لا خلاف ان في انتهاء و زوال الازمة بين المغرب والجزائر مكسب كبير للبلدين و للشعبين المغربي و الجزائري و لكن أيضا لدول المنطقة التي كلفها الصراع منذ خمسين عاما من الخسائر الاقتصادية و التجارية الكثيرو أن استمرار الحال على ما هو عليه من جمود خسارة للجميع …جملة واحدة قالها المستشار الامريكي ويتكوف في نهاية برنامج تلفزي بحضور صهر الرئيس ترامب كوشنير اعادت الى السطح قضية الصحراء الغربية و ما رافقها من مفاوضات و بادرات اقليمية و دولية فشلت في انهاء الصراع ..ويتكوف الذي كان يتحدث على قناة سي بي اس عن الاتفاق في غزة سرب خبرا مفاده أنه سيتم توقيه اتفاق بين المغرب والجزائر خلال ستين يوما بما يعني أننا ازاء مفاوضات متقدمة في هذا الشأن و قد يكون هناك وساطات من دولة خليجية بما ساهم في كسر الجمود الذي أنهك المنطقة علما و أن اختراقا سابقا تحقق بداية الثمانينات بين الراحلين الرئيس بن جديد و الحسن الثاني وكان بوساطة سعودية مهدت الطريق لتأسيس الاتحاد المغاربي الا أن الحلم لم يدم طويلا ولم يتجاوز حدود الحبر الذي وقعه .. ليس من الواضح ما تتضمنه المبادرة ولا ما اذا يمكن أن تترجم على أرض الواقع وتصمد هذه المرة ولكن الاكيد أنه اذا حدث اختراق في الصراع بشأن الصحراء الغربية فان ذلك يعني الكثير ..لقد توخت تونس دوما الحياد الايجابي وحرصت على أن تكون على نفس المسافة ازاء المغرب و الجزائر الى أن احتضنت تونس قمة الفرانكفونية و استقبلت زعيم جبهة البوليزاريو ما أثار حفيظة المغرب ..و منذ ذلك الحين بقيت العلاقات بين البلدين مبتورة في غياب السفيرين .. وهذا ليس سوى أحد الامثلة ع نتداعيات هذا الملف على العلاقات بين دول المنطقة بعد أن تحولت قضية الصحراء الغربية الى قنبلة موقوتة و لكنها ضامنة لعدم تأسيس الفضاء المغاربي ..
أكثر من سبب من شأنه أن يدعو للتساؤل بشأن تصريحات المبعوث الامريكي للشرق الاوسط ستيف ويتكوف حول وساطة أمريكية بين الجارين اللدودين المغرب والجزائر لحل صراع استمر عقودا حتى الان و ظل حاجزا مدمرا يحول دون تجسيد حلم الاتحاد المغاربي وقد تحطمت وفشلت كل المحاولات الدولية والاقليمية لتحقيق اختراق في قضية الصحراء الغربية ،توقيت هذا التصريح أيضا ليس اعتباطيا فقد جاء في اللحظات الاخيرة من الحوارالتلفزي الذي امتد ساعة كاملة وتمحور حول اتفاق وقف الحرب في غزة وكان الاعلان مفاجأة غير متوقعة بالنظر الى موقف ادارة الرئيس ترامب من الصحراء الغربية ولكن أيضا بالنظرالى المهلة التي حددها المسؤول الامريكي الذي بشر بأن الاتفاق سيكون جاهز خلال ستين يوما وأن الجزائر من طلب هذه الوساطة .. و بعد ثلاثة أيام على هذا التسريب لم يحصل أي تعليق من جانب الجزائر و المغرب ولكن في المقابل أعلنت جبهة البوليزاريو عن استعدادها لتقاسم فاتورة السلام مع المغرب من خلال تقديم مقترح موسع للامين العام للامم المتحدة لحل قضية الصحراء الغربية يمكن الشعب الصحراوي من تقرير المصير واستعادة السلم و الاستقرار في المنطقة وهو ما يعني بالضرورة أن ابراهيم غالي زعيم جبهة البوليزاريو لا يمكن أن يكون أدلى بهذا التصريح دون موافقة الجزائر .. المبعوث الامريكي ويتكوف أكد على انفتاح الجانبين وأن الاجواء تدعو للتفاؤل ..تصريحات المستشار ويتكوف تأتي بعد زيارة مستشار الرئيس الامريكي للشؤون العربية والافريقية مسعد بولس الى تونس و المغرب و الجزائر وأكد المستشار الامريكي اللبناني الاصل أن واشنطن ستفتتح قنصلية في الصحراء المغربية قريبًا مع الدعم الكامل لسيادة المغرب على المنطقة.بولس جدد موقف ترامب بشان سيادة المغرب على الصحراء .بولس تحدث أيضا عن لقاءه الرئيس تبون في الجزائر و رغبته في التوصل لحل جذري و نهائي لقضية الصحراء الغربية بعد خمسين عاما من الصراع ..
