احياء ذكرى الزعيم النقابي الخالد فرحات حشاد الذي اغتالته اليد الحمراء في 5 ديسمبر1952 كان مختلفا هذا العام , ويمكن القول أن زيارة الرئيس قيس سعيد الى ضريح الشهيد ولقاءه مع عائلة الراحل فرحات حشاد خلال الموكب التقليدي السنوي الذي دأبت عليه رئاسة الجمهورية على مدى عقود كان محملا بالتحذيرات و الرسائل , بل انه أكد لا وجود قطيعة بين السلطة التنفيذية وبين المركزية النقابية فقط بل أيضا وهنا مربط الفرس تعمق هذه القطيعة التي فرضت على كل طرف احياء هذه الذكرى على طريقته …
قد يكون من السابق لاوانه اعتبارأن القطيعة بلغت نقطة اللاعودة وأنه لا مجال بعد اليوم لعودة جسور التواصل بين الطرفين فهذا ليس من حكمة الديبلوماسية التي لا تخضع لقانون المستحيل في شيئ والتي تعتبرأنه لا وجود لعدو دائم أو حليف دائم .. لا نتوقع أن اتحاد الشغل قاطع احياء هذه الذكرى تحت اشراف رئاسة الجمهورية طوعا والارجح أن الرئيس قيس سعيد من اختارهذا التوجه في ظل استمرار الازمة بين السلطة التنفيذية واتحاد الشغل الذي اختار بدوره أن يعلن عن اضراب عام في 21 جانفي القادم بما يعني أن الازمة قد تشتد وتكون أكثر توترا في هذه الايام المتبقية من السنة 2025 وقبل موعد 17 ديسمبر الذي دعا أنصار سعيد بدورهم للنزول الى الشارع لدعم الرئيس في توجهاته ..
ولعل اتحاد الشغل وهو أكبر منظمة نقابية في تونس استشعر مخاطر تهميشه وعزله من المشهد و رفضه كجسم وسيط سواء في المفاوضات الاجتماعية التي تفرد بها رئيس الجمهورية وهوما يفسرالعودة الى رفع سلاح الاضراب العام بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات خطيرة على الاقتصاد العليل و مجتمع منهك بسبب غياب التنمية وغياب الاستثمارات مقابل تفاقم البطالة وارتفاع الاسعاروانعدام الافاق أمام الشباب ..
لا يحتاج غياب اتحاد الشغل عن الموكب الرسمي لاحياء ذكرى اغتيال الزعيم فرحات حشاد في 5 ديسمبر لذكاء خارق لقراءة المشهد غيرالمسبوق في تونس والخلافات العميقة التي لا يمكن أن تغيب عن أعين مراقب , فهذه المرة الاولى التي يغيب فيها اتحاد الشغل عن هذا التقليد الذي دأبت رئاسة الجمهورية احياءه على مدى عقود بحضور عائلة الشهيد حشاد وأمين العام لاتحاد الشغل بالنظرالى مكانة النقابي والمناضل السياسي الذي يعتبر عنوان و رمز وحدة الشعب التونسي في كفاحه ضد الاستعمار وهو السبب الذي سيعجل باغتياله وتغييبه من المشهد ..و حتى اليوم لا تزال عبارة حشاد الخالدة “أحبك يا شعب ” شعارا لم ينازعه فيه أحد ولم يستطع نقابي أوسياسي أن ينافسه عليه ..
لا أحد ينكرأن المنظمة الشغيلة التي منحت تونس جائزة نوبل للسلام قبل عقد من الزمن تعيش خلافات داخلية وصراعات وانحرافات أضعفت المنظمة وهيئت الارضية أمام سلطة سعيد باعتبارها السلطة الوحيدة في البلاد لاضعاف ثم لالغاء دورها كوسيط في الحوار والمفاوضات الاجتماعية ..وحتى لا نجانب الصواب وجب الاشارة الى أن هذا الالغاء تجاوز الاتحاد الى كل الاجسام الوسيطة من أحزاب ومجتمع مدني واعلام حتى أنه لا يوجد ناطق رسمي لرئاسة الجمهورية وليس أمام الاعلاميين سوى متابعة ما تنشره رئاسة الجمهورية من فيديوهات أوبيانات في وقت متأخر للاطلاع على النشاطات الرسمية بما في ذلك نشاطات الحكومة في غياب مصدر رسمي للمعلومة ..لسنا بصدد تقييم للمشهد الراهن في تونس وان كان الامرمطلوبا في مثل هذا التوقيت مع نهاية عام وحلول اخرحيث تنصرف الانظمة والحكومات الى تحديد وفهم ما تحقق لها وما لم يتحقق للبحث عن البدائل والحلول المطلوبة للازمات التي تمربها شعوبها, ولكن ما يسود المشهد من أحداث يستوجب أكثر من وقفة لمتابعة الاحتجاجات الاسبوعية في العاصمة والتي يبدو أنها ستستمرعلى وقع الشعارات التي يرفعها المحتجون تنديدا بما يجري من ايقافات ومحاكمات لقيادات من المعارضة والاعلاميين والنشطاء ..وقناعتنا أنه كلما تفاقمت التضييقات على كل هذه الفئات كلما سقطت وتهدمت الجدران العازلة بين فرقاء الامس ..وقد بدأت المسيرات الاحتجاجية تشهد مشاركة عائلات وأبناء السياسيين المعتقلين من أحزاب كانت حتى الامس القريب تعلن العداء والرفض لبعضها البعض وتنكربعضها البعض في التنظيم والعمل الحزبي ..
