أحيت فرنسا في التاسع من هذا الشهر ذكرى مضيّ 120 سنة على سن قانون العَلمانية المسماة عند الفرنسيين بـ«اللائكية». وقد حف بهذه الذكرى مناقشات ومساجلات ومراجعات يدور معظمها حول التخوف من تراجع، أو حتى انتكاسة، العلمانية المميزة للثقافة الفرنسية المعاصرة عموماً والمحددة لشخصية «الجمهورية» السياسية خصوصاً.
ومعروف أن العَلْمَنة، أي إخراج كل شؤون الدنيا من إشراف السلطة الدينية (سواء من حيث تقبّلها الطوعي في الضمير الإيماني إطلاقاً، أم من حيث تجسمها «السلطوي» في المؤسسة الكنسية خصوصاً ) مسار تاريخي تدرُّجي أخذ في اكتساح أوروبا منذ قرنين على الأقل. وقد تمثل مفعوله في الوعي الفردي في «نزع القداسة عن العالم» حسب العبارة الشهيرة التي أطلقها ماكس فيبر عام 1917، قاصداً بها المسار المتمثل في تراجع الإقبال على العقائد الدينية والسحرية بفعل تنامي الثقة في التفسيرات العلمية والتعويل عليها تعويلاً كلياً. ونظراً لهيمنة أوروبا على معظم أمم العالم بالاحتلال الكولونيالي ثم بالاستغلال الإمبريالي، اللذين تلازما كليْهما مع الغزو الثقافي وتلويث طرائق الإدراك والفهم، فإن جميع النخب التي قادت حركات التحرر الوطني من الاستعمار، ثم أنشأت ما يعرف بدولة الاستقلال، قد عملت على تعجيل مسار العلمنة إيماناً منها بأن التحديث والتعصير والتقدم الاجتماعي غايات غير ممكنة التحقيق إلا مسبوقة، ثم مقترنة، بشروط العلمنة.
وقد سادت العلمنة في الزمن المعاصر بمعنى الفصل بين الدين والدولة (تحديداً: «عدم تدخل الدين في السياسة») وبمعنى حرية العقيدة الدينية بشرط أن تظل منحصرة في دائرة الحياة الفردية الخاصة. ومن المفارقات أن حرية العقيدة كانت مكفولة في معظم دول العالم الثالث عموماً رغم أن بقية الحريات لم يكن معترفاً بها، بل إنها كانت منتهكة انتهاكاً ممنهجاً، خاصة في العقود الأولى مما كان يسمى عهد البناء الوطني والتنمية الاقتصادية. والحق أن العلمنة، من حيث هي مسار تاريخي مديد ومعقد، قد شملت معظم دول العالم، بما فيها تلك الدول التي لا تعترف بالعَلمانية اعترافاً رسمياً، مثل دولنا العربية والمسلمة التي عادة ما يكون فيها الإسلام هو الدين الرسمي للدولة أو دين الأغلبية. أما في أوروبا وأمريكا الشمالية فإن مسار العلمنة قد انتهى بتكريس العلمانية تكريساً عملياً جعلها من خصائص الحضارة الغربية المعاصرة.
إلا أن ثمة بوناً شاسعاً بين علمانية فرنسا وعلمانية سائر البلدان الغربية. فقد استقرت العلمانية في معظم البلدان الغربية على نحو من اليُسر والسلاسة يتجليان في مظاهر عديدة لعل أهمها هو عدم الحديث عنها! إذ قلّما تسمع نقاشاً في بريطانيا أو كندا مثلاً عن العلمانية. فهي في العموم أسلوب حياة وكفى. أما العلمانية الفرنسية فهي مُبتَلاة بالتشنج المزمن، كأنها في موقف دفاع دائم ضد الأخطار والأعداء، رغم أنها مبدأ رسمي من مبادئ الدولة ورغم أن أسلوب الحياة الفرنسي علماني بحكم القانون وبحكم الأمر الواقع. ولعل من أسباب هذا التشنج أن قانون 1905 القاضي بفصل الكنيسة عن الدولة لم ينل القبول العام إلا بحلول الثلاثينيات، حيث واجهته معارضة من مختلف الكنائس الفرنسية ومن الفاتيكان الذي رفضه ثلاث مرات. ولكن رغم أن مدارس التعليم الديني أبدت مقاومة أشد (كما يتجلى في الكتاب الذي أصدره القس لوي كابيران عام 1935 بعنوان «الغزو اللائكي») فإن التعليم اليسوعي، مثلا، قد اختفى من فرنسا تماماً. ولهذا لم تجد عائلة شارل ديغول بُدّا، لما كان شاباً، من إرساله عامي 1907 و1908 إلى بلجيكا، حيث كان التعليم اليسوعي ما يزال متاحاً.
غير أن انقلاباً في الموقف الفرنسي من العلمانية قد وقع لمّا تحولت، بحلول الثمانينيات، من مبدأ قانوني إلى «مسألة قيمة» فسادَ منذئذ «موقف بافلوفي» مثلما يقول المؤرخ فنسان جنين، يقيم تماهياً تاماً بين العلمانية والجمهورية. والسبب أن العلمانية صارت منذئذ مورداً من موارد الذاكرة الجماعية في سياق تصاعد الحماسة التمجيدية للتراث، استعداداً للاحتفال بالمئوية الثانية للثورة الفرنسية عام 1989. وبهذا سقطت العلمانية في فخ الأدْلَجة الاستذكارية.
ذلك أن «التاريخ يُعَلْمِنُ الأمور، أما الذاكرة فإنها تقدسها!» حسب قول سديد للمؤرخ الراحل بيار نورا. وهكذا فإن العلمانية، في نسختها الفرنسية، قد تحولت إلى إيديولوجيا مجلَّلة بإكليل القداسة بينما هي تسعى سعياً محموماً إلى تجريم، وتحريم!، كل مظهر من مظاهر المقدّس في المسلك أو الزي أو المظهر.
نقلا عن القدس العربي











