حتى لا يحرج الدكتور نفسه

محمد محفوظ المختار -  كاتب صحفي

ليس جديدا أن يمارس معارض دوره في النقد السياسي، بل الجديد بالفعل أن لا يقوم المعارض بذلك، أو أن يقوم به عبر مسارات من التضليل الإعلامي والمغالطة، عبر رص الكلمات الناقمة المتتالية دون أن تتخللها معلومة مدققة، أو خلاصة مبنية على مقدمات منطقية.

يتعلق الأمر بشكل خاص بمستويات عالية من الثراء اللفظي الذي يظلل عوزا شديدا في المعطيات والأدلة والبراهين، تماما مثلما أعوزت قبل فترة الوثيقة المزعومة وقد اشتدت الحاجة إليها لإثبات تهمة أو تأكيد دعوى لا سند لها.

ضمن هذه المسارات تعود حليمة الدكتور أحمد ولد هارون إلى عادة قديمة في عناوين ضخمة ومحتوى ليس بذاك.

يبدأ الأستاذ هارون في حديث مطلق عن مسارات الأمم وتقييمها لأدائها، وبسوداوية عجيبة لا يجد أي شيء يستحق الذكر، ربما لأنه بالفعل لا يريد أن يذكر خيرا للبلاد، ولأن تسويد الصورة، يمنحه فرصة لتقديم نفسه دائما باعتباره المنقذ والرجل الذي يمكن أن يتحقق حوله الإجماع، وهو ما لم تظهر له أية بادرة في الماضي ولا تلوح في الأفق القريب، ففي مختلف التجارب السياسية من مناضل في حزب الصواب، إلى ليبرالي بمحرك جهوي محلي إلى سلفي ذي نزعة تكفيرية، ثم إلى محلل سياسي ومرشح – مع وقف التنفيذ- كان الفراغ والعدم الإطار الفكري والسياسي الذي يرى من خلاله الدكتور العالم، ولذلك لا جديد أيضا في مقدماته ونتائجه لأنه تعود أن لا يرى أي جديد.

وفي فقرة أخرى يعود الدكتور لتفصيل ما أجمل أو نشر ما لف في بداية مقاله، لينظر من شرفة الغرور التحليلي إلى الحياة السياسية في البلاد، ليختار باجتزاء عناوين صغيرة وهامشية ضمن مسارات التنمية والبناء الوطني الذي شرع فيه فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى الحكم.

ينكت الدكتور على التهدئة السياسية التي كانت وستظل مطلبا سياسيا للجميع، ومن الغريب أن يتحرك عقل فكري ضد التهدئة، أو يكون الصراع والحدية دليلا على سلامة المشهد السياسي وأن يكون استلال فتائل الأزمات السياسية نقطة ضعف.

إن التهدئة بالفعل هي مكسب سياسي، وقد مكنت القوى السياسية من إعادة ترتيب أوراقها، لكنها نزعت من أيدي بعض العشوائيين الذين تسللوا إلى الحقل السياسي عبر منافذ التخوين والتضليل فتيلا كانوا يشعلون به حرائق التفرقة، ليجدوا أنفسهم أمام تآكل متواصل في قدراتهم التي لا يمكن أن تعمل في سياق الأزمة ولا يمكن أن تبنى إلا على الحدية والسجال.

وإن حياة سياسية لم تنم ولم تزدهر ولم يقو أساسها في ربيع التهدئة والعافية وسجال المشاريع، ربما يكون الأمر صعبا على ما لا يمكن أن يتحدث في غير الصخب، ولا يمكن أن ينسجم مع غير الأزمات.

وفي تناغم مع الروح السوداوية يحاول ولد هارون تحميل النظام الحالي مسؤولية كل الأنظمة المتعاقبة – وهي أنظمة فات الدكتور شرف مقارعتها ومواجهتها-أيام كان للمعارضة ثمن صعب الأداء-دون أن يجد بمنطقه التحليلي الشاعري أي فرصة لإنصاف النظام.

يتناسى الدكتور ما تحقق للبلاد من أمن واستقرار وعافية، وما حققته من علاقات دولية، ليس من أقلها رئاسة الاتحاد الإفريقي التي لا يجد غضاضة في النظر إليها بعين السخرية والضآلة، ليكون المكسب من جديد منقصة في تحليل الدكتور الذي لم يوفق بالفعل لاختيار أمثلته.

