صديقي.. أكتب إليك الآن وأمامي درس من الأبستمولوجيا وبالتحديد ما قام به غاستون باشلار في هذا المجال؛ منذ ثلاث سنوات تقريبا دخلت في علاقة حب مع الفلسفة ربما تنافس حبي لسعاد (ابتسامة) ولكن أحذرك يا وغد أن تخبرها بهذا السر الخطير.
لا جديد في نواكشوط يمكنني أن أتحفك به.. فقط تلك الفتاة الخلاسية التي حدثتك عنها ما زلت أمارس معها نفس اللعبة؛ فكأنها تتسلى بي أو تعتبرني منفضة لسجائر الوقت مثلما أفعل أنا؛ وربما لها هي أيضا حبها الكبير، ولكن ما شأني بحبها أوحقدها؟ دعنا منها الآن.
لا تنس أنت وسعاد أن تركزا على المواد الأساسية ولكن لا تنسيا أيضا المواد الثانوية. لنا مراقب زنجي ظريف؛ مرة دعاني إلى مكتبه حين رأى إهمالي للمواد الثانوية فطرح علي سؤالا: من أين أنت وهل سبق أن شاهدت كيف يتم إيقاد النار؟
أجبته أني من أدَباي؛ ولطالما تسامرت مع أصدقائي على جذوات نجمع حطبها في النهار لتضيئنا في الليل.
قال لي: إذن أتعْلم كيف يتم إيقاد النار؟
قلت: نعم؛ إما بعود ثقاب أو بقداحة.
قال: ولكن إذا حاولت إيقاد جذع شجرة كبير بقداحة أو بعود ثقاب مباشرة هل سيتقد؟
فكرتُ.. سيكون ذلك صعبا. أجبتُه.
- ألن تحتاج إلى القش والأعواد الصغيرة والتي تتقد أولا؛ ثم هي بدورها توقد الأعواد الأكبر؛ وهكذا دواليك حتى يتقد جذع الشجرة كله؟
- بلى.. هززتُ رأسي.
إذًا هذا مثله مثَل المواد الأساسية والمواد الثانوية؛ فلا بد من المواد الثانوية التي تمثل القش والأعواد الصغيرة لتتقد الجذور الكبيرة التي هي المواد الأساسية. قال ملخصا كلامه.
أسرد عليك هذه القصة لأقدم لك الدرس الذي قدمه لي ذلك المراقب الودود.
أشتاقكما أنت وسعاد وأتمنى أن ننجح ثلاثتنا لنلتقي على أبواب الجامعة هنا في نواكشوط.
منذ أيام قليلة مررت على مكان يسمونه "مَرْصة لًحْمومْ" أو سوق الفحم، وكنت وجها لوجه مع تلك الأهرامات الضخمة من فحم أشجارنا المسكينة، تلك الأشجار التي اغتربت رغم إرادتها أو على الأصح اغتربت رفاتها؛ والتي حملها هؤلاء الحجريون وعبروا بها وديانا وكثبانا على طول مسافة سبعمائة كلمتر ليعرضوها هنا وقودا ما زال يتشظى لوعة وغضبا وعجزا. رأيت بأم عيني كيف يتشظى الفحم في الفرن ويتطاير الشرر منه ليحرق ملحفة امرأة أو دراعة رجل؛ وفهمت أنا القادم من هناك وأفهم لغة الأشجار والطبيعة أن ذلك الفحم كان يعبر عن غضبه وحنقه؛ مثلما كان يفعل الأطفال الذين يُختطفون ثم يُحملون إلى أمكنة بعيدة أيام ازدهار النخاسة في هذا المنكب البرزخي المظلم.
نظرت بحزن إلى أهرامات الفحم وتمتمت وكأنه يسمعني: ليس هناك قدَرٌ أكثر حزنا من أن تكون شجرة موريتانية!
صديقي أنتظر حروفك التي تسعدني كثيرا..
أشواقي.











