ساعة المؤذن ابيليل (قصة قصيرة)

Cheikh Nouh

تململ مولاي إدريس في فراشه، فأحس بتلك الكتلة اللحمية الدافئة التي تجاسده. استدار في الجهة الأخرى ليفك التصاق الجسدين و"يترك للريح فرصة للرقص بينهما*".
حاول أن يغمض عينيه من جديد ويغرق في بحيرة النوم اللذيذة، لكن ألما خفيفا مزعجا كان يدق إبره برفق في رأسه، ويجعل أوردة وجهه أكثر بروزا. جلس وأمسك برأسه كأنه يريد أن يخلعه، ثم فتح النافذة الصغيرة الوحيدة في البيت، وسرح في الأفق ليتبين وجه الفجر المطل من بعيد. هنا عرف أن ما أيقظه كان صوت المؤذن ابيليل. لقد كان يراوده شك في ذلك لكنه تأكد الآن!
قام إلى مغرجه، وباشر وضوءه وهو يقرأ بعض أدعيته الصباحية شاعرا بالامتنان لله على أن أحياه بعد أن أماته، إلا أنه استغرب من إلحاح ذكرى بعيدة فجرتها حركته حينما صب الماء من منقار المغرج في يده للاستنشاق. ذكرى ترتبط بزمن سحيق؛ عندما كان أبوه الشيخ إبراهيم يوقظه فجرا برشه بالماء البارد، ناهرا إياه بصوته الصارم: "مولاي إدريس.. مولاي إدريس.. قوم صلّ.. الوقت فات.. اطوالت قوووووم!".
يا للزمن..! هل مر على ذلك أكثر من خمسة عقود؟.. وهل مرت ثلاث عقود على عظام الوالد تحت الثرى؟.. ومنذ متى لم يزر قبره؟.. أخذ يعد السنوات في أصابعه. نعم .. خمسة عشر عاما منذ آخر زيارة له لقبر والده.
"يجب أن تزوره اليوم، فاليوم جمعة.. نعم يجب أن تزور مقبرة الرياض!" قال له صوت في منطقة ما من رأسه.
تأمل الساعة الإلكترونية الرخيصة في يده، وعندما استبطأ الإقامة التي تعوّد ابيليل أن يرفع بها صوته الطبيعي، متدفقا في أزقة هذا الحي العشوائي كماء من رافد نهري مشاع، اتخذ قراره بأن يخطو خطوات تقربه من المسجد الموجود على بُعد خمسين مترا من بيته.
انخرط في دعائه الفجري المعتاد طلبا للذرية، فرغم أن اميلمنين التي تركها نائمة في البيت تمثل تجربته السادسة في الزواج، إلا أنه لم ينجب أطفالا بعد. كان في كل سنتين أو ثلاثة سنوات يطلق زوجته على اعتبار أن المعضلة منها، أو "ربما لم يشأ الله بعد أن يرزقك بالولد، ولعل في ذلك خير لك. فالخير فيما اختاره الله"، قال له ابيليل المؤذن ذات فجر وحدهما في المسجد. كان ذلك عندما شكا له ابيليل من الصعوبات المالية التي يواجهها وهو يحسب اثنا عشر من الأطفال أولادا وبناتٍ أنجبهم من أربع نساء تزوجهن على فترات مختلفة، واشتكى له مولاي إدريس بالمقابل مما يعانيه بسبب نظرة الناس له وجراء الوصم الاجتماعي بوصفه "ليس رجلا".
وهو يبطئ في خطواته إلى المسجد انتظارا لصوت ابيليل المؤذن، استبطأ أذانه فتوجه مباشرة إلى المسجد، الذي كان المصلون فيه يركعون في ركعتهم الأخيرة، فتدافع وأسرع في إحرامه كي يدركهم قبل أن يرفعوا من الركوع!.
ورغم إدراكه للركعة إلا أن ما كان يشغل تفكيره جالسا للسلام، هو سبب عدم سماعه للإقامة رغم تركيز انتباهه لسماعها. منذ عشرين عاما وصوت ابيليل يخترق البيوت والأكواخ منذ كان الحي أشهر كبة في نواكشوط "كبة مندز" حتى اليوم، فما الذي أخره يوم الجمعة يا ترى؟.. لكنه لم يتأخر، ألم يسمع أذانه هذا الفجر؟!
ما غاب عن علم مولاي إدريس أن ما أيقظه هذا الفجر لم يكن صوت ابيليل المؤذن، وإنما هو صوت ساعته البيولوجية؛ وهي الساعة نفسها التي لا يملك ابيليل غيرها، فالساعة الوحيدة التي حصل عليها ابيليل غير تلك هي هذه الساعة التي أصبح فيها الآن جسدا ملفوفا في كفنه الأبيض. 
"إذن ستزور المقبرة لوداع ابيليل وزيارة أبيك، في يوم الجمعة هذا. كم هي الحياة غريبة وتنتهي في كل مرة نهاية مفجعة!"
.
.
الاقتباس لجبران خليل جبران.

أربعاء, 16/12/2020 - 13:02