من شأن الاحداث المتواترة مع نهاية هذا العام 2025 أن تفصح عن ملامح السنة الجديدة 2026 والتي يمكن القول أنها لن تجب ما سبق بل على العكس من ذلك فانها عناوينها الكبرى و أزماتها أو صراعاتها التي صدعت العالم وأرهقت الشعوب لن تختفي من المشهد , والارجح أنها ستظل حاضرة بكل تداعياتها ما خفي منها و ما ظهر على المشهد الدولي الذي يتجه من الفوضى الى مزيد الانفلات و الفوضى و التخلي عما بقي من شرعية دولية يمكن أن تجنب العالم الاسوأ ..
نقول هذا الكلام فيما لا يبدو أن الحرب الروسية الاوكرانية التي وعد الرئيس ترامب بانهاءها في غضون أربع و عشرين ساعة قريبة من نهايتها , بل على العكس من ذلك فان اللقاءات التي يعقدها الرئيس ترامب في النادي الخاص به في فلوريدا تعزز القناعة أننا ازاء رئيس يرتهن لاهواءه و ميولاته و حساباته في ادارة الازمات و اعتماده فن المراوغة والاحتكام للنرجسية المفرطة و التسويق لغير ما هو مؤهل له و أنه صانع السلام الذي لم يعرف له العالم مثيلا , الا أنه على أرض الواقع لم يوفق حتى الان في فرض السلام في أي صراع أو نزاع توسط فيه بل هوان العالم بات على كف عفريت على وقع تصوراته للسلام الذي يريده على المقاس و دون مرجعيات قانونية و سياسية و اخلاقية فهو يشن هجومات خارج القانون علىناقلات النفط في فينزويلا ويدعو علنا الى اسقاط الرئيس مادورو معتبرا أنه من يدير شبكات تجارة المخدرات في العالم ..و ان لم يكن مادورو عنوان الديموقراطية في المنطقة فان تدخلات ترامب و سعيه الى تكرار سيناريوهات سابقة لتغيير النظام في هذا البلد هي عنوان الفاشية ولا يمكن أن تتنزل في اطار صناعة السلام أو نشر الديموقراطية و قد وقف العالم على ما صنعته السياسات الخارجية الامريكية ببلد مثل العراق أو ليبيا أو سوريا أوالسودان و لبنان …والواقع و نحن على أبواب نهاية عام 2025 أن غزة تبقى المثال الاخطر على ادعاءات ترامب للسلام بعد اتفاق شرم الشيخ و بنوده العشرين الذي كان أعلنه في غياب كامل للفلسطينيين أصحاب القضية وهم أول المعنيين بالاتفاق الذي لم يشاركوا في وضعه و لم يروا له نتيجة تذكر على أرض الواقع و لاشك أن الصور القادمة من غزة وأهلها التائهين بين القصف و العواصف بحثا عن خيمة تقيهم من البرد أبلغ صورة عن التوحش الذي يغرق فيه العالم .. و ليس في هذا الوصف أدنى مبالغة و سيكون من الاجحاف التقليل من حجم المأساة في غزة رغم اعلان الهدنة المزعومة و ما تشهده غزة استمرار للابادة بعناوين مختلفة و أبرزها التخاذل الدولي و التواطؤ في تعزيز سردية الاحتلال و الامتناع عن مساعدة غز و انقاذ أهلها ..
