يقول الكاتب بوشتي بوي إن مصطلح الزبونية أو الزبانية "clientélisme" مشتق من كلمة لاتينية "cluere" و التي تعني السمع و الطاعة، ففي روما القديمة كان "النبيل" هم الشخص الذي لديه محاميا "زبونا" ينوب عنه في المحكمة وفي الكلام، ويتولى عنه شهادة الزور وقول ما لا ينبغي وما لا تليق بمقامه الرفيع. وكانت العلاقة بين "النبلاء" والزبائن علاقة تبعية عمياء مرتبطة بقوانين أخلاقية مقدسة أو سلوكية؛ علاقة تلزم الزبائن، سواء كانوا أحرارا أو عبيدا، بخدمة الشيوخ وتقديم الدعم السياسي لهم مقابل توفير الحماية والوظائف..هذه الزبانية التقليدية لا زالت موجودة في حتى الآن في أوروبا.
ولكن هذه العلاقة تطورت في مجتمعاتنا نحن، وتحولت إلى علاقة معقدة. في الظاهر، تحسبها اختيارية ومبنية على المصالح، ولكنها في العمق علاقة إجبارية تقريبًا! علاقة يستخدم فيها "السياسي" ذو المكانة العالية، رئيسًا كان أو وزيرًا أو ذا مال تأثيره و موارده ليزيد من سلطته ونفوذه الشخصي على حساب الشخص ذو المكانة "الدونية" (الزبون) من خلال قيام هذا الأخير بكل ما يأمر به المسؤول من نزوات و شطحات وغزوات و سيئات مرورا بما يروق له من ترويج وتصفيق ومدح و تلميع وتبرير وتقديس وشرح خطاب تاريخي وإكرام موالين وذم مناوئين، إلخ.. لقد اعتدنا هذه العلاقة بين "السياسيين" وزبائنهم منذ عقود.
ولكن شيئًا ما طرأ في الفترة الأخيرة! لم نعد نرى طوابير الزبائن وراء كبار المسؤولين، ولم نعد نرى تلك "الهبات" و"الإكراميات" التي كانت توزع "لأجل أن يقال" أو "خوفا من أن يقال"...أو تناقصت على الأقل. و بدأ يظهر للناس أن الفعل السياسي لم يعد يحتاج إلى "الزبائن" (clients) و ما يؤدونه من أدوار ومهام لا قيمة لها، خاصة بعد أن شاهد الجميع ما آلت إليه مواقف دعاة المأمورية ال3 و ال4 وال5، والتي لم تختلف كثيرا عن مواقف السلف..ولكن هذا التراجع في الزبانية أدى إلى نوع من "الفراغ" و "قلة ما باليد" نتيجة غياب المسؤول السياسي الذي كان ينصب نفسه "وسيطا" بين السلطة والشعب و يعيد توزيع المنافع والمكاسب على حاشيته وأنصاره مقابل دعمه.
في الواقع الجديد، بدأ التعامل مع وكلاء الدولة على قدر مؤهلاتهم بغض النظر عن "التجميل في الصالونات"، فأصبح "الزبائن" في حيرة من أمرهم.. لا دور لهم ولا عمل وازدادت بهم صفوف العاطلين، ولكنهم هنا! فتحولوا إلى ما يسمى غالبًا "ذباب ألكتروني"، ولكني شخصيًا أرى أنهم أقرب إلى "الطفيليات" (parasites) منهم إلى "الذباب". إنهم أناس يتغذون ويعيشون على أعراض المسؤولين. ينخرون المجتمع ويقتاتون على دم الدولة. الواحد منهم يتغذى بعيب هذا أو ذاك، واستهداف هذا القطاع أو ذاك..وضرره واضح. يغمز و يلمز ويحرض و يشكك في قدرات هذا وينفخ في مؤهلات هذا، ويثير النعرات، إلخ..
والزبون يختلف عن الطفيلي.. فالزبون يأخذ المزايا مقابل التأييد و الدعم! والطفيلي يخرب، يأخذ ولا يعطي! ورغم الاختلاف، يبقى المشترك بين الإثنين أكثر مما يفرق بينهما. والمشترك هو مزاحمة الخيرين ومحاولة التغطية عليهم، وإخفاء الأصوات الناطقة بالحق والصواب هنا وهناك في ساحة الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي التي تعج بالانتقادات السليمة والاقتراحات البناءة والتحاليل الرصينة والأدب الرفيع والاستشراف النير والمفيد.. إن الزبائن والطفيليين يحاولون التضييق على الكتاب الخيرين الذين إن جاؤوا بثناء أو تأييد برروه بالأدلة والحجج، وإن جاؤوا بانتقاد أسسوا له بجدارة وعلم.. وهؤلاء هم رجال المرحلة في نظري، والله أعلم.
#حفظ_الله_بلادنا











