عن المقاومة والإرهاب!

 سعدون يخلف

إذا أردت أن تدرك الخط الفاصل بين المقاومة والإرهاب، فقارن بين سلوك المقاومة الفلسطينية، وسلوك دولة الكيان الصهيوني في العدوان على غزة. حيث تتجلى فيها الثنائيات المتضادة بشكل واضح من قبيل: الإنسانية والهمجية، الحب والكراهية، الطهر والدنس، الخير والشر، الحياة والموت، الحضارة والتوحش، والتمدن والبربرية، ولا تحاول أن تقف كثيراً عند ما يقوله محللو الغرب في تفسير سلوك المقاومة، على أنه إرهاب، في مقابل ذلك، تبرير سلوك الكيان، معتبرين إياه ردة فعل مبررة على الإرهابيين، فهذا التفسير، كما هو معلوم، تفسير عنصري متعال، ينظر إلى الآخر نظرة دونية أو كزائدة لا تستحق الحياة.
إن سلوك المقاومة الفلسطينية الإنساني هو وليد الثقافة الإسلامية، التي تقدّس حياة الإنسان، مهما كان جنسه، ولونه، ولغته، وعقيدته، فتحث المجاهد أو المقاوم أن يتخلق بأخلاق الإسلام في الحرب، وهي أخلاق تحترم الحياة وتقدسها، إذ تعامل الشيخ الكبير والنساء والأطفال معاملة حسنة وخاصة، بل أكثر من ذلك، فهي توجب عدم الاعتداء حتى على الشجر والحيوان، وليس كما يحاول بعض الصهاينة تفسير المعاملة الحسنة للأسرى الصهاينة من طرف مقاتلي كتائب القسام وسرايا القدس وغيرهم على أنه دليل ضعف وخوف من قوة دولتهم، وفي هذا محاولة لتبرير جرائمهم، وتسويغ بربريتهم.
ولعل من يقرأ وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه سيتوقف، بلا شك، عند قوانين الحرب في الإسلام، وهي، في الحقيقة، متسقة مع التعاليم الكلية للدين الإسلامي وأحكامه، إذ تفرض ممنوعات في الحرب، وترسم حدوداً في القتال، تجعل من عدم الوقوف عندها أو مخالفتها، بغض النظر عن الأسباب والظروف، التي أدت بالمقاتل إلى ذلك، حيث تضعه في خانة الاعتداء الموجب للإثم والعقاب، فالمقاتل المسلم ليس دوره أن يرد العدوان فحسب، وإن كان ذلك من الضرورات الموجبة له، بل يجب عليه أن يظهر أخلاق دين الإسلام الحقيقية، فهو، إلى جانب قتاله يحمل راية الدعوة إلى الدين، ونشر تعالميه، بإظهار سماحته ورحمته وعطفه، جاء في كلمات أبي بكر رضي الله عنه عشر وصايا مصوغة بشكل محدد بصيغة النواهي: «يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإن أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون».

منحت الحكومات الغرب الحرية لكي يعبث ليس بالجغرافية فقط، بل حتى بعالم الهوية والأفكار والقيم

