في الواقع كان الموقف المغربي الذي اعتبر موريتانيا جزء من المغرب، يأخذ طريقه إلى الاعتماد بشكل واسع على المستوى الدولي.
فأغلبية الدول كانت تعتبر هذه الدولة الجديدة من صنع الاستعمار، خاصة وأن بعض الشخصيات الموريتانية كانت تناضل من أجل الانضمام إلى المغرب.
وإلى أن وصلت موريتانيا إلى وضعها الحالي مرت بمراحل لكل منها خصوصيتها وكانت على النحو التالي:
2
أولا: النظام السياسي قبل 1978: التوجه الليبرالي(الحقبة المدنية)
في البداية حاولت موريتانيا اعتمادا على الدعم الفرنسي والدول الغربية ودول الاتحاد الفرنسي الإفريقي الحصول على عضوية الأمم المتحدة، إلا أن الفيتو السوفيتي في مجلس الأمن عطل ذلك الطموح، إلى غاية شهر أكتوبر سنة 1961 حيث اكتسبت موريتانيا عضوية الأمم المتحدة؛ بعد ذلك توجهت الحكومة تدريجيا إلى تطوير العلاقات مع الدول الحليفة والصديقة والمجاورة، حتى تمكنت من الحصول على اعتراف المغرب بها سنة 1969 بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول بفاس.
3
وقد تم اعتماد أول دستور في 22 مارس 1959 كنص يبحث عن توازن بين أولوية الدين الإسلامي واحترام السيادة الوطنية الموروثة عن القانون الدستوري الفرنسي.
وقد تكونت السلطات السياسية من وزير أول منتخب من طرف الجمعية الوطنية دون أن يكون مسؤولا أمامها، يساعده في أداء مهامه مجموعة من الوزراء (دون وجود منصب رئيس الجمهورية)، مع لجنة دستورية تقوم بدور التحكيم بين الحكومة والجمعية الوطنية.
4
وقد أقرت المادة 9 من دستور 1959 إمكانية تأسيس أحزاب وتجمعات سياسية على أساس احترامها للمبادئ الديمقراطية والسيادة الوطنية ووحدة الجمهورية.
وكان من أبرزها: - حزب التجمع الموريتاني - الاتحاد الوطني الموريتاني - حزب النهضة - اتحاد الاشتراكيين المسلمين الموريتانيين .
وقد كان الحزب الأول حزبا حكوميا، بينما كانت الأحزاب الثلاثة الأخيرة تشكل المعارضة.
وقد اجتمع مندوبو الأحزاب الأربعة في أكتوبر 1961 من اجل توحيد العمل السياسي في البلاد وتحقيق الوحدة الوطنية وذلك من خلال تأسيس نظام الحزب الواحد.
5
ويعتبر هذا الدستور الأول نصا يستجيب لمرحلة بداية الاستقلال. فقد تم تعديله عدة مرات، بحيث تخلت موريتانيا بموجب دستور 20 مايو 1961 عن النظام البرلماني بدعوى أنه غير ملائم للجهود المبذولة من أجل البناء الوطني وتقوية سلطة الدولة. وهكذا تم اعتماد نظام رئاسي غير متوازن ركز السلطة بيد رئيس الدولة.
6
في الحقيقة النص الدستوري لسنة 1961 تعرض للتعديل أربع مرات، في 24 أبريل سنة 1964، و12 فبراير 1965، و12 يوليو 1966، و4 مارس 1968.
ويمكن القول بصفة عامة أن دستور 1961 نفسه قد استفاد من التجربة الفرنسية لسنة 1958 في الجانب المتعلق بدعم السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، إضافة إلى الاستفادة من النظام الرئاسي الأمريكي دون أخذ سلطات الكونغرس بعين الاعتبار .
لقد تميزت الحقبة الأولى بهيمنة الحزب الواحد على المجتمع، ومنع أي تكتل آخر غير الحزب الواحد (حزب الشعب الموريتاني)، وكان النظام الموريتاني بعد الاستقلال ذا طبيعة ليبرالية.
7
كان المجتمع الموريتاني أساساً مجتمعاً ريفياً، كما أن الاقتصاد الموريتاني كان بدائياً (فلاحة، ورعي، ومناجم) سيطر عليه القطاع الخاص، وتعد شركة مناجم الحديد الموريتانية ميفرما MIFERMA شركة أجنبية بأموال أوربية تغلب عليها المصالح الفرنسية، ولم تؤمم إلا سنة 1974، كما أنها توفر (90) بالمائة من حصص التصدير الموريتاني في نهاية السبعينات .
8
وفي الحقبة العسكرية منع وجود الحزب الواحد نفسه، ولم يسمح طبعاً بوجود أي تكتل آخر، اللهم إلا ما سمي في حينه بالهياكل الشعبية، وهو تنظيم هش بُني على أساس التساكن والولاء للنظام، وقد استغله (الانتهازيون والسماسرة المحتالون)، وقد كان في حقيقته من أشكال التنظيم الأمني للمجتمع والذي بُني على هذه الفكرة وساعد على تكريس الاحتلال والاتكالية .
إلى اللقاء في الحلقة الثالثة
.jpeg)










