سبق لي وقبل أكثر من عامين أن تحدثت في مقال عن الخليفة العباسي المعتصم، وكيف أنقذ إمرأة واحدة سيقت إلى السجن، بعد أن صرخت.. وامعتصماه ! وبسبب ما طالعناه مؤخرا حول ما جرى لبعض نساء فلسطين في سجون الاحتلال ، من حالات اغتصاب وإذلال وإهانة، فيجدر بي إعادة ما فعله الخليفة المعتصم، والذي لم يحتمل إهانة إمرأة مسلمة واحدة، فما بالكم بما تتعرض له نساء فلسطين اليوم أمام صمت مخز ومعيب لكل الأمة العربية والإسلامية.
سمع الخليفة المعتصم قصة المرأة المسلمة شراه العلوية من أحد الرجال الذي أوصل الخبر للخليفة، حيث أُخذت أسيرة من مدينة زبطرة في أراضي تركيا اليوم ، وساقوها للسجن في عمورية ، حيث صاحت المرأة .. وامعتصماه!
لم يتخذ الخليفة موقفا كقادة العرب والمسلمين بالتنديد والشجب والإستنكار، الذي يدلّ على العجز والتخاذل، بل قام بما لا يقدر عليه حكّام اليوم، فجهّز جيشا كبيرا قوامه خمسين ألف جندي، وأصرّ الخليفة المعتصم على أن يكون على رأس الجيش لقتال الروم.
دارت معركة كبرى ، تمكن فيها الجيش الإسلامي من الإنتصار، فتح المعتصم عمورية، وأنقذ المرأة إضافة إلى أكثر من ألف إمرأة أخرى يقبعن في السجن .
منذ أكثر من عامين، نعيش جميعا حالة من المهانة والإذلال، ارتفعت وتيرتها بعد متابعتنا للممارسات الصهيونية القذرة بحق نساء غزة تحديدا، ممارسات لم تحرّك في هذه الأمة أية مشاعر أو أحاسيس ، في الوقت الذي تستعد فيه عواصم ومدن عربية لحفلات مجون ورقص وخلاعة، في دلالة على ما آل إليه واقع الأمة المشين والمقزز .
وكأني أتخيّل المعتصم اليوم يتململ في قبره ، لو كان الأمر بيده ، لنزع الكفن عن جسده ، وأزال التراب ونهض من تحته ، ليصرخ فينا جميعا ؛ ويح هذه الأمة التي استكانت وأصابتها البلادة والخنوع والإستسلام ، أمام شرذمة من مجرمي العصر ، الذين أمعنوا في نسائنا وأطفالنا قتلا واغتصابا ، وأهانوا رجالنا ، ودمروا ما استطاعوا تدميره أمام أعين العالم المنافق ، وأمام أعين كل المسلمين .
ماذا سيقول المعتصم حين يعلم بأن هذه الأمة قد وصل تعدادها لما يقارب المليارين من البشر ، الذين باتوا كغثاء السيل ، لا فائدة ترجى منهم ؟ وماذا سيكون موقفه حين يعلم ما حلّ بالقدس وفلسطين بأجمعها ؟ وماذا سيخبرنا المعتصم لو علم بأن لدينا جامعة عربية ومنظمة مؤتمر إسلامي وأكثر من خمسين دولة مسلمة ، ولكنها لاتساوي بطولة مقاوم فلسطيني واحد في غزة ؟
أستحي منك أيها المعتصم ، بتنا نخجل من كل هذه الأمة ، ندرك تماما بأنك غادرتنا منذ قرون عديدة ، لم تترك لنا خليفة بعدك ، ينقذ الأمة مما هي فيه ، أيها المعتصم .. لقد تغير الحال تماما ، فهؤلاء المجرمون من بني صهيون أصبحوا حلفاء لبعض العرب والمسلمين ، لا بل وشاركوا معهم في قتل النساء والأطفال .
أيها الخليفة .. لا تغادر قبرك ، لن تستطيع فعل شيء ، لأن عربان هذا الزمان سوف يتآمرون عليك ، سيتهمونك بالإرهاب ومعاداة السامية ، وقد يصل الأمر بهم إلى تعليقك على حبل المشنقة ، اتركنا وشأننا ، فليس بيننا سوى العملاء والخونة والمتخاذلين ، فعالم اليوم الذي نعيشه ، ليس كعالمك أيها الخليفة ، فأنتم عشتم في زمن النخوة والمروءة والشهامة والرجولة ورفض الظلم ، في حين أننا نعيش زمن الرذيلة والأقزام .. زمن التصهين والإنبطاح ، زمن حكّام هم مجرّد شهود زور .
أيها المعتصم .. سامحني ، أجزم بأنني تسببت لك بقلق كبير ، وأدرك بأنك تشعر بقهر كما نحن ، غير أننا نعلم بأن ما يحدث اليوم ماهو إلا محطّة هي الأسوأ في تاريخنا ، وسوف تنهض الأمة من جديد بفضل مقاومة باسلة تستعد ليوم جديد وفجر قادم .
كاتب فلسطيني
نقلا عن رأي اليوم











