عرف الفارابي المدينة الفاضلة قائلا ( وأما المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على تحصيل الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة )
فتحقيق السعادة سواء كانت فردية أو جماعية هي الغاية الأسمى لكل دولة فاضلة
وللوصول إلى تلك الغاية ينبغي أن يشغل كل شخص الموقع الذي يناسبه طبعا و إرادة ، ولذلك شبه الفارابي المدينة الفاضلة ببدن صحيح تام الأعضاء يقوم فيه كل عضو بوظيفته على أكمل وجه خدمة للجسد ككل مما يؤدي إلى التكامل والإنسجام وبالتالي إلى سعادة " الكل"
وإذا كان مطلب التخصص أمر ضروري في كل فرد من أفراد المجتمع الفاضل فهو أكثر إلحاحا وضرورة في الحكومة التي تسير المجتمع وتدبر شؤونه .
لقد لاحظت في كل تغيير حكومي تبادل المواقع بين الوزراء بحيث يصبح وزير التعليم وزيرا للصيد ووزيرة المرأة والشؤون الإجتماعية وزيرة للتعليم وهلم جرا
ولو سألنا الفارابي عن رأيه لقال " هذا لا يمكن أن يقع إلا في المدن المضادة للمدينة الفاضلة " ومثال ذلك على مستوى الجسد أن تحاول الأذن أن تحل محل العين واليد محل القدم بحيث تتبادل الأعضاء مواقعها وبذلك تتوقف عن أداء وظائفها
قد يقول قائل إن منصب الوزير منصب سياسي وليس تقنيا فأقول وذلك ما يجعل الوزراء خاضعين لتوجيه مجموعات الضغط والفساد في كل وزارة فيصبحون تابعين لا متبوعين ومأمورين لا ٱمرين
وقد يقول ٱخر إن الحكومات والوزراء لا دور لهم في ظل دولة مثل دولتنا ، الكلمة الأولى والأخيرة فيها للرئيس.
فأقول إن الفارابي يعتبر موقع الرئيس في المدينة موقعا محوريا مشبها مكانته في المدينة الفاضلة بمكانة القلب في الجسم ، لأنه مصدر الحياة والقوة فيها مشترطا فيه مواصفات لا يمكن أن تتوفر إلا في الواحد بعد الواحد ، ولكنه رغم أهميته لا يمكن أن يقوم بأدوار الٱخرين وإلا لماكنا بحاجة إليهم
وأي تغيير في مواصفات المدينة الفاضلة خصوصا من حيث الغاية التي تسعى إليها يجعلها تتحول إلى إحدى مضاداتها فتصبح مدينة جاهلة وهي التي لا يعرف أهلها السعادة ولا يسعون إليها ، أو مدينة فاسقة وهي التي تتفق في الٱراء مع المدينة الفاضلة أما في الأفعال فتسلك سلوك المدينة الجاهلة
أو مدينة مبدلة وهي التي كانت في السابق فاضلة ثم بدلت خطتها فأصبحت جاهلة
أو مدينة ضالة وهي التي يعتقد رئيسها بأنه يوحى إليه فيخادع الناس ويغرهم بأقواله وأفعاله
فهل حكومتنا حكومة فاضلة تقود دولة فاضلة أم أنه ينبغي تصنيفها في إطار مضادات المدينة الفاضلة ؟
.....................................
نقلا عن صفحة الكاتب









