تأملات مصرية فى المسألة الأوكرانية

السفير د. عبدالله الأشعل

المسألة الاوكرانية لها صورتان الأولى التى تتمشى مع نظرة الغرب وتنسجم مع مصالحه فى العلاقات الدولية وتطبيقا لهذه الصورة روسيا تعتبر معتدية على أوكرانيا .
والغريب أن يعض الإعلام العربى ينقل هذه الصورة حرفيا وينحاز إلى الرواية الغربية فى المسالة فتجد فى الإعلام العربى الحرب الروسية على أوكرانيا مثل  الحرب الأمريكية على العراق والحرب الإسرائيلية على غزة .
وفى حالة غزة هذا تبسيط مخل لأن إسرائيل تصر على ابادة الشعب الفلسطينى .
أما الصورة الثانية فهى الصورة الواقعية فى أوكرانيا. والنتيجة أن روسيا عندما أرادت تصحيح الأوضاع فى أوكرانيا وتحمى نفسها من الغرب الذى اعتدى عليها فى أوكرانيا استخدم الغرب آليات النظام الدولى الذى صنعه بعد الحرب العالمية الثانية بما فى ذلك محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة عموما.
ad
 والصحيح أن روسيا محقة وتفصيل ذلك ما يلى :
أولاً : أن أوكرانيا كانت جزءا من روسيا القيصرية فى القرن التاسع عشر كما أنها صارت جزءا  من الاتحاد السوفييتي في القرن 20 ونظرا لأن أوكرانيا حظيت بمكانة خاصة في الاتحاد السوفيتى استخدمها الغرب لتقويض روسيا الاتحادية بعد تحلل الاتحاد السوفييتي لأن جمهورية أوكرانيا كانت تمثل حائط الصد لروسيا ولذلك ركزت موسكو على حماية نفسها وأمنها في بلاد الحدود الطرفية مثل أوكرانيا. فقد جعل خروتشوف كييف عاصمة أوكرانيا مقرا للاسطول الرئيسي فى الاتحاد السوفييتي.
ثانياً: أما شبه جزيرة القرم فهي في الواقع من الناحية التاريخية تتبع روسيا وتفصيل ذلك أن روسيا القيصرية كانت قد دخلت حربا مع الدولة العثمانية لمدة عامين 1854 إلى 1856 وانتهت بصلح باريس وساعد الغرب فى هذه الفترة روسيا ضد الدولة العثمانية بل هناك من المؤشرات التي تظهر أن الغرب شجع روسيا على العدوان على الدولة العثمانية. ونصت اتفاقية باريس على أن شبه جزيرة القرم تؤول إلى المنتصر وهى روسيا ومنذ ذلك الوقت فإن شبه جزيرة القرم كانت تابعة لروسيا مثلما أن أوكرانيا بالكامل كانت تابعة لروسيا.
ad
ثالثاً: حرصت موسكو على تخزين معظم أسلحتها النووية فى أوكرانيا. ولذلك وبسبب أهمية أوكرانيا لروسيا حاول الغرب أن ينفذ إلى الأمن الروسى من خلال أوكرانيا .ولذلك فالحرب روسية غربية على أراضي أوكرانيا. والغرب هو الذى بدأ هذه الحرب عندما حرض عملاءه على القيام بما يسمى بالثورة البرتقالية وهى تعنى الثورة ضد الحكم الروسى ونظرا لأن الاتحاد السوفيتى سلم بسقوطه عام 1991 فإن واشنطن أرادت أن تتعقب موسكو فى عقر دارها حتى تحرم روسيا الاتحادية من وضع الدولة العظمى. وكانت النتيجة أنه تم طرد النفوذ الروسى من أوكرانيا لصالح الغرب.
 ولما شعرت روسيا بتهديد أمنها عبر أوكرانيا أرادت أن ترد علي  الغرب وتؤدب أوكرانيا وتستردها إلى حوزتها ولذلك فإن بوتن هو الشخصية الوحيدة الذى يفهم هذه التعقيدات ولهذا السبب استعلى على الجلوس مع زيلنسكى رئيس أوكرانيا وأصر على جس النبض وساعده في ذلك وصول ترامب إلى السلطة  للمرة الثانية.
 ويبدو أن هناك مصالح مشتركة بين بوتن وترامب حيث اتخذ ترامب موقفا أمرا لرئيس أوكرانيا وأضطره إلى الواقعية  إلى العودة لجذور المسألة وعقدت أول جولة من المفاوضات فى عهد ترامب فى السعودية ثم انتقلت المفاوضات إلى اسطنبول ومع ذلك تكثف روسيا هجومها على أوكرانيا. والملاحظ أن روسيا تعتز بنفسها وتصر على أن تكون دولة عظمى رغم أنف الغرب وهذا يفسر موقف الرئيس بوتن المتكرر من أنه قد يضطر إلى استخدام الأسلحة النووية إذا هدد الغرب وجود روسيا نفسها رغم أن بوتن يعلم جيدا أن الغرب كله يحوز أسلحة نووية وأن السلاح النووى إذا استخدم  يؤشر إلى نهاية العالم. ونعتقد أن الرئيس بوتن ينهج مع أوكرانيا والغرب نهجا معروفا فى فن التفاوض وهو التفاوض تحت حد السيف تماما كما تتفاوض أمريكا مع إيران حاليا ولذلك لابد من تفهم موقف روسيا وأنها لاتريد فقط تأديب أوكرانيا وانما اكتشفت أن الغرب أقام نظاما دوليا لصالحه وروسيا تريد اقامة نظام دولى جديد يكون أكثر توازنا وأكثر عدلاً. فالنظام الدولي الراهن تشقق ولكنه لم يسقط وهذا هو تفسيري لتوحش اسرائيل في غزة بالاضافة الي دور واشنطن.
تلك هى صورة الأحداث فى أوكرانيا ولذلك من الناحية الظاهرية روسيا معتدية ولكن من الناحية الحقيقية روسيا تصحح أوضاع في أوكرانيا يريد الغرب أن يحدث تغييرا فيها نكاية فى روسيا. وما دام بوتن في السلطة فإن الغرب لن ينال من روسيا مطلقاً سواء انفرد الغرب بحرب نفسية ضد روسيا مثل قضية الدكتاتورية فى روسيا والدكتاتورية فى الصين ولكن تلك ورقة قديمة من الغرب لم يعد لها جدوى. أما مستقبل الصراع فى أوكرانيا فليس مرتبطا بشروط السلام بين روسيا وأكرانيا وانما يمكن تسوية النزاع لكن الصراع سيستمر إلى قيام الساعة فالصراع يختلف عن النزاع الصراع سياسى مثل الصراع مع إسرائيل المصرى الإسرائيلى وليس هناك صراع عربى إسرائيلى ولذلك تتوقع مصر وروسيا المؤامرات من الغرب والقاسم المشترك هو إسرائيل ولكن لا أنصح مصر بالانحياز لروسيا والتضحية بمصالحها مع الغرب فهذا صراع على مستوى تغيير النظام الدولى.
ورغم أن إسرائيل تشك فى أنها تحارب الروس فى أوكرانيا وانها أعلنت أنها قاعدة متقدمة للغرب فى خصر روسيا إلى أننا نشك فى أن روسيا سوف تتخذ موقفا عدائيا من إسرائيل على الأقل ظاهرياً.

كاتب ودبلوماسي مصري

نقلا عن رأي اليوم 

ثلاثاء, 26/08/2025 - 09:01