المثيرأن المبعوث ويتكوف تحدث قبل يومين عن اتفاق وشيك يجري الاعداد لتوقيعه و هو ما يعني أن قنوات اتصال فتحت و مفاوضات تجري بين الاطراف المعنية و هذه باتت طبيعة الرئيس الامريكي و تدخلاته في أكثر من صراع اقليمي و هو الذي يفاخر بأنه نجح في انهاء سبع حروب و أنه الاجدر بجائزة نوبل للسلام ..
واذا تأكدت جهود المفاوضات و أتت أكلها خلال شتين يوما فهذا سيجعل المنطقة أمام اختراق تاريخي عجز عن تحقيقه كل المبعوثين الدوليين الذي كانوا يعجزون عن تقريب مواقف المغرب و الجزائرو اقتلاع اللغم القابل للانفجار في كل حين حيث تظل العلاقات مبتورة والحدود مقطوعة و يستمر تعاقب الاجيال في غياب الارضية المطلوبة لتأسيس الحلم المغاربي واذابة الجليد بين الجارين الشقيقين اللدودين ..
لا نعرف شيئا عن دوافع وأهداف ادارة ترامب في المنطقة و تحديدا في شمال افريقيا لاسيما و أن الرئيس الامريكي يبدو منصرفا نحو ضمان صمود واستمرار الهدنة الهشة بعد سنتين من الابادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي في غزة والبحث بالتوازي مع ذلك عن ثغرة لايقاف الحرب بين روسيا وأوكرانيا ..والارجح أن أعين ترامب التي تتابع ما يجري في منطقة الشرق الاوسط من تحولات متسارعة لا تريد أيضا أن تغمض العين الاخرى عما يجري في شمال افريقيا وفي افريقيا كلها حيث يتراجع الحضور الفرنسي فيما يتعزز الحضور الروسي الصيني بشكل متسارع هناك في منطقة يتنافس عليها مختلف القوى الكبرى ..و لاشك أن أنظارترامب لا تسقط من حساباتها مسار قطار التطبيع وهو الذي ما انفك يؤكد أن محطاته ستتوسع ..وقد يكون ترامب قرأ في تصريحات وزيرالخارجية الروسي لافرورف خلال وتوجه روسيا نحودعم الموقف المغرب …
وفي انتظار تطورات الاحداث وما يمكن أن تؤول اليه مبادرة ترامب لحل الصراع الطويل بين المغرب والجزائر بكل تداعياته الخطيرة السياسية والامنية الاقتصادية والاجتماعية على دول المنطقة فان الارجح أن التصريحات الامريكية التي رفع عنها التكتم لم تأت من فراغ وقد يكون للتحولات الاقليمية والدولية المتسارعة دورها في الدفع الى هذه المبادرة التي سيكون نجاحها مكسبا لكل دول المنطقة التي تدفع ثمن هذا الجفاء و الصراع الخطير بين المغرب و الجزائر و لكن الاكيد أيضا أن فشل المبادرة سيكون لها تأثيره على صورة و مصداقية ادارة ترامب التي تراهن على طي الصراعات و الازمات في العالم و بينها أزمة الصحراء الغربية ..اختبار معقد سيكون لنتائجه مجال للحكم له أو عليه ..
نقلا عن رأي اليوم