للاسبوع الثالث على التوالي تتواصل احتجاجات نهاية الاسبوع في العاصمة تونس تحت شعار”المعارضة ليست جريمة” وقبلها “الصحافة ليست جريمة ” على وقع تفاقم مظاهرالغضب ازاء تكررالايقافات و المحاكمات لعدد من الوجوه الاعلامية والسياسية و نشطاء المجتمع المدني على خلفية قضية التامرعلى أمن الدولة والتي تعد من أخطرالقضايا التي تعيش على وقعها تونس اليوم ..موجة الاحتجاجات التي اكتسبت زخما متزايدا مع انضمام المزيد من المحتجين من مختلف الانتماءات السياسية بدأت تتشكل بعد ايقاف القاضي والمحام أحمد صواب وهوأحد فريق دفاع المعارضة المتهمين بالتامر, و تحولت الى موعد أسبوعي بعد مسيرة الجمعة 25 أفريل 2025 التي طالبت باطلاق سراح أحمد صواب الذي حكم عليه لاحقا بخمس سنوات سجنا ..و قد انطلقت المسيرة انذاك من أمام مقرنقابة الصحفيين الى شارع بورقيبة قلب العاصمة الذي شهد أكبرالاحتجاجات منذ 2011..
وشهدت تلك المسيرة مشاركة واسعة من كل الاجيال و خاصة من الشباب والمحامين والاعلاميين و الفنانين ..لا خلاف أن اعتقال أحمد صواب وهو الذي لم يتوقف عن انتقاد السلطة والمطالبة بانهاء الظلم والاستبداد ..وكان واضحا أن المشاركة الواسعة خلال أول مسيرة للتضامن مع الاستاذ أحمد الصواب والمطالبة بحريته كانت وراء الدعوة مجددا للتظاهر من أجل محاكمة عادلة لكل الموقوفين السياسيين و بعض رموزالمعارضة ومنهم العياشي الهمامي وشيماء عيسى ونجيب الشابي ..
سيكون من السابق لاوانه الحديث عن أحزاب موحدة في صفوفها وبرامجها وخياراتها, ولكن ما يستوجب الانتباه في هذه الاحتجاجات مشاركة الشباب التي يمكن وصفها بالعفوية من الجنسين بوجوه مكشوفة وشعارات معادية ترفض تقييد الحريات وترفض أن تكون خاضعة لسلطة تنكرعليها حقها في التعبير…وأغلب هؤلاء الشباب الذين كانوا أطفالا خلال الثورة هم اليوم شباب في الجامعات وهم ينتمون لجيل يختلف عن الاجيال السابقة لسببين على الاقل وأولها أنه كبرونشأ على وقع الثورة وتنفسوا معاني الحرية وتابعوا كل الصراعات والمحطات التي عاشت على وقعها البلاد وما رافقها من موجة جديدة من حرية الصحافة وانفتاح وتعدد الاحزاب وتوسع دائرة نشاط المجتمع المدني والجمعيات التي كان كل يجد فيها مبتغاه فضلا عن النقابات وكل الاجسام الوسيطة التي تعد جسرالتواصل مع عالم السياسة ..
وأما السبب الثاني فهوأن هذا الجيل ولد ونشأ أيضا في ظل ثورة تكنولوجية غير مسبوقة جعلته مرتبطا بوسائل التواصل الاجتماعي الى درجة الادمان وهواليوم يرفع راية التحدي ويعيد للشارع نبضه مصرا على أن يكون الشارع فضاء للجميع ..و بقدر ما يمكن اعتبار هذا المعطى أساسي وعلى درجة من الاهمية في عالم تقوده التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في المستقبل بقدرما يمكن أن يكون لهذا المعطى انعكاساته باعتبار أن هذا الجيل مرتبط بالفضاء الافتراضي الذي يجيد التعاطي معه والتحكم فيه بما يعني أنه يعيش بمعزل عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والاداري وليس له من فرصة لاكتساب الخبرة المطلوبة التي تؤهله لخوض العمل السياسي وأن يكون قياديا في المشهد مستقبلا ..ولاشك أن تكوين وتأهيل جيل الشباب لخوض غمارالسياسة يكون في الاحزاب والجمعيات التي تكون بمثابة المختبرلتواصل وتعاقب الاجيال و هذا الامرانتفى ولم يعد متاحا بعد تجميد أغلب الاحزاب التي اختفت من المشهد ..ولا يزال الدستوري الحرمن الاحزاب القليلة الناشطة رغم وجود زعيمته عبير موسي في السجن ..
كاتبة وصحفية تونسية
نقلاعن رأي اليوم











