“الكاو بوي” وماركس و”السوسة المدسوسة”

 دكتور محيي الين عميمور

تعبير “السوسة المدسوسة” هو تعبير جزائري طريف، خرج به علينا يوماً وزير العدل الجزائري الأسبق “محمد شرفي”، ويعني به العناصر المتناقضة مع التوجه الوطني التي تنهش الطاقة الوطنية في الداخل، وتشكل ذراع أعداء البلاد الذين يتآمرون عليه من الخارج، أو ما يُعبَّرُ عنه بكلمتي “الطابور الخامس”، وهو التعبير الذي  صاغه الجنرال الإسباني “إميليو مولا” خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) عندما كانت جيوشه تتقدم نحو مدريد، وكان يقصد بالتعبير أنصارَه من داخل المدينة، ممن يعملون لتقويضها.

وتذكرت تعبير الصديق شرفي وأنا أتابع العملية الإجرامية التي أمر بها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ضد فنزويلا، والتي تمخضت عن اعتقال الرئيس ” نيكولاس مادورو” وزوجه، وفوجئ بها كل من لا يقرءون التاريخ، ويتناسون منطق “الكاو بوي” الذي قامت عليه إمبراطورية “اليانكي”، ودورها ضد كل نظام وطني لا يخضع لإرادة “الكولت”.

وتأكد أن الرئيس الفنزويلي لم يدرك أن مبدأ “مونرو” هو بند ثابت في سياسة الأمن القومي الأمريكي، وتناسى درس “بنما” في 1988، عندما قامت أمريكا بغزو مسلح اختطفت به آنذاك الرئيس “مانويل نورييغا”.

 

 ونسي “مادورو” أيضا كيف تم إسقاط نظام العراق في أيام معدودة، وهو البلد الذي كان يملك واحدا من أقوى الجيوش العربية، وتناثرت يومها التساؤلات عن تقصير أهم طلائعه، أي الحرس الجمهوري، وأستعملُ كلمة “التقصير” أدباً.

ونسي “مادورو” سقوط نظام بشار الأسد بشكل مشابه في أقل من أسبوع.

 وكان كل هذا يؤكد وجود اختراقات داخلية قامت بدور “السوسة المدسوسة”، وسهلت للطرف الخارجي تنفيذ مخططاته بكل أريحية وسلاسة.

 

وللتذكير فقد رصدت واشنطن، كما تردد، حجما معتبرا من ملايين الدولارات لمن يسهل اختراق الدفاعات الفنزويلية.

وليس سّرا أن العملية كانت عملية مخابراتية بالدرجة الأولى، وإن صحت المعلومات المُسرّبة فلعلها كانت أيضا أكبر عملية “رشوة” عرفتها الصراعات، منذ ما تردد عن ادعاءات رشوات مماثلة في عملية إخضاع العراق وإسقاط النظام السوري.

وأسمح لنفسي هنا بالشك في ما سُرّب من معلومات عن الحشد العسكري الذي قام بتنفيذ العملية، والذي قال الرئيس الأمريكي أن حجمه كان الأكبر من نوعه منذ الحرب العالمي الثانية.

وتروي المعلومات المُسرّبة، والتي  أوردها المدون الجزائري “عمار بو زيدي”، أن العملية استعملت فيها مقاتلات F-35  وطائرات مسيرة  MQ-9 Reaper  لتعطيل الدفاعات الجوية الفنزويلية وضرب مراكز الاتصالات في “لا بوييرا” بالعاصمة “كاراكاس”.

 وركزت العملية على “المربع الأمني الأول”.

وحال استهداف المطارات والقواعد الجوية دون إقلاع أي طائرات “سوخوي” فنزويلية، مما ترك القوات البرية والميليشيات الشعبية في حالة ذهول وتخبط تنظيمي.

 ونفذت قوات “دلتا فورس” المحمولة جواً عبر مروحيات “شينوك” و”بلاك هوك” عملية إنزال دقيق داخل مجمع “فورت تيونا” العسكري (حيث كان يتحصن مادورو وزوجه)، وتم اختطافهما ونقلهما فوراً إلى حاملة الطائرات(USS Iwo Jima) التي كانت تحرسها عدة مدمرات، ليُنقلا إلى نيويورك.

وأنا لا أملك أي معلومات مؤكدة، لكن المتابعة التاريخية أثبتت أن التعامل “الهوليوولدي” مع ما تنشره واشنطن عن إنجازاتها العسكرية يجب ألا يغيب عن الأذهان، ومعظم عملياتها منذ أربعينيات القرن الماضي استفادت من “ماكياج” سينيمائي يعود له الفضل الأول في إقناع العالم كله بعظمة الشعب “السوبر مان” الذي لا يُقهر، وهو الدرس الذي مارسه الكيان الصهيوني قبل السابع من أكتوبر 2023، قبل أن ينهار إل الأبد بفضل طوفان الأقصى.

والمؤكد هم أن التخطيط لعملية فنزويلا تم منذ مدة، ويقال أن ذلك بدأ منذ منتصف ديسمبر، لكن المهم الذي لم يكن مادورو يتوقعه هو ما يتردد من أن مما أعطى الفرصة لنجاح العملية الكم الكبير من العملاء والجواسيس، والذين ستكشفهم الأيام أو الشهور القادمة، كما حدث بعد احتلال العراق.

