الشعب يريد …شعار اختصر رغبة جيل كامل نادى به من كان يجهل حتى لهذه اللحظه واعتقد يوماً انه يمتلك رفاهية الاختيار …..! ربيعاً عربياً سمي آنذاك لثورة كانت جميلة في بدايتها، مؤلمة في نهايتها، فوفق المنطق كان منشغلاً حينها وتحت صدمة أيصدق او لا يصدق بقدرته على نيل الحريه والتغيير، وكيف لا واجنحته كانت لوقت طويل مطويه، فبعود ثقاب أشعل شرارتها شاب تونسي في جسده علا صوته على ما رآه وضد ما رآه تهميشاً، ليلهب نار احتجاجات في كامل البلاد لتشتعل خلفها دولاً عربية سقطت كزجاج فوق بعض تكسّر في فخ الحروب الاهليه والطائفيه، مخلفة ورائها حزن على تغيير لم يتحقق ومشاريع تغيير لم تكتمل وآمال لطالما كانت كبيره لاحلام لم تراوح مكانها بعدما اجتمعت فيها وعليها الامم، ليطرح سؤالاً فرض نفسه وبقوه عمّن سرق من الشعوب حلمها وربيعها،،، أهي الدولة العميقه التي تستوطن الشعوب قهراً واجباراً.. أم الثورات المضادة.. ام هي الظروف الامنيه والتدخلات الخارجيه.. ام تلك التي تقاطعت فيها المواقف والمصالح الشخصيه للرؤوس السوداء التي خلطت الاوراق.. ام هو سوء التقدير و العبثيه …!؟
لتحل ذكراها العاشره اقل ما يقال فيها ان الشعب من رغيف الخبز واسطوانة الغاز الى حكومة مستقرة قويه لم يحصل على ما يريد بعدما خسر في كسب معركة أعادته الى المربع الاول وادخلته في ازمات غير مسبوقه، واجه فيها أسوأ الطغاة، مما ابقى على مطالبه معلقة مع انحسار الاستجابه لها، فبدت كشئ مغيّب لا يباشره النظر، فتراجعت اولوياته و بات مطلبه الاشد الحاحاً في ظل محارق وسطوة الانظمه والهجمات الارهابيه ان ينعم بالاستقرار كسابق عهده اقلها في بلد ينعم بالامن والامان..!
فقد ادرك متاخراً بارتكابه خطئاً قاتلاً عندما تجرأ وطالب بالعدالة الاجتماعيه وبتغيير النظام الذي هو بدعة محرّمة في الدول العربية، فلعل الديمقراطية تناسب أمماً ولا تلائم اخرى..!
ثورات بعثت على الارتياب لا الارتياح بعدما أسرت قلوب وعقول الجماهير، فحملت معها أجواء كان الخوف فيها اكثر من الطمأنينه، تبعها اصلاحات مخيّبة للآمال في احسن الاحوال، وردود فعل قمعية مما عمّق التدخلات الخارجيه وساءت الاحوال الاقتصادية والاجتماعية، فجرت رياح التغيير بما لا تشتهيه احلام الشعوب التي أُريد لها ان تكون رعيّة بلا قضيّة.. وتشطب من قاموسها كلمة حريه وان لا تنتقد اجهزة القمع وتحشر أنفها في المسائل القومية، فمن جهه أسقطت أنظمة بدا وكأن الخلاص منها كان مستحيلاً.. ومن جهه ثبتت أخرى لتصتدم بذات النموذج الذي انتفضت لتغييره، لطالما كانت محسوبة على المنظومه القديمه التي ركبت المشهد السياسي على أنقاض وتضحيات الناس، فنجحت في اصطياد عناصر الضعف فيهم والنفاذ منهم واليهم، ملقيه بكامل ثقلها على كل انجازاتهم في محاولة منها لتعليب الثوره وتسليعها بمشاريع تنمويه واقتصاديه في مجملها، تقع تحت بند الاوهام والمسكنات، فكانت اليد الخفيه التي تربّصت بهم فأشعلت الصراعات وأطالت أمدها بنفخها على نار الجمرات الحزبية والطائفية والعنصرية وما اكثرها …!
وهذا ما لمسناه فعلياً في الثورة المصرية كمثال حيٌّ يُرزق، فبعد نجاح ثورة يناير، تم الانقلاب على التجربه الديمقراطية التي قادها الاخوان المسلمون ووقوعها في براثن حكم العسكر بثورة مضاده، لتنتقل في ظل الدوله البوليسيه من ام الدنيا الى دوله فاشله بامتياز..! بعدما بدا الفساد شعاراً وعنواناً بارزاً في شعارات المصريين الذين عانوا وما يزالون من غياب الحريّات وتردي الاوضاع المعيشية، لتصبح مصرعلى اعتاب اخطر ازمة سياسيه وحقوقيه ومعيشيه على ما يزيد عن تسع سنوات ،وعلى قاعدة هذا المنظار وفي خفايا الساسة والسياسيين سارت العديد من الحكومات ضاربة العمود الفقري والاخلاقي للثورات بتحويلها الى صوره نمطيه تتعلق بالعنف والارهاب.
