فنزويلا ليست الهدف… بل الرسالة الجيوستراتيجية في لحظة تفكك النظام الدولي او تفكيكه

أمال لعروسي

ما يجري بين الولايات المتحدة و فنزويلا لا يمكن فهمه بوصفه أزمة ثنائية او تصعيد ثنائي بين دولتين متخاصمتين هذا النوع من القراءة رغم حضوره الإعلامي المكثف يبقى سطحي و عاجز عن تفسير التوقيت و الأدوات و الأهم الجهة التي تخاطب فعلا بهذا التصعيد …

 

على السريع : فنزويلا في هذا المشهد ليست خصم استراتيجي بل مسرح اختبار نعم مسرح و ليست غاية بحد ذاتها يعني وسيلة ضمن إعادة ترتيب أوسع لقواعد الاشتباك الدولي … فالولايات المتحدة مع ترامب لم تعد تتصرف كقوة تدير النظام الدولي كالسابق بل كقوة تحاول منع انهياره بطريقة لا تلحق بها الضرر الأكبر رغم أنها تدرك أن الانهيار قادم لا هروب و في مثل هذه المراحل الانتقالية من التاريخ الدولي حتما تتراجع لغة القانون و الشرعية لصالح منطق القدرة و فرض السوابق … وعليه لا تقاس التحركات الأميركية بمدى مشروعيتها القانونية بل بقدرتها على ترسيم خطوط حمراء جديدة في عالم لم تعد فيه القواعد السابقة صالحة …. لماذا اختيار فنزويلا تحديدا و ليس تفصيلا عابرا ؟ ببساطة لانها تمثل عقدة جيوستراتيجية مركبة : حليف طاقوي لروسيا في لحظة إنهاك روسي واضح … ساحة استثمار صيني في الجنوب العالمي و خاصرة جغرافية حساسة للولايات المتحدة في الكاريبي … وايضا دولة منهكة داخليا تفتقر إلى قدرة ردع حقيقية و عندها خيرات ربي .. والضغط عليها يتيح لواشنطن توجيه رسائل متزامنة إلى موسكو و خاصة بيكن الأم الهادئة دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع أي منهما و بكلفة محسوبة على عاتق فنزويلا نفسها …..

وعلى عكس ما قد يبدو الرسالة الأساسية ليست في إعتقال مادورو و لا رسالة الى كاراكاس و لا رسالة إلى موسكو بل المستتر هي قلب الطاولة على الصين !!! … فالتصعيد في فنزويلا نعم لكنه يقرأ في بيكن باعتباره اختبار لمدى استعداد الولايات المتحدة للذهاب بعيدا في كسر الخطوط الرمزية التي بنت عليها الصين استراتيجيتها الهادئة للتوسع و الرسالة الضمنية تقول إن الاستثمارات البعيدة جغرافيا يا بيكن ليست محصنة و الجنوب العالمي ليس منطقة نفوذ محايدة وفكرة الانتقال السلس نحو نظام دولي متعدد الأقطاب قد تكون وهم أكثر منها مسار مضمون…..

السيناريوهات القادمة في رأيي الأخطر ليس احتمال حرب شاملة أو اجتياح مباشر بل اعتماد نموذج أكثر خبث تفكيك الدولة دون إسقاط النظام ثم إنهاك اقتصادي متواصل ثم ضرب الثقة الداخلية ثم استنزاف المؤسسة العسكرية تدريجيا ثم تحويل الدولة إلى كيان ضعيف وظيفيا عاجز عن الفعل لكنه قائم شكليا و هذا النموذج ليس جديد في السياسة الأميركية لكنه يعاد اليوم بصيغة أقل صخب و أكثر ملاءمة لزمن التدخلات النظيفة بعد تجارب العراق و ليبيا يعني تحويلها إلى كيان وظيفي ضعيف…..

 

اذن ما يحدث اليوم و نحن نشاهده ليس بداية حرب عالمية جديدة و لن تكون بل ربما نهاية مرحلة الوهم التعددي الذي ساد بعد الحرب الباردة اي مرحلة كانت الصراعات فيها تدار بالقواعد لا بالسوابق و بالشرعية لا بالقدرة العالم اليوم يدخل طور أكثر قسوة و وحشية و همجية منظمة تفرض بالقوة لا بالخطاب و يعاد رسم الخرائط بينما ينشغل كثيرون بتفسير البيانات … يعني خوفي إذا راح يصرالنا مثل تلميذ في القسم الاستاذ رسم خريطة في السبورة و مسحها و هو مازال حاط راسها يحاول يفهم واش قال منذ 10 دقائق .

نقلا عن رأي اليوم

أحد, 04/01/2026 - 16:48