وكما استقبلت غزة العام المنقضي على وقع القصف و الابادة الجماعية والتدمير والتهجير فهي تستقبل العام الجديد على وقع صور الموت جوعا و بردا و تشردا و قصفا أيضا ..و يبقى المجرم ذاته المتحكم في المشهد بضوء أخضر من الرئيس ترامب الذي و الحق يقال لم يدخر في هذا الاطار جهدا لم يقدمه لحليفه ناتنياهو لمواصلة مخططاته لاقامة مشروع اسرائيل الكبرى بعد أن أعاد احتلال نصف غزة و واصل توسيع المستوطنات و تهويد المقدسات في الضفة و حظي من ترامب بالجولان هدية وهو يحتفي بحلول العام الجديد على وقع اعلان الاعتراف باقليم أرض الصومال الانفصالي أو الصومالي لاند بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات أمنية في منطقة القرن الافريقي و من تمدد و اختراق اسرائيلي بحثا عن موطئ قدم في الممرات الدولية و تهديد معلن لامن البحر الاحمر و خليج عدن و تهديد استراتيجي للامن العربي و الافريقي ..و كالعادة لم تنتبه الجامعة العربية و منظمة المؤتمر الاسلامي للخطر و لقضية الصومال المنسية الا بعد اعلان الاعتراف الاسرائيلي الذي لا يمكن أن يكون صدفة أو من دون حسابات خارج دائرة الادارة الامريكية ..و مرة اخرى لم تجد الجامعة العربية غير البيانات الجوفاء للتنديد بما يجري ..يقول الامين العام للامم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته للعالم بمناسبة رأس السنة الجديدة ان ” مع حلول العام الجديد، يقف العالم عند مفترق طرق. الفوضى وعدم اليقين يحيطان بنا. انقسامات وعنف وانهيار مناخي وانتهاكات منهجية للقانون الدولي…
من مؤشرات تفاقم الازمات مستقبلا ارتفاع الإنفاق العسكري في 2025 بنحو 10% ليبلغ 2.7 تريليون دولار، أي ما يعادل 13 ضعف إجمالي الإنفاق العالمي على المساعدات الإنمائية، وبما يوازي الناتج المحلي الإجمالي لقارة أفريقيا بأكملها, و الكلام للامين العام للامم المتحدة بمعنى أن هذه الحروب تبلغ مستويات لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية…
أخيرا و ليس اخرا و لعل الايام القادمة تكشف لنا المزيد فان لقاء ناتنياهو ترامب سيحدد بوضوح ملامح المرحلة القادمة في ظل الانحياز الامريكي غير المسبوق لسياسة ناتنياهو توجهاته الاحتلالية التوسعية التي تقوم على اجتثاث الاخر و من هنا خطورة الاعتراف الاسرائيلي باقليم ارض الصومال الانفصالي الذي يخطط ناتنياهو لتهجير أهالي غزة اليه بممارسة كل انواع الترهيب و الضغوطات من القصف اليومي الى الحصار و التجويع الى منع وصول المساعدات و الخيم و جعل الحياة في غزة جحيما لا يطاق ..و هو خيار اذا أمكن لناتنياهو تحقيقه سيجعل المهجرين الفلسطينيين في مواجهة خطر مضاعف و لن يكونوا بمنأى من الاستهداف و العمليات الانتقامية في هذه المنطقة الموبوءة المحفوفة بالمخاطر و الخاضعة لحكم العصابات المسلحة ..
..و عندما نقرأ تصريح الرئيس ترامب حول ايران يمكن القول أن احتمال الاندفاع الى حرب مع ايران ليس بالمستبعد و أن تداعيات و مخاطر هذه الحرب قد تفوق أو تتجاوز حرب الاثني عشر يوما بين ايران و اسرائيل ..ترامب له ثقة عمياء في كل ما يقوله ناتنياهو.. و عندما يقول ترامب أنه سمع أن إيران تحاول إعادة بناء قدراتها النووية وإذا فعلت ذلك فسنقضي على ذلك، فان ذلك يعني استعداده الى أسوأ الخيارات و هو دعم هجوم اسرائيلي على إيران ..مرة اخرى نقول أن ترامب ليس معنيا بتحقيق أي سلام في منطقة الشرق الاوسط يضع حدا للصراعات المدمرة في المنطقة و لكنه معني الى أبعد حد بحصول ناتنياهو على عفو رئاسي ينقذه من الملاحقات القضائية ..ولكن هذا الهدف يبقى الاعقد على الاطلاق في روزنامة رهام ترامب في الانتصار لناتنياهو , وسيكون رهان خاسراخر لترامب صانع السلام المزيف ..لقد كانت سنة 2025 سنة دموية غارقة في التوحش والظلم والاحتكام لمنطق القوة والهيمنة بدل قوة القانون والديبلوماسية …و حتى لا نقع في فخ تقييم المشهد العربي القاتم كيفما قلبناه يبقى الاكيد ان المشهد ذاته سيستمر مع الانحدار والانهياروالتشتت غير المسبوق للانظمة والحكومات العربية التي تصنع في شعوبها ما يصنعه ترامب بهم من اذلال ومهانة وسحب الى خياراته …
نقلا عن رأي اليوم











