يقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور: “إن أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف، فالقطيع لا يكره رأيه في الحقيقة ولكنه يكره جرأة هذا الفرد في امتلاك الشجاعة للتفكير بنفسه كي يكون مختلفًا وهذا تحديدا ما لا يعرفه القطيع”.
فمن ينتقدون تصويت الجزائر في مجلس الأمن لصالح القرار الأمريكي لا ينتقدون الفكرة التي صوتت لأجلها الجزائر بل ينتقدون جرأة الجزائر، فلو كانوا ينتقدون الفكرة لكان الأولى بالإنتقاد في الأصل هو طرح خطة ترامب، إذ لماذا يتم التصويت على خطة ترامب ولا يتم تصويت في المقابل على خطة من طرف حكام الدول الإسلامية؟
إن السبب الحقيقي الذي جعلهم لا ينتقدون ذلك هو عجزهم عن ذلك، وإذا كان الأمر كذلك وكانوا يقرون بضعفهم وقلة حيلتهم فلماذا يريدون أن يلبسوا لبوس البأس والقوة من خلال غيرهم؟
وكأن الجزائر دولة نووية، بينما الجزائر مثلها مثل بقية الدول الإسلامية مجرد دولة خاضعة لشرعية دولية.
إن الأمة الإسلامية إن أرادت النصر لغزة، فعليها أن لا تنفض أدران ما التصق بها من ذل وهوان بمن حاول مرارا أن ينفض عنها الذل والهوان، فالجزائر مواقفها لأجل القضية لا حصر لها، لكن الجزائر لاتقف مواقف لأجل التصفيق العاجل بل لأجل التشريف الآجل، وإن بدا للبعض أنها قد اتخذت التطبيع سبيلا، فقد خرج وزير الخارجية الجزائري عطاف ليبين ثبات الوقوف والموقف، وأنها قبلت خطة ترامب لانه لم تطرح أي خطة بديلة، مع اعتراف بأن الخطة تعتريها الكثير من النقائص التي حاولت الجزائر ما أمكن التعديل عليها، بما لا يجعلها تفرّط في حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة أو يجعلها تتصادم مع قوى كبرى لا تملك الجزائر لوحدها أدوات مجابهتها، غير أن السياسة هي فن الممكن، والذكاء السياقي كما تدعوه نظرية الفيلسوف السياسي جوزيف ناي، والذي بينه المفكر مختار الشنقيطي في قوله :”هو القدرة على استيعاب ظروف الزمان والمكان والإمكان، وما يترتب عليها من ترتيب الأولويات، واختلاف الواجبات، ومَراتب المسؤوليات. وأول ملامح الذكاء السياقي هو وعي أهل كلِّ ثغرٍ بواجبهم المتعيِّن في ثغرهم المخصوص، والسعي إلى سَدِّ ذلك الثغر بفاعلية، وعدم التشتُّت في مواجهات على ثغور أخرى لم يحمِّلهم الله أمرها، ولا يُجدي جهدُهم فيها، بل قد يضرُّ بواجبهم المتعيِّن دون فائدة يجنيها إخوانهم على الثغور الأخرى”.
فقد يتاح للجزائر المناورة و اللعب على مساحات من التناقضات التي تفتح ثغورا لحلول لم يتصورها بال أو يبلغها خيال، وإن كنا نتمنى لو كان بإمكان الجزائر رفض القرار جملة وتفصيلا وإن لم يغير قرارها في واقع الحال من أية حال.
وليت أن الإنفعالية تتساوى مع الفاعلية لدى الشعوب الإسلامية، فكما نراها تهتز لصوت في مجلس الأمن، نراها تتحرك لصمت في ساحات التحرير.
فالحقيقة التي لا يمكن طمسها أن قادة جميع الدول الإسلامية إنما هم قادة مقيدون، لا يملكون خلف تلك القيادة أية سيادة، ما يجعل المسؤولية تقع اليوم على الشعوب الإسلامية، كي تمضي في مشاريع حقيقية.
وقد حاولت بتوفيق من الله وحده أن أضع مبادرة رحمة للعالمين لاجل غزة، لأن أمد الباطل يطول بين الناس بقدر غيبتهم عن الحق، ولأن الفساد يسري في حياتهم بقدر طمس الضمائر الحية فيهم، ولأن نكبة العالم اليوم أنه لم تعد للمستضفين فيه مرجعية قانونية ولا انسانية يتكئون عليها في نكباتهم، أو حكومات ذات سيادة تكون الركن الشديد الذي يحول دون العواصف التي تهز أركان أمنهم وسلامهم، فتحميهم من همجية المفسدين، وعنهجية الطغاة المستبدين، وبعد أن تبين للعالمين أن العالم اليوم يعيش ولادة جديدة لنظام عالمي جديد، حوّل الكرة الأرضية إلى حلبة صراع، الغلبة فيها للأقوياء مهما كانت الأدوات التي اعتمدوها ضد الضعفاء، وجب التفكير خارج تلك الصناديق المغلقة التي ألفناها، واستبدال تلك المرجعيات بمرجعيات حقيقية تحمي الانسان أينما كان، دون تمييز بين عرق أو دين، أو أي إثنيات مختلفة تصُف الناس في مصاف متقدمة وأخرى متخلفة، فهذه المبادرة شعبية وخارج جميع الدوائر الحكومية التي خابت فيها الآمال في حقن دماء أطفال ونساء وشيوخ أبرياء، فالمتأمل للساحة الاسلامية يدرك ضيق مساحات الفاعلية واتساع الإنفعالية، وعظم الإذعان المنفصم عن الايمان، وعظيم حجم التذمر مقابل التفكر، وكأن العالم الاسلامي لم ينشطر قطعا جغرافية فحسب، بل انشطر كقطع من الليل في سماءاته الفكرية، فلم يذهب عليها عقله حسرات، فانطلق كغثاء قد مسه الوهاء في مختلف الإنزلاقات وأسافل المنحدرات.
وانطلاقا من كل هذه الأوضاع الموجعة وجب جمع الشتات الممزق تحت غطاء من الحرية، العدالة، والرحمة دون شائبة إكراه أو اغتيال للقيم الإنسانية.
ومن أهداف المبادرة التي سطرناها:
_جمع الكوادر والعقول من مختلف التخصصات في حزمة ضوء واحدة بحيث تتفاكر وتتشاور ثم تجتمع على كلمة سواء في وضع الحلول السلمية ذات الفاعلية
_ جمع المبادرات الخيرية في مصب واحد بحيث تشكل قوة ضاغطة ذات فاعلية
_ الخروج التام من الاعتمادية على الدوائر الحكومية
_ تكذيب زيف ما ألصقوه بالاسلام من ارهاب وتبيان عدالة هذا الدين ورحمته ورحمة نبيه عليه الصلاة والسلام
الوسائل:
_ أولا: جمع توقيعات الموافقين على المبادرة
_ثانيا: نشر المبادرة على مختلف المنابر الإعلامية المتاحة
_ ثالثا: جمع مختلف الطاقات البشرية داخل التكتلات والمنظمات غير الحكومية
_رابعا: انتقاء المبادرات الفاعلة السلمية التي تحقق ما نرجوه من غايات وجمعها في مبادرة واحدة “مبادرة رحمة للعالمين”
_خامسا: وضع قنوات واقعية لتفعيل المبادرة.
فإن كانت الجغرافيا هي إرادة الله على أرضه فالتاريخ هو إرادة الشعوب على تلك الجغرافيا.
نقلا عن رأي اليوم











