تتعرض فرنسا في الآونة الأخيرة لموجة رفض في افريقيا وتحديدا في منطقة الساحل رغم أنها تبرر وجودها هناك بأهداف حفظ الاستقرار ومكافحة الجماعات الارهابية، وما إلى ذلك من شعارات لم تعد مقبولة في الشارع الأفريقي، الذي اصبحت مكوناته المثقفة من الجيل الجديد مدركة تمام الادراك لخلفيات التواجد الفرنسي،
كما أن الاجيال الجديدة في إفريقيا لم تعد قابلة للانتهزاية وللتسلط الذي كان سببا في تخلف بلدان افريقية غنية بالثروات الباطنية وبالمعادن النفيسة، التي ورغم وفرتها إلا أن اقتصاديات هذه المجتمعات تراجعت، لتعم البطالة فيها رغم ما يميزها من افضليات واسبقيات النهوض والتطور،
والجانب الباعث للأمل في إفريقيا يكمن في كثرة شبابها المتمكن من فهم تحدياته، وبوعي عميق في استيعاب أهمية تحقيق سيادة كاملة وضرورية سبق وان غيبتها التدخلات الموجهة نحو فرض التفرقة داخل نفس المجتمعات الافريقية لابقاء حال التخلف كضامن أساسي لاستمرار المصالح الفرنسية،
وأكثر من ذلك وباعتبار التمييز العنصري الذي يتعرض له الأفارقة في فرنسا بخطابات ساستها في مناسباتها ومحطاتها الانتخابية، بكيفية أعطت دليلا قويا ساهم في ترسيخ قناعة مطلقة للشباب الأفريقي بأن خيرات بلدانهم يجب أن تتحرر من الانتهازية والاستغلال الفرنسي، الذي مازال مهيمنا ويريد المزيد من الوجود بمداخل الحفاظ على الاستقرار والأمن، فهل حافظت فرنسا على حق الأفارقة المندمجين في مجتمعها ؟ وهل مكنت لهم سبل المساواة بعيدا عن شعارات فضحتها الخطابات العنصرية؟
ومن المؤسف القول بأن الخطاب السياسي الفرنسي ومعه خطه الاعلامي، ومن يدعمه من النخب الافريقية المستقرة في باريس والمتأنقة في المنابر وعلى الشاشات، لم ينصفوا جميعا المواقف الرافضة لمخططات استهداف الثروات وتقسيم المجتمعات الافريقية على غرار المحاولات التي تتعرض لها مالي، فهل فرنسا تهمها مالي أم الثروات الكبيرة التي ستخسرها جراء التوجهات الجديدة لقادة مالي؟ وكيف ستتعامل فرنسا مع مسلسل الهزات الدبلوماسية التي تتعرض لها بتتابع مستمر؟
ولتقييم الوضع الدبلوماسي الحالي لفرنسا يمكن الاستناد لجملة من الوقائع المعروفة والمعلنة، حيث أن فرنسا في محيطها وحتى مع حلفائها أصبحت تعاني وغير منسجمة مع التطلعات المعاشة في أوروبا، ومن بين الهزات الدبلوماسية الفرنسية ما وقع لها مع بريطانيا العظمى التي حافظت على ثبات معاملاتها واستقرار اتجاهاتها التقليدية والحديثة،
عكس فرنسا التي فقدت حظوظها الاقتصادية بوقع الغاء صفقات اقتصادية هي في أمس الحاجة لها، ولتقع أيضا في مشاكل التصريحات غير المبررة تجاه الجزائر والتي بدورها ردت بكيفية قوية جعلت من العلاقات الثنائية على المحك، رغم المحاولات الفرنسية المتكررة لانهاء ازمة دبلوماسية تسببت في سحب السفير الجزائري من باريس والذي عاد مؤخرا، ليحدث كل ذلك عقب سقطات فرنسية رفضتها الجزائر رسميا وشعبيا،
ولتتعرض في الساعات الماضية فرنسا لهزة أخرى كانت بتوقيعٍ مالي، حيث أصبح سفيرها في باماكو غير مرحب به لتمهله السلطات المالية 72 ساعة لمغادرة مالي، ليكون هذا التتابع والتوالي في الهزات الدبلوماسية لفرنسا ظاهرة معبرة عن حال السياسة الخارجية الفرنسية التي لم تعد في أحسن احوالها خاصة بفقدانها لمواقع النفوذ الأفريقي، ولبروز توجهات افريقية جديدة تريد سيادة محترمة ومعاملات متكافئة وصفقات عادلة،
وفي هذا السياق هل ستكون القمة الاوروبية الافريقية التي ستعقد في بروكسل فرصة لاعادة تصويب الوضعية الفرنسية في إفريقيا؟ وهل هي مهمة بالنسبة للقادة الأفارقة الذين عبروا صراحة عن تحفظاتهم الجوهرية تجاه العقلية الانتهازية التي كانت سائدة في المعاملات الفرنسية؟ وهل ستكون الاهتمامات منصبة حول المصالح الاوروبية من مشاكل الهجرة غير شرعية وتحديات التطرف والجماعات الارهابية؟ أم ان هذه القمة ستهتم بتطلعات الشعوب الافريقية الرافضة للتدخلات السلبية وما تحمله من مخاطر امنية؟ هذا بالإضافة لحق الشعوب الأفريقية في حياة أفضل بثرواتها الكثيرة والمتنوعة، وهذا لن يتحقق دون انهاء الاستغلال الانتهازي المباشر وغير المباشر من القوى الاستدمارية؟…
نقلا عن رأي اليوم










