استمرار النظام وبقاءه في ظل اختناقات عاناها طويلاً وفي مقدمتها:
تدني الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفعل الأزمة الاقتصادية المستحكمة. حيث تعد موريتانيا البلد الأكثر إرهاقا بسبب تفاقم المديونية الخارجية.
هذه المديونية تضاعفت تقريباً خلال (11) سنة بانتقالها من (844 مليون دولار عام 1980 إلى (2299) مليون دولار عام 1991.
ويبقى الاقتصاد الموريتاني معاقاً بالهياكل التقليدية، فمداخيل الصادرات تأتي أساسا من القطاع الزراعي بسقف 46%، ثم القطاع المنجمي بـ30% عام 1988.
وبالأحرى فان القطاع المنجمي في حالة انخفاض، فقد كان يمثل حوالي 25% من الناتج الداخلي الخام، خلال الستينات، لكنه لا يمثل سوى 17% في نهاية سنوات الثمانينات.
في الواقع، لقد أدت أزمة الصادرات إلى رفع مستوى الديون الخارجية الموريتانية إلى أقصاها، فموريتانيا تبقى مثقلة وتعاني عبئاً مفرطاً، وقد فجر رفع أسعار المواد الأولية الضرورية في يناير 1995 حسب توجيهات صندوق النقد الدولي، مظاهرات شعبية عارمة منددة بالحكومة التي استدعت الجيش وأوقفت قادة الأحزاب السياسية.
وتندرج موريتانيا ضمن قائمة البلدان الأقل تقدماً في الكرة الأرضية، وليست تدابير صندوق النقد الدولي من ستخرجها من التخلف !
إزاء ذلك باتت موريتانيا من اشد الدول فقراً، حيث يعيش، على سبيل المثال، ربع سكان العاصمة تقريباً في بيوت من الصفيح، إضافة إلى غياب الديمقراطية وقمع الحريات وانعدام العدالة، والسياسات الخارجية المثيرة للسخط، ضعف المشاركة السياسية، (المشاركة السياسية باعتبارها النشاط الطوعي للفرد في الشؤون السياسية بما فيها: التصويت والعضوية والنشاط المتصل بالمجموعات السياسية مثل مجموعات المصالح والحركات والأحزاب السياسية وتولي المناصب في المؤسسات السياسية، وممارسة القيادة السياسية، والأنشطة غير النظامية مثل المشاركة في المناقشات السياسية أو حضور المناسبات السياسية مثل المظاهرات، ومحاولة إقناع السلطات أو الناس بالعمل بطرائق معينة فيما يتعلق بالأهداف السياسية.
لذا يرتبط المصطلح ارتباطاً وثيقاً بالنظم السياسية الديمقراطية إذ تميل الأنظمة غير الديمقراطية إلى تقييد مشاركة الجمهور أو توجيهها بطرائق محددة مسبقاً.
غير أن المصطلح لا ينطبق على الأشكال التقليدية أو حتى الأشكال القانونية للنشاط السياسي وحدها. وينبغي فهم الأنشطة غير التقليدية وغير القانونية من محتواها.
طبقاً لهذا الفهم المختار لمفهوم المشاركة السياسية فان الحقبة العسكرية التي عاشتها موريتانيا منذ 1978 وحتى 1991 لم يعرف الموريتانيون خلالها المشاركة السياسية إلا بطريقة التعبئة إذ لم تسهم القنوات (الشرعية) التي أوجدها العسكريون في خلق مشاركة سياسية فاعلة من لجنة التطوع إلى المجالس الجهوية وهياكل تهذيب الجماهير... بل على العكس من ذلك تشكلت طبقة سياسية رديئة شرعت الاستبداد وأسهمت في ضرب قوى الرفض والمعارضة ، بمعنى آخر أن نظام الحكم في موريتانيا لم يوفر ضمانات تحقيق المشاركة السياسية ومتطلباتها.
- الموجة العاتية ضد الأنظمة الشمولية بما فيها الأنظمة العسكرية:
بما أدته من انكشاف تلك الأنظمة أمام عصف التغيرات التي أصابت النظام السياسي الدولي منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، وحركت التناقضات الموجودة أصلا في تلك الأنظمة، وشكلت عنصراً ضاغطاً على صناع القرار، وترافقت مع تلك التغيرات ضرورة الاستجابة للمتطلبات الخارجية لا سيما في مجال التحول الديمقراطي وإقرار التعددية السياسية والحزبية .
الأمر الذي أثر في الركيزة الأساس للنظام السياسي في موريتانيا المتمثلة بهيمنة الجيش على الحكم.
وبذلك يمكن القول إن ضغوطات البيئة الخارجية كانت دافعاً رئيساً وراء التحول الديمقراطي، وإن البيئة الداخلية (رغم أنها حبلى بالتناقضات) للنظام السياسي لم يكن لها دور موازٍ لدور البيئة الخارجية للنظام لا سيما إذا ما أخذنا في الحسبان أن مطالب البيئة الداخلية للنظام كان يمكن السيطرة عليها باستخدام النظام السياسي للقوة في السيطرة على المطالب المجتمعية، لكن لا يمكن للنظام السياسي الفكاك من الضاغط الخارجي أو تحديه.
هذا إذا ما أدركنا أن الاستجابة للضاغط الخارجي كان بمثابة المخلص للنظام السياسي الموريتاني في تعامله مع بيئته الداخلية المأزومة أصلا.
وهكذا عدت عملية إضفاء الطابع الديمقراطي على الحكم في موريتانيا محور عملية الإصلاح السياسي المنشودة.
فما الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل النظام السياسي "العسكري" في موريتانيا ؟
إلى اللقاء في الحلقة الخامسة











