حكاية الإنسحاب: قرصة أذن لمن يتجاوز دوره

أمال لعروسي

تشير التحولات الجارية في السياسة الاميركية خلال المرحلة الراهنة الى انتقال واضح من منطق ادارة التحالفات الى منطق تفكيك شبكات الوكلاء ، فبدلا من حماية الحلفاء و توسيع ادوارهم باتت واشنطن تعتمد مقاربة تقوم على تقليص هذه الأدوار و دفع الوكلاء الى التنافس و الإحتكاك المتبادل بما يحد من قدرتهم على التحول الى قوى مستقلة أو مراكز نفوذ خارجة عن السيطرة ، و في هذا السياق لا يمكن فهم ما يحدث بوصفه مجرد اعادة ضبط للتحالفات التقليدية بل بوصفه تفكيكا مقصوداً لها ، اذ لم تعد العلاقة مع الحلفاء تدار بمنطق الشراكة طويلة المدى كما كان الحال في مراحل سابقة بل بمنطق تشغيلي نفعي يقوم على تقييم الأداء و الكلفة و العائد ، و حين تستنفد الوظيفة و الدور تتحول التحالفات من اصول استراتيجية الى اعباء سياسية و امنية قابلة للتقليص او اعادة التدوير وفقا لمعادلات الربح والخسارة.

وضمن هذه المقاربة يصبح الوكيل فاعلا موقتا مرتبطا بدور محدد و زمن سياسي محدود فلا مكان لولاء دائم بقدر ما توجد وظيفة ينبغي اداؤها ثم الانسحاب بهدوء قبل ان يتحول هذا الوكيل من اداة نفوذ الى عنصر إرباك أو عبء استراتيجي…

كما ان دفع الوكلاء الى الصدام فيما بينهم لم يعد نتيجة عرضية لتضارب المصالح بل آلية مركزية في ادارة النفوذ … فهذه الاستراتيجية تتيح تحقيق الاستنزاف المتبادل دون كلفة مباشرة و تخلق حالة من الفوضى المضبوطة التي تمنع تشكل قوى اقليمية قادرة على فرض استقلالية القرار او تحدي مراكز الإدارة الكبرى … و من هذا المنظور يمكن قراءة ما يجري بين السعودية و الامارات في اليمن بوصفه تعبير عن أزمة داخل منظومة الوكلاء نفسها لا كحادث طارئ او سوء تفاهم تكتيكي او استراتيجي فالخلاف يعكس فائض الادوار و تضارب الطموحات و المنافسة على موقع الحليف الاكثر قربا و تأثيرا في الحسابات الاميركية …

 

اما إنسحاب او تراجع الدور الاماراتي في هذا السياق فلا يمكن توصيفه كهزيمة عسكرية مباشرة بقدر ما يمثل دخولا في مرحلة اكثر تعقيدا و هي مرحلة الاستنزاف الطويل حيث تتراجع المكاسب الاستراتيجية و تغيب مظلة الحماية الصلبة ليحل محلها تقليص تدريجي للنفوذ تحت مسمى إعادة التموضع…

خلاصة القول ان الرسالة الضمنية في السياسة الاميركية الراهنة تبدو واضحة جدا : تجاوز الدور الوظيفي المرسوم يؤدي الى إعادة الضبط القسري و محاولة لعب ادوار اكبر من المسموح بها تفضي الى الاستهلاك التدريجي ، و في هذا السياق لا يبرز رابح حقيقي بين الوكلاء بقدر ما يبرز من ينجح في تقليص خسائره عبر الانسحاب المبكر من لعبة باتت كلفتها أعلى من عوائدها لا و بل قد تأخر الوقت على كل الوكلاء من الإنسحاب من أدوارهم المسطرة بقيد و إلتزام تام فتلاحقهم تبعات الخيارات السابقة و تضطرهم لمواجهة استنزاف طويل و مخاطر متزايدة مما يجعل كل خطوة محسوبة بدقة و كل تحرك تحت مجهر للتقييم الاميركي المستمر…

و في ختام هذه القراءة نود الترحم على الناطق باسم المقاومة الذي أعلن استشهاده و على جميع الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا للصمود و الحق في الدفاع عن أرضهم و يا غزة !!! … نحن أتفه من أن نعتذر لك لكن يعلم الله أنك حاضرة معنا في كل لحظة تنير صمودك و جراحك و عزمك و كل مقاربة او تحليل تذكرنا أن السياسة ليست مجرد حسابات أو خطط أو استراتيجيات بل هي حياة و معاناة تتقاطع مع كل قرار ، فبينما يتهافت بعض الوكلاء على التملق و التبعية و الدعم الاميركي يعيش الشعب في غزة أعمق دروس الاستقلال و الصمود ليكشف الفارق بين من يلهث وراء الامتيازات الموهومة و من يتحمل الثمن الحقيقي للقرار و السيادة .

 

مستشارة قانونية جزائرية وباحثة في الجيوستراتيجيا

نقلا عن رأي اليوم

خميس, 01/01/2026 - 16:19