فعلى مبدأ ” المستقبل تصنعه العقول ” سعت الأنظمه الحاكمه لقتل فكرة التحرر والحريه في كل امة ناهضة، لتؤسس مكانها مكوِّن عقلي جديد، ينطلق بالتوازي مع جهود نخب تناصر الزعيم بمحاربة كل من يقاوم الاستبداد والمستبدين شاحنه الرأي العام العالمي ضدها لتصبح الثورات بقدرة قادرهي السبب الذي يشار إليه بالبنان لأي فشل اقتصادي او تسميم المناخ السياسي في البلاد لتدخل تبعاً لذلك في صراعات مع الاحزاب التحرريه تتسيدها لغة المصالح وليس الوطن والقضية.
فللوهلة الاولى لربما خانته ظنونه بعدما اعتقد انه قد نجح في تغييرأمر واقع..! فلربما سهواً أو غاب عن ظنه ان الاقتلاع يكون من الجذور وبالأساسات، وكيف لا وتلك الانظمه مصممَه أصلاً لمواجهة الفعل بردات الأفعال ولمقاومة الهزات الاجتماعيه والحماسيه، وما اشد قسوة من الواقع السيّء إلا العجز عن تغييره ….! لتعيد صياغة النظام السياسي في البلاد واضعة الشعوب بين خيارين لا ثالث لهما بعدما استنزفت مخزونهم الثوري والحماسي، فإما القمع والاستبداد وإما الفوضى والخراب وفي اول الامر ومنتهاه ليس لك الحق في الاختيار بعدما شكل العنف والاجرام الذي مورس بحق الشعب السوري جداراً منيعاً بين الشعوب وباقي الثورات ولكن لعله جداراً من ورق، في ظل المؤشرات التي تشير الى احتمالية عودتها بزخم أقوى وبخطوات لا رجعة فيها وليس كما كان من ذي قبل، فقد اريد للحالة السورية ان تكون حاضرة في اذهان باقي الشعوب العربية، ماثله امام عينيه كمعياراً ومثالاً يحتذى بها، بل وكابوساً.. لتبقي على فكرة الزعيم الأبدي والأوحد حاضرة في الصوره.
فقد لا يكون منصفاً او حتى منطقياً الحكم بفشل الشعوب على تحقيق الديمقراطية بفعل العوامل الداخليه فحسب، فهناك حتماً أيادي خارجيه تتصيد الفرص تدعم الديمقراطيه والاستبداد في آن واحد، هدفها بقي ويبقى تمزيق الدول العربيه وتفكيكها حمايه لأمن اسرائيل و ليس لنجدتها، فلطالما وقفت موقف المتفرج على سفك الدماء والمجازر، ولولا الحياء لصفّقت لها بالعلن لتتركها غارقة في مستنقع الدماء الغير محدود تعاني من صعوبة النجاة والصمود، تستبعد الخروج منه على الامد المنظور، ليصبح ميثاق الغرب السياسي والاخلاقي مكشوفاً في العراء، بعدما تسترت تحت بند ضبط النفس حيالها.
فها نحن على أعتاب عام جديد ليس ثمة ما يستحق الاحتفال به هنا والعالم يودع فيه عاماً من الحزن على ما يزيد عن مليون ونصف المليون من الاحبه بفعل جائحة لم تكن رحيم’، عام ازدهرت فيه النعوش والتوابيت ومحارق الجثث وحكم على ملايين الوظائف بالاعدام نتيجة لقرارات الاغلاق التي شملت كل مناحي الحياة لتدفع الشعوب العربيه الفاتورة مرتين بوقوعها بين ثنايا واقعين استبدادي ووبائي، تتأرجح على وقع ازمات اقتصاديه ومؤشرات متدنيه للعدالة الاجتماعية وجبهات حروب ساخنة، وواقع سياسي انعكس سلباً على واقع بات مزري بشكل غيرمسبوق، أرّقت الشعوب والحكومات على حد سواء، فعلى قاعدة ” المصيبه تجمع” أدركت الشعوب انه لا مجال للتعويل على احد سوى همّتها للخروج من تلك الأزمات والقفز عن استبداد عمره سنوات وقتل بدا عادة يومية ومسائل شخصيّة، وقد تراخى الجميع وأحجموا عن اتخاذ موقف حاسم حيال سقوطها في براثن قمع الانظمه ووحشيتهم تحت سمع وبصر وبرعاية دوليه، فلعلها تلوح في الأفق بوادر أو بصيص أمل لشرق اوسط جديد تهندسه الشعوب العربيه وليس وزيرة خارجية، ليبقى شعار الشعب يريد شعلة نار ابد الدهر لا ولن تنطفئ.