ومن ثم، فإن الحرب في الإسلام ليست غايتها السيطرة على الآخر واستعباده، ولا الاستيلاء على أراضيه وثرواته، وإن رفض، سيكون مصيره الموت، بل هي ابتداء من أجل الرد على العدوان، بمعنى أن الحرب في الإسلام دفاع وليست هجوماً، بالإضافة إلى ذلك ستكون وسيلة هدفها إنقاذ البشر من حياة التيه والعمى والضلال بعرض تعاليم الدين الإسلامي وأحكامه على الناس، والخيار سيكون لهم من دون إكراه أو إجبار؛ «فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر» ولعل ما يؤكد هذا ما قرره المفكر محمد عمارة رحمه الله بالقول: «إن المؤمنين بدين الإسلام قد ظلوا أقلية عددية في الإمبراطورية العظمى التي فتحها المسلمون لعدة قرون» فضلا عن ذلك، بقاء البعض على ديانته الأصلية في العديد من المناطق مع أن الإسلام وصل إليها، وصارت الكلمة الأولى والأخيرة له.
لهذا ينبغي تحرير الجهاد مما علّق به من شبهات وأباطيل، وما تعرض له من تشويه وتحريف، من طرف مدرسة الاستشراق ومخابر الدول الغربية، ولعل الغاية من ذلك هي إضعاف الأمة، فهو الدرع الذي يحميها، والسياج الذي يحافظ عليها.
لقد عرف الغرب عن طريق منظومته الفكرية أنه لا يمكن اختراق هذه الأمة إلا بعد تشويه الجهاد، وتحريف مقاصده، وتزييف معانيه، لأنه يعرف قيمة الجهاد في الأمة، فهو الدرع الحامي لها، والسياج الذي يحافظ عليها، فجعله في البداية مرادفاً لمفهوم الإرهاب، وحتى يأتي هذه الأمر أكله، قام بصناعة تنظيمات إرهابية متطرفة، ثم نسبها إلى الإسلام، حاولت أن تكون إسلامية، من خلال لباسها، وزيها، ولغتها، وأفكارها المنتقاة بدقة، فتبدو للملاحظ أنها تمثل الإسلام حقيقة، ولكنه الإسلام الذي يريد الغرب إظهاره، باعتباره عنفاً وتطرفاً وقسوةً، الذي لا يعترف بالآخر، ولا يقبل التعايش معه، ويدعو إلى التصادم معه، بمعنى أكثر وضوحاً، هو الإسلام الذي تريده أمريكا، حتى تجعل من الحرب على الإسلام مبررة، ومن السيطرة على الأمة مقبولة.
في هذا السياق، رفعت هذه الجماعات والتنظيمات راية الجهاد في سبيل الله، وعبأت الأمة، كما أوحت به للمقهورين والمغلوبين، ضد الغرب عموماً، وأمريكا خاصة، العدو الأول للمسلمين، وقامت بغزوة ضدها في الداخل في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، مستهدفة رمزي القوة والمال، البنتاغون ومركز التجارة العالمي، ونفذت هجمات ضد مصالحها في العديد من الدول، كل هذا السيناريو تم باسم الجهاد الإسلامي، وعن طريق الجهاديين الإسلاميين، بطريقة هوليودية مفضوحة، وتقبلته الحكومات العربية والإسلامية بلا أي ردة فعل، ومن دون معارضة أو انتقاد، لأنه، في نهاية المطاف، يخدم مصالحها في حصار المعارضين لها من الإسلاميين، وتشتيت اي قوة مجتمعية تستهدف النضال ضد النظام العربي.
وبالتالي، فوصف الجهاد بالإرهاب كان لأجل تحقيق أهداف استراتيجية كبرى للغرب، انخرط فيها النظام العربي والإسلامي، بكل أسف، بوعي أو بلا وعي، لكي يلبي رغبات نفسية لهذا النظام أو ذاك من أجل إقصاء أي معارضة شعبية قادرة على المنافسة، بتهمة الإرهاب أو دعمه أو تمجيده، فأخذ الغرب، بالتالي، شرعية محلية، فضلا عن الشرعية العالمية، لاستهداف المنطقة، وتنفيذ استراتيجيته، وإنجاحها.
لقد نجح إلى حد بعيد في تنفيذ استراتيجيته ضد عالم الإسلام، واختراق جغرافيته، وتوجيه حروبه سواء الصلبة (بالسلاح) أو الناعمة (بالأفكار) كما يريد، من دون أي مقاومة إلا من بعض الجيوب هنا وهناك، فلقد منحت الحكومات الغرب الحرية لكي يعبث ليس بالجغرافية فقط، بل حتى بعالم الهوية والأفكار والقيم، ففتحت ورشات من أجل تغيير مناهج التربية والتعليم بداعي أنها ساهمت في إنتاج التطرف والإرهاب، فصار الجهاد مثلا من المحظورات، التي لا يجب أن تذكر أو أن يقترب منها، لهذا ينبغي تحرير الجهاد مما علق به من شبهات وأباطيل، وبيان مفهومه وأحكامه الحقيقية.

كاتب جزائري

نقلا عن القدس العربي 

ثلاثاء, 26/08/2025 - 07:45