 ولا أعلم مدى صحة القول بأن الرئيس الفنزويلي أبعد كثيرا من الوطنيين عن إدارة البلاد وتركها لأصحاب النفوذ والمصالح تتحكم في الدولة، لكنني أرى أنه نسي أو تجاهل حجم الخطر الذي يأتي من جوارٍ يسيطر على القرار فيه عدوّ لا يتورع عن القيام بما يراه تأكيدا لنفوذه، خصوصا والعاصمة “كاراكاس” هي مدينة ساحلية على البحر الكاريبي، وتقع على بعد كيلومترات، محدودة في عرف تطور الإمكانيات العسكرية، من دولة “ترينيداد وتوباغو” (حوالي 11 كيلومترا، حيث يمكن رؤية الساحل الفنزويلي من قرية الصيد “إيكاكوس”، في جنوب ترينيداد).

غير أن هناك أمرا آخر نسيه خليفة العظيم ” هوغو تشافيز”، ويجب أن نتذكره نحن بكل اعتزاز، لأنه يذكرنا بمرحلة لم نكن نعاني فيها من “غثاء السيل”، وبغض النظر عن أي أحكام مسبقة برع فيها كثيرون في الزمن الرديء، وهي مرحلة يجب أن يستلهم دروسها كل من يواجه صراعا مع العدوّ.

فقد شهدت نهاية أكتوبر 1956 عدوانا إجراميا قامت به حكومة “أنتوني إيدن” البريطانية متحالفة مع حكومة  “غي موليه” الفرنسية وبتواطؤٍ مع الكيان الصهيوني، كان قد تم الاتفاق عليه في “سيفر” الفرنسية كانتقام لتأميم قناة السويس، وبالنسبة لفرنسا على وجه الخصوص كان أيضا انتقاما من دعم مصر والوطن العربي للثورة الجزائرية ( وكان من دلائل الحقد الفرنسي اختيار الجنرال الفرنسي “ماسو” وآخرين من ضباط الجيش الفرنسي العامل في الجزائر لقيادة قوات المظلات الفرنسية التي أسقطت على بور سعيد).

وكان مما تسرب من مخططات العدوان آنذاك أنه كان من الأهداف اعتقال الرئيس المصري “جمال عبد الناصر”، وتنصيب حكومة موالية للغزاة.

ويتذكر المخضرمون كيف أن “الصاغ صلاح سالم”، وهو صوت مجلس الثورة المصري، طالب الرئيس المصري بأن يسلم نفسه للسفارة البريطانية، لكن المقاومة الشعبية أثبتت أنه كان “ينعق” خارج السّرْب.

وهكذا فشل المخطط ، لأن الشعب كان مجندا لمواجهة العدوان، والتف الجميع في مصر والأحرار في الوطن العربي والعالم الإسلامي بل والأحرار في العالم كله حول الرئيس المصري، الذي كانت وقفته في الجامع الأزهر مخاطبا الجماهير أقوى تحدٍ للعدوان.

ومن السهل أن يتجاهل البعض اليوم قوة المقاومة المصرية والتضامن العربي، ويتحدث، بأريحية موظف متقاعد على مقهى الزمان، متشدّقا بأن ما حدث في 1956 كان انتصارا سياسيا، وهو كان كذلك بالفعل، لكن التشكيك في عظمة الشعب المصري وفي إدراكه للهدف الحقيقي من العدوان بالتفافه حول قيادته هو ما يجب أن يتذكره كل من تابع أحداث العدوان بروح الوطني، بل حتى بعواطف المواطن.

وفي نفس السياق، لن أذكر بعظمة الشعب التركي الذي وقف في يوليو 2016 ضد الانقلاب العسكري، وأيا كان رأينا في الرئيس “رجب الطيب آردغان”.

وأذكر في المقابل بسقوط نظام” رضا بهلوي ” في 1978، وهو الذي كان يقوم بدركيّ المنطقة لصالح “واشنطن”، التي لم تحرك أصبعا واحدا لإنقاذه، بتعبير الرئيس “هواري بو مدين” في رسالة بعث بها آنذاك إلى “فيديل كاسترو”.

هذا هو درس اليوم والأمس وأمس الأول لكل القيادات الوطنية، وهو، باختصار شديد، يُذكّر بأن “السوسة المدسوسة” هي أخطر على الأمة من عدوها الخارجي أيا كانت قوته، وأن الشعوب الحيّة هي المدافع الأول والرئيس عن الوطن وعن مبادئه الثابتة وقيادته الأمينة على يومه ومستقبله، وأن المعارضة السياسية النزيهة هي جزء أساسي من عناصر الدفاع الوطني، وأن الوحدة الوطنية هي القلعة الرئيسة في حماية الوطن.

وبكل تواضع “اضطراري” أرفض اليوم كلمات “كارل ماركس” بقوله بأن “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفى المرة الثانية كمهزلة”، فواقع الأمر، في نظري، هو أن الإعادة تكون غالبا أكثر مأساوية، جانبها الساخر الوحيد هو في الصورة التي يبدو عليها من لا يتعظون بدروس التاريخ، فيرتكبون نفس الأخطاء.

وما زال “الحبل على الجرار” كما يقول أصدقاؤنا في الشام، أو كما يقول المثل الجزائري: “إن عشت وعمرك طوّل * يجيك خبر ينسيك في الأول”، وبالتالي علينا ألا ننسى حصول المعارضة الفنزويلية “كورينا ماريا كورينا” على جائزة نوبل، التي يحلم بها ترامب.

وأيا كان التقييم، فإن ما حدث ينهي مرحلة في تاريخ العالم تمتد من إنشاء منظمة الأمم المتحدة في منتصف الأربعينيات، ويدشن مرحلة جديدة بنفس المنطق الذي بدأت فيه مرحلة ما بعد عصبة الأمم.

آخر الكلام : لعل أهم ما يجب أن يتذكره البعض اليوم، وقيادات إيران وكوبا على وجه التحديد، هو المثال القديم عن رأس الذئب الطائر.

نقلا عن رأي اليوم

أحد, 04/01/2026 - 16:45