تُعدّ موريتانيا من البلدان القليلة في العالم الإسلامي التي ما زالت تحتفظ بنظام تعليمي تقليدي أصيل هو المحظرة، الذي أسهم عبر قرون في تخريج علماء ضليعين في الفقه المالكي، واللغة العربية، وعلوم الشريعة. غير أن التحولات العميقة التي يعرفها العصر، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، تطرح اليوم سؤالًا ملحًا: هل ما يزال العقل الفقهي الذي تُنتجه المحظرة قادرًا وحده على استيعاب تعقيدات الواقع الموريتاني المعاصر؟
المحظرة: قوة راسخة وحدود ظاهرة
لا يمكن إنكار ما تتميز به المحظرة من ترسيخ الملكة الفقهية واللغوية، وإحكام أدوات الاستدلال، وتكوين شخصية علمية مستقلة قادرة على التعليم والإفتاء.
وقد ظل هذا النموذج عنصر استقرار ديني واجتماعي، وهو ما يظهر جليًا في ضعف مظاهر التطرف العقدي مقارنة بدول أخرى، وفي ثقة المجتمع الريفي والبدوي بالعلماء التقليديين في شؤون الأسرة والعبادات.
غير أن التحدي يبرز عند الانتقال إلى قضايا الواقع الجديد؛ فمثلًا: عند مناقشة قوانين الأحوال الشخصية، أو قضايا الإرث والنزاعات الأسرية أمام المحاكم، يظهر فراغ واضح في الربط بين الفقه التراثي والنظام القضائي المعاصر، ويظهر التعارض بشكل أوضح وأكر حدة عند المقارنة بين أنظمة التأمين الصحي (ASSURANCE MALADIE)، التي تقضي مثلا بإلغاء التأمين على صحة الأطفال الذين بلغوا سن 21 سنة لدى الصندوق الوطني للتأمين الصحي، دون تمييز بين الذكور والإناث، والنظام القضائي المعمول به في المحاكم الموريتانية، الذي يقضي ببقاء البنت غير المتزوجة على نفقة الأب الكفيل حتى ولو كانت هي متعلمة وعاملة.
وفي ملفات مثل المعاملات البنكية، والتمويل الأصغر، والتأمين، يلاحظ تردد الخطاب الفقهي التقليدي، أو الاكتفاء بالتحريم العام دون تقديم بدائل عملية.
الجامعة: أدوات حديثة بلا عمق كافٍ
في المقابل، وفّرت الجامعة الموريتانية تكوينًا في القانون والاقتصاد والعلوم الاجتماعية والدراسات الإسلامية الأكاديمية. غير أن هذا التكوين غالبًا ما يُنتج خريجًا يتقن المصطلح القانوني الحديث، لكنه ضعيف الصلة بالمدونة الفقهية، عاجز عن استحضار قواعد الاستدلال أو فقه الخلاف (جامعة نواكشوط)، أو خريجا من نوع آخر يستنسخ الأسلوب المحظري القديم القائم على الحفظ والتلقين، حفظا كان يريد منه الموريتاني القديم أن يتخرج حافظا عالما، أما اليوم فأقصى المطلوب عند معظم طلاب المؤسسات الجامعية هو الحصول على نقاط للتجاوز في الامتحانات، بمن فيهم –مع الأسف- طلاب مؤسسات التعليم العالي الإسلامية في البلد.
يتجلى ذلك بينا، على سبيل المثال لا الحصر، في بعض النقاشات الإعلامية حول قضايا دينية حساسة (كالحدود، أو الحريات، أو قضايا المرأة)، حيث يغلب الخطاب الإنشائي أو الأيديولوجي، دون ضبط فقهي محدَّث ورصين. كما يتجلى في برامج التكوين السريع للأئمة والخطباء، التي تركز على مهارات التواصل، لكنها تهمل البناءَ العلمي العميق وتحيينَ الخطاب –كخطاب الجمعة- ليعتمد مواضيع حية ذات صلة بحياة الناس اليومية، الشيء الذي جعل من وقت خطبة الجمعة المقدس أكثر الأوقات مناسبة للنوم والاسترخاء؛ لسبب بسيط هو: أن لا جديد يذكر.
نتيجة لهذا المسار، نشأ في الواقع الموريتاني، بل وفي مراكز القرار الإداري أحيانا، جيلان بالكاد متعايشان: فقيه محظري ينظر بريبة إلى مفاهيم مثل الدولة الحديثة والقانون وحقوق الإنسان من جهة، ومثقف جامعي يرى التراث عبئًا على التقدم والحداثة من جهة ثانية. وللتدليل على ما أقول هنا، أذكر لحظتين جرتا لي مع مثقفين بثقافة المدرسة العصرية، أحدهما ضابط سام -رحمه الله- والآخر وزير سابق متقاعد –حفظه الله، كان لي مع كل منهما حديث عبر فيه عن الاستصغار وما يشبه السخرية من مخرجات المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية الذي كان يومها النموذج الوحيد للتعليم العالي الإسلامي في البلاد.
يبرز هذا الانقسام حادا وبوضوح في الجدل المتكرر حول إصلاح التعليم، وحالة الضبابية والارتباك حول دور العلماء في الشأن العام، أو حتى في تعاطي المجتمع مع الفتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتنازع المرجعيةَ شيخٌ تقليدي ومؤثرٌ رقمي.
نحو عقل فقهي موريتاني متجدد
إن التجديد المطلوب لا يعني إلغاء المحظرة ولا استبدالها، بل الإدخال الفعلي والممنهج لفقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه المآلات، ليس لدرجة العلماء فقط بل لطلاب الماظر في المستويات المتوسطة من جانب، وتمكين طلبة الجامعة من التكوين الأصولي والفقهي الصارم من جانب ثان. ومن الأمثلة العملية الممكنة:
إنشاء مسارات تكوين مزدوجة بين المحاظر الكبرى والجامعة؛
إشراك العلماء شيوخ المحاظر في لجان التفكير في قضايا الاقتصاد الإسلامي، وتحرير مدونات التشريع الأسري؛
تطوير خطاب الإفتاء، بما في ذلك خطب الجمعة، ليعالج قضايا مثل الهجرة والبطالة والفضاء الرقمي والنزاعات الاجتماعية المعاصرة؛
تحرير موديلات خاصة ومناسبة للتكوين المستمر لأئمة المساجد والدعاة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
خاتمة
إن موريتانيا، بما تملكه من رصيد علمي تقليدي نادر، وبما تواجهه من تحديات حديثة، قادرة على تقديم نموذج متوازن في تجديد العقل الفقهي، إذا أحسنت الجمع بين رسوخ المحظرة واتساع الجامعة. فالوفاء للتراث لا يكون بتجميده وحسب، كما أن الانفتاح على العصر لا يكون بقطع الجذور أبدا.
وحده عقل فقهي متكامل يقدر على أن يجعل من الدين عنصر توجيه وبناء، لا موضوع صراع أو ارتباك.











