نشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأة موريتانيا وتطور الدولة الحديثة الحلقة الثالثة

محمد حاميدو كانتى

مرحلة ما بعد 1978: هيمنة المؤسسة العسكرية 

هذه المرحلة من سنة (1978-1984)، تميزت بهيمنة القيادة العسكرية على ممارسة السلطة على الصعيدين الداخلي والخارجي استنادا إلى عدة مواثيق دستورية، بحيث تمثل سنة 1978 منعطفا حاسما في تاريخ تطور موريتانيا، نتيجة استيلاء الجيش على السلطة بقيادة مصطفى ولد السالك بانقلاب وضع بواسطته حدا لمرحلة الرئيس المختار ولد داده وذلك صبيحة 10 يوليو سنة 1978 ليصبح المقدم المصطفى ولد محمد السالك رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني ورئيس الدولة. 

وتوالت بعد ذلك الانقلابات العسكرية، التي وصلت إلى ست انقلابات عسكرية في فترة لا تتجاوز الست سنوات تمتد ما بين 1978 و 1984 ، وهذا ما يفسر عدم الاستقرار السياسي. 
ونمر على مسار هذه الانقلابات فيما يلي:
                 
                                                 

  الانقلاب على ولد السالك

أدى التجاذب بين أعضاء اللجنة العسكرية المذكورة إلى إقصاء ولد السالك الذي لم يمض في الرئاسة إلا زهاء 10 أشهر، ليصبح المقدم أحمد ولد بوسيف الوزير الأول والرجل القوي في النظام يوم السادس من أبريل سنة 1979، ولتأخذ اللجنة اسما جديدا هو اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني ويحتفظ ولد محمد السالك برئاسة شكلية لها. 

ولم يكد المقدم ولد بوسيف يتم شهرين في الحكم حتى عاجله الموت بعد سقوط طائرته -في ظروف غامضة- على الشواطئ السنغالية قرب داكار. 

وتصدر بعدها المقدم محمد خونا ولد هيدالة الواجهة ليصبح الوزير الأول وليبعد ولد محمد السالك نهائيا عن رئاسة اللجنة العسكرية يوم 31 مايو سنة 1979، جاعلا مكانه المقدم محمد محمود ولد أحمد لولي رئيسا للجنة ومحتفظا لنفسه برئاسة الوزراء. 

                                                 

*إبعاد ولد أحمد لولي

ومع بداية الثمانينات تم إبعاد المقدم ولد لولي لينفرد ولد هيدالة برئاسة اللجنة العسكرية ورئاسة الحكومة منذ 4 يناير سنة 1980 . 
وفي دجمبر في نفس السنة أسند ولد هيدالة رئاسة الوزراء إلى مدني هو سيدي أحمد ولد بنيجاره ليعين مكانه يوم 28 أبريل سنة1981 رئيس وزراء عسكري هو العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع .

 محاولة مارس 1981 للإطاحة بولد هيدالة

نظمت المعارضة الموريتانية المقيمة بالمغرب المعروفة بتآلف موريتانيا الديمقراطي (AMD) محاولة للإطاحة بولد هيدالة قام بها عضوان سابقان في اللجنة العسكرية كانا قد لجآ إلى المغرب وهما المقدم محمد ولد اباه ولد عبد القادر المشهور بكادير والمقدم أحمد سالم ولد سيدي. 
وقد أجهضت المحاولة وأعدم زعماؤها وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وموريتانيا. 

 محاولة فبراير 1982 للإطاحة بولد هيدالة

وفي هذه المحاولة، تم اعتقال الرئيس السابق ولد محمد السالك والوزير الأول السابق ولد بنيجاره ووزير الداخلية السابق كذلك شيخنا ولد محمد الأغظف بتهمة محاولة الانقلاب على ولد هيدالة. 

الإطاحة بولد هيدالة عام 1984

وفي يوم 12 دجمبر 1984 تم إقصاء ولد هيدالة بانقلاب قاده معاوية ولد سيدي أحمد الطايع تولى بموجبه السلطة، رئيسا للجنة العسكرية للخلاص الوطني حتى سنة 1992 لتدخل البلاد في مرحلة جديدة ومثيرة..!
                                                   7

وتجدر الإشارة إلى أن القنوات (الشرعية) التي أوجدها العسكريون ولم تسهم في بلورة حوار سياسي فعلي وممارسة تعددية جدية (من لجنة التطوع إلى المجالس الجهوية  وهياكل تهذيب الجماهير...)، بل كرست العمل المخابراتي، واصطياد (كلاب الحراسة) من أشباه الأطر والمثقفين، الأمر الذي شكلّ طبقة سياسية توصف ب (الرديئة) شرعت الاستبداد وأسهمت في ضرب قوى الرفض والمعارضة، كما حرصت من وراء ذلك كله على تحقيق الثراء وكسب المنافع والخيرات على حساب المجموعة الوطنية. 

                                                     8

ومن الواضح أن موريتانيا لم تشهد أية بوادر جدية للإصلاح السياسي خلال الحقبتين السابقتين، حيث افتقرتا إلى أربعة مرتكزات مهمة للديمقراطية وهي الحرية والمساواة والتعددية وتداول السلطة ، وهذا يعني غياب أية محاولة جدية للإصلاح السياسي في موريتانيا. 

                                                      9

ويكمن السبب الرئيس وراء ذلك في هيمنة المؤسسة العسكرية وتحديداً الجيش على الحكم في موريتانيا. إذ لم يسمح غياب الإطار الديمقراطي الفعلي للحرية، الناتج عن الحزب الواحد في الحقبة المدنية، وحظر الأحزاب في الحقبة العسكرية، بتوفير شروط مجتمع مبني على العدالة الاجتماعية والمصلحة العامة وتسيير الاقتصاد والإدارة في شفافية، تماشياً مع تعاليم الإسلام وآمال الشعب.

                                                      10

وعلى صعيد المواثيق الدستورية، فقد عرفت البلاد ستة مواثيق دستورية وضعت من طرف اللجنة العسكرية التي تولت حكم البلاد طيلة هذه الفترة وهذه المواثيق هي: 

- ميثاق 10 يوليو 1978  الذي تم وضعه غداة الانقلاب العسكري الذي أطاح بنظام ولد داده. 
- ميثاق 6 أبريل سنة 1979. 
- ميثاق 4 يناير 1980. 
- ميثاق 12 دجمبر 1980. 
- ميثاق 25 أبريل سنة 1981. 
- ميثاق 9 فبراير سنة 1985.   وهذا الميثاق  ظل ساري المفعول إلى أن تم وضع المؤسسات الدستورية التي نص عليها دستور 1991.

وتمتاز هذه المواثيق بأنها لم تنظم السلطات تنظيما مفصلا وكان واضعوها يبررون ذلك بأن فترة سريانها، فترة مؤقتة وانتقالية، ريثما يتسنى وضع مؤسسات ديمقراطية تحكم البلاد. 

إلى اللقاء في الحلقة الثالثة

ثلاثاء, 20/01/2026 - 08:51