مجددا يتناسى الدكتور المشاريع الكبيرة التي حققتها البلاد خلال سنوات قليلة في التنمية المحلية، وفي شق الطرق، وفي تخفيف المديونية وفي معالجتها، وفي محاربة الفساد واستعادة عشرات المليارات من الأموال التي نهبها النظام السابق، والذي تعايش معه الدكتور بصمت مطبق وهدوء لم يقطعه غير بعد جهوي وأسري ضيق يتعلق بجزئية من سجال العقيم حول تدبير العلاقة مع المستعمر الفرنسي قديما.

ودون أن يجد الرجل أي غضاضة في بناء جدران الكلمات المتراصة، يتناسى ما حققته البلاد من تآزر وطني، مكن قرابة ثلث سكان البلاد من الحصول على تأمين صحي، وأضاف بسمة حقيقية على وجوه مئات الآلاف من المغبونين الذين لم يذكرهم ذاكر قبل نظام ولد الشيخ الغزواني.

إن روح النقد الحادة التي يتلبس بها الدكتور تأتي متأخرة جدا، فالنضج العمري يفترض في الرجل استعادة الأدوات التي مكنته من صمت مطبق تجاه استغلال العدالة طيلة العشرية المنصرمة ضد السياسيين ورجال الأعمال، واستغلال كل مقومات القوة للضغط والإهانة وتشريد رموز وشخصيات وطنية كبيرة ومهمة، بسبب مواقفها السياسية المخالفة لرأي النظام.

ولا شك أن من وجد في واجب التحفظ أو روح التفهم ما يمكنه من المرور تحت الحمل ( يوخظ راصو من تحت التوظيت) طيلة الفترة المنصرمة، يمكنه الآن أن يجد صدقا لا تفهما وحقيقة لا مداراة كثيرا وكثيرا مما يحسب للنظام من نقاط القوة في علاقته مع السياسيين، ومع العالم، وفي سيره المضطرد نحم التنمية.

يتحدث الدكتور عن الانتخابات الرئاسية بمزيد من التشنج والحسرة على مخرجاتها، ليرى في ترشيحاتها أنها مزقت الوحدة الوطنية، ويتعامى بالفعل كما هو حاله خلال العشرية المنصرمة عن الأزمة ذاتها، عن الصورة نفسها التي غرسها النظام السابق وراهن عليها، وجعلها ركنا أساسيا من أركان إدارته لملف الوحدة الوطنية.

لكن ما يتجاهله الدكتور هو الفرق بين إدارتين، فلا النظام الحالي يقفز على الواقع ولا يتجاهل الحقائق الماثلة، ولا يمارس (الطلي على الزغب) في تجاهل شروخ الوحدة الوطنية، لكن ميزته الأساسية أنه لا يعتبر تلك الشروخ ورقة انتخابية ولا رهانا سياسيا، بل كان رهانه الفعلي على تضميد تلك الجراح، وقد كانت نتائج الرئاسيات في مناطق الجدل العرقي، أكثر وضوحا في أن سياساته التنموية ومساراته الوحدوية قد أثمرت بالفعل.

ولكن دعونا نسأل الدكتور عن الغيرة الجديدة على الوحدة الوطنية، وعن المنظار الجديد الذي يرى من خلاله تسييس الشرائحية، ما لذي جد بالفعل حتى يتحول من منظر لدولة البيظان في مطولته التي كتب قبل سنوات قليلة، متباكيا على الدولة التي ينبغي أن تكتسي.

ما يظهر بجلاء في مقال الدكتور أحمد ولد هارون ليس إحراج النخبة، بل إحراج الدكتور لذاته ولقلمه، الذي يفتقد وحدة موضوعية، ويفتقد بالفعل نسقا فكريا يمكنه من توحيد أدواته التحليلية، أو بالأحرى عدم التعارض بين القبعات المواقفية التي يظهر بها بين الحين والآخر ..لأنه في الحقيقة لا يحرج غير نفسه.

 

اثنين, 06/01/2025 - 20:42