ليس الاعتراف بالدولة الفلسطينية مرتبطا بمعاداة السامية

 بيير لوي ريمون

لكلمة «لا» دلالة أبعد مما نتصور. نستعملها على وجه العموم في إجاباتنا المقتضبة عن هذا السؤال أو ذلك، أو تعبيرا عن رغبة في تغيير نسق أحداث، أو ربما تصويبا أو استدراكا لما فاتنا…
لكن اللهجة قد تتصاعد على نحو يعظم الاستياء إلى حد المطالبة بالقطيعة، حينها، تصبح «اللاء» لاءا ذات نبرة أخرى…
هذه هي الـ«لاء» التي نوجهها لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، على إثر الرسالة التي بعث بها إلى الرئيس ماكرون.
رسالة وصفتها الإليزيه بالـ «صادمة» بل «البشعة» – وهي صفة لم نعهد سماعها في تاريخ علاقات القادة ببعضهم، رسالة «لن تمر بدون رد» على حد وصف قصر الرئاسة الفرنسية. أكيد، كل كلماتها تجانب الواقع وكأنها آتية من كوكب آخر، كأي خطة وموقف وتوجه ممنهج لنفي حق الفلسطيني في أن يعيش على أرضه.
وليس فقط تلك الرؤية الرافضة شكلا ومضمونا لإقامة دولة فلسطينية والمترسخة في النهج الاستيطاني هي التي تقود هذه السطور، بل أيضا الرغبة الواضحة في اعتماد مبنى لغوي يقيم حججه على المغالطات وكالعادة، يزيد من القضية الفلسطينية تسييسا في مناسبات لا محل فيها للتسييس من الإعراب.
لا. ليس الاعتراف بالدولة الفلسطينية مرتبطا بمعاداة السامية بأي حال من الأحوال. فرنسا حريصة على حماية أبنائها، كل أبنائها، من شتى أشكال العنف والعنصرية وغيرها من أصناف كره الآخر بسبب لون بشرته أو دينه.
حينها، من غير المقبول بذل المساعي لتحويل اتجاه الموضوع … عن طريق تحويل اتجاه معاني الكلمات! فكيف يمكن وصف دعوة فرنسا لإقامة دولة فلسطينية بأنها ليست «دبلوماسية» بل محاولة «للتهدئة»؟ ما دخل التهدئة في التذكير بأمر منطقي؟ ثم كيف يمكن وصف دعوة الدبلوماسية الفرنسية للاعتراف بدولة فلسطينية بـ«تشجيع مقدم لمن يهددون اليهود الفرنسيين» و(من) « يغذون كراهية اليهود التي «تعم شوارع فرنسا حاليا» على حد تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي! ثم كيف يمكن اتهام القيادي الفرنسي بكونه «يبدل العمل بالضعف»، بينما العكس تماما هو الذي يحصل، أي أن السكوت أمام الحق كان هو الذي سيكون ضعفا، بينما «العمل» هو المطالبة بالحق؟
ثم كيف لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وسط هذا البحر المتلاطم من المغالطات والعبارات الفضفاضة، بإمهال «مهلة» …نعم …»مهلة» يمنحها للرئيس الفرنسي حتى «عيد رأس السنة العبرية الجديدة» لكي يتحول من كونه «ضعيفا» (أي معاديا لإيديولوجيا اليمين الإسرائيلي المتطرف الرافض لكل مقتضيات مسلسل السلام من خطة تقسيم1947 إلى الآن) إلى «عملي» (أي عائد إلى بيت الطاعة كالطفل الصغير).
لا يندرج هذا الكلام سوى في نسق مصطلحي ولفظي قائم على الاستغلال والخلط، أسطوانة مشروخة معروفة تسعى إلى اعتماد المواقف السياسية وأحداث شؤون الساعة كمواطئ قدم للنيل من السمعة والشخصية.
يتجلى ذلك في استخدام لفظة «ضعف» مثلا. ونلاحظ هنا كيف أن الكلمة بلغت مبلغ «الاستنساخ» بحيث ليس ماكرون الوحيد الذي «حظي» بمثل هذا التوصيف … فها هو نتنياهو يستخدمه أيضا في حق نظيره الأسترالي أنطوني ألبنيسي، واصفا إياه بالسياسي «الضعيف» الذي «تخلى عن يهود أستراليا». بينما كان نتنياهو، تضيف قناة سكاي نيوز، يعتبر ألبنيسي فيما مضى حليفا «قويا» للدولة العبرية.
ها هي إشكالية «القوي والضعيف» تعود لتجد لها أنسب إطار: الإطار التتويجي الذي يتكرس بوجود «ترامب القوي» المتبجح بأنه قمع «بقوة» الجامعات الأمريكية متحججا بوقوع «أحداث معادية للسامية بررت قطع التمويل على مؤسسات دراسية. «
الخلط، مرة أخرى. الأعمال «المعادية للسامية « ليست مواد تدرس حتى يقطع عليها التمويل!
لقد أدخلت قيادات إسرائيل زمن الإيديولوجيا في زمن العمل السياسي. وهذه خطوة غير مسبوقة سيحسب لها حساب. لم نعهد رئيس وزراء إسرائيلي يتحدث إلى رئيس فرنسي بهذه الطريقة أبدا. فيما النهج الدبلوماسي الفرنسي من القضية الفلسطينية لم يتغير قيد أنملة. إنه نابع رأسا وقطعا من السياسة العربية لفرنسا التي حدد الجنرال ديغول أهدافها ومقاصدها، والتي تضمنت دوما دعوة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفيما نحن بصدد كتابة هذه السطور، نتصادم من استنساخ السفير الأمريكي الجديد بفرنسا، شارلز كشنر، استنساخا حرفيا كلام نتنياهو، في معرض حديثه عن «غياب عمل كاف من الحكومة الفرنسية في وجه تصاعد معاداة السامية بفرنسا. «
نتصادم؟ في الواقع لا نتصادم لشدة ما كان الأمر قابلا للتوقع من هذه الإدارة الأمريكية التي أعلنت منذ بداية ولاياتها عن ولائها للتطرف السياسي.
كل ما بني على باطل فهو باطل.
فلا نملك سوى أن نوجه هذه اللاءات استنكارية واضحة لخطوات هذه الحكومة الإسرائيلية المناصرة لمنطق القوة دون سواه والناكرة لمنطق المشاريع بامتياز.

* باحث وأكاديمي فرنسي

نقلا عن القدس العربي

خميس, 28/08/2025 - 13:01