«في مسألة اللوبي الإسرائيلي، أنتم شجعان. وفيما يتعلق بتاريخ السياسة الفرنسية في الشرق الأدنى، يمكنكم إضافة خطاب فرانسوا ميتران عام 1982 في الكنيست، الذي أرى أنه بقدر أهمية المؤتمر الصحافي لشارل ديغول في نوفمبر 1967، وأنه أهم من استياء جاك شيراك المشروع من الشرطة الإسرائيلية أو خطاب السيد دومينيك دوفيلبان عن موضوع آخر (حرب العراق). ذلك أن ميتران، الذي كان في الأصل مناصرا لإسرائيل على النمط الكلاسيكي، قد أقام السياسة الفرنسية على أساس «حل الدولتين». وقد شجعه المستشار الاشتراكي النمساوي برونو كرايسكي (من عام 1970 إلى 1983) كثيرا في هذا الاتجاه. من ناحية أخرى، وفي مقابل ببّغاوات الليكود الفرنسيين (الذين يشكلون، بتضافرهم، موجة عاتية حقيقية) يمكن الاستشهاد بالشخصيات الإسرائيلية أو اليهودية الأمريكية التي تتجرأ على انتقاد السيد بنيامين نتنياهو».
هذا ما أتى في رسالة وجهها إلى ركن بريد القراء في شهرية لوموند ديبلوماتيك الكاتب السياسي الفرنسي هوبير فدرين الذي سبق أن كان وزيرا للخارجية من عام 1997 إلى 2002 ومستشارا دبلوماسيا لدى الرئيس ميتران من عام 1981 إلى 1988. وموضوع المراسلة هو المقال التحليلي الذي نشرته الجريدة، بقلم بيار رمبير وسيرج حليمي (ابن المحامية الشهيرة التونسية الأصل جيزيل حليمي) عن اللوبي الفرنسي المناصر لإسرائيل والحائل دون اتخاذ أي إجراء حازم ضدها. وما كان فدرين، بما له من جدارة في فقه السياسة الدولية، ليحرص على تسجيل موقفه، حتى كمجرد قارئ، لولا أن مثل هذه المقالات الناقدة لإسرائيل عزيزة نادرة في الإعلام الفرنسي. وهذا مبعث نعته الجريدة وكاتبيْها بالشجاعة.
ينطلق الكاتبان من ملاحظة أن انتصار تيار البركسيت الانعزالي في بريطانيا عام 2016 وفوز ترامب بالرئاسة في أمريكا عام 2017 قد أصابا الليبراليين بالحيرة فاضطروا إلى إعادة تشفير المجال الإيديولوجي تشفيرا بدائيا: من جهة هناك خليط من «الشعبويين» و«التسلُّطيين» الأشرار مثل ترامب وبوتين وجينبنغ وأوربان وبولسونارو، وفي الجهة المقابلة ثمة «الليبراليون» و«التقدميون» الطيبون مثل ميركل وكلنتون وبايدن وتريدو وماكرون. ولكن إعادة ترسيم الانقسامات والتحالفات الغربية هذه قد ارتطمت بحجر عثرة هو: إسرائيل. إذ تتهيّب الحكومات الغربية اتخاذَ أي إجراء، بل إعلان أي انتقاد، ضد الأفاعيل غير القانونية التي ترتكبها هذه الدولة وقادتها. هذا رغم أن نتنياهو لا يخفي عداءه لعُلْوية القانون، ورغم أن تهم الاحتيال والفساد التي وجهت له عام 2019 كافية لنبذ أي حاكم «شعبوي» آخر إلى العراء.
ويذكر الكاتبان أن الحكومات الليبرالية الفرنسية والبريطانية والألمانية الخ، تحابي نتنياهو وحكومته بينما لا يَأْلُو هو جهدا في خطب ود اليمين المتطرف الأوروبي وفي تقوية الطابع العرقي-القومي لدولته! «ولكن الجميع تقريبا يشيحون بأنظارهم. فمعظم الديمقراطيات الليبرالية وصحافييها ومثقفيها الساعين في الخدمة «ينسون» أن يدرجوا زعيم الليكود في «الرجعية الدولية» التي يزعمون أنهم يناهضونها». مفارقة كبرى نتيجتها أن إسرائيل قد صارت بمثابة الفيل في رواق المعايير الدولية (أي الشيء الذي يتصنّع الجميع عدم رؤيته رغم أن العين لا يمكن أن تخطئه لأنه ملء المكان إما بضخامة حجمه أو ببشاعة إثمه) حيث إن نتنياهو، الذي يحكم بالائتلاف مع استعلائيين عنصريين ليس لهم ما يحسدون عليه عصابة كو كلوكس كلان الأمريكية، قد غزا لبنان وسوريا، وقصف إيران واليمن، وسوّى غزة بالأرض يُبيد شطرا من شعبها ويجوّع شطرا آخر، وجدد الاستيطان في الضفة الغربية وعزز نظام الأبارتهايد في إسرائيل. ولإيقاظ القارئ الغربي من غفلته، يقول الكاتبان «فلنتخيل رد فعل القوى الغربية لو أن الأراضي الإسرائيلية تعرضت طيلة أكثر من عامين لغزو قوة احتلال عربية تدأب كل يوم على قتل عشرات من المدنيين الإسرائيليين».
ينبه حليمي ورمبير أن هذا التغاضي من الحكومات الغربية عن مسلك حكومة تُناقض القيم الغربية المعلنة كل هذه المناقضة هو موقف مشبوه، بل شائن، إلى درجة قد تبعث على الظن بأن المبرر إنما هو المصلحة العليا للدول الغربية، أو إمداداتها النفطية أو احتياجاتها المالية أو أسواقها التسليحية، أو حتى فساد نخبها. إلا أن الحقيقة أن لهذا الموقف المناقض لطبائع الأشياء تفسيرا آخر، وأن «اللافت فيه أنه لا يلفت انتباه أحد»: إنه اللوبي المناصر لإسرائيل. تسمية يعدّها الكاتبان أصوب وأشمل من «اللوبي اليهودي» الذي سماه بهذا الاسم، في نوفمبر 1978، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ناحوم غولدمان، واصفا إياه بالقوة التدميرية والعائق ضد السلام.
نقلا عن القدس العربي











