جذور قوة المارد الصيني الصاعد

محمد يحظيه ولد ابريد الليل

يُتابع الكثير من الناس الصين ونمو اقتصادها – بمتتالية هندسية – وصعودها الذي لا يقهر منذ أكثر من ربع قرن، أي منذ عهد دنك هسياوبينغ، بإعجاب وأحيانًا بتعجب وريبة. فالدول صاحبة الامتياز، الغابنة منذ قرون، تنظر إليها باستياء غير مكتوم وأحيانا تفوح من أفواهها رائحة الكراهية والحقد والعنصرية، أما المغبونون في العالم الثالث، معذبو الأرض ممن عانوا مثل الصين من السيطرة الأجنبية والاضطهاد والنهب و الإهانة المعنوية والمسخ الثقافي فإنهم يتمتعون، نفسيا ومعنويا، برفعها لرأسها واسترجاعها لبعض مجدها.

الصين من بين الأمم الشرقية العريقة، مثل الأمة العربية، التي داهمها الاستعمار في فترة انحطاط وغفلة وظلمها ظلما متعمدا إلى درجة تجزئتها وتفتيتها.

بدأت تلك الأمم تعي مأساتها في بداية القرن العشرين، تحاول إعادة حريتها ولمّ شمل كيانها الممزق وتتطلع إلى رسم معالم تأسيس مشروع  وطني – نسبة إلى الوطن العربي، أو قومي إذا فضلتم ــ حديث يضمن مستقبل أبنائها ويمكنها من العطاء والمشاركة الخلاقة في الحضارة الانسانية.

لذلك استعد قادة الثورة الصينية للتضحية بجميع أنواعها بوعي تام لحقيقة فاتتنا وهي أن التغيير واسترجاع أمة لزمام أمورها إِما أن يكون شاملا وتاما أولايكون، فنذروا أنفسهم بصدق وجدارة لذلك الواجب. وإذا نظرنا إلى تجربة "المسيرة الكبرى" التي قادها على الأقدام، لمدة سنة، الرجال الذين سيؤسسون ويقودون بناء جمهورية الصين الشعبية، فإننا سندرك أين يكمن لب الفرق بين تجربتنا وتجربة الصين.

في تلك العقود الأولى من القرن الماضي رفض الكثير من العرب واقعهم المأساوي وتجمع بعضهم بنزاهة ولكن بغباوة تامة، حول الشريف الحسين يطالبون بدولة عربية واحدة، وقاموا حتى بمسيرة على الإبل من العقبة إلى دمشق. وقد سمّينا بتسرّع تلك الحركة: "الثورة العربية الكبرى" إلا أن ثورة يقودها الإقطاع ولا تدرك، أو تتجاهل، خطورة الاستعمار الغربي وتتشبث بثقافة القرون الوسطى، كنبراس للتحرر والتطور، علاوة عن كونها يتقدمها لاورانس، فإن تلك "الثورة" لن تحقق للجماهير أهدافها المشروعة كما أنها لن تعيد للأمة مكانتها الطبيعية بين الأمم ودورها التاريخي.

لا شك أن هدف حركة شريف  مكة إذا كان تأسيس "المملكة العربية " – بالتعريف – كان إيجابيا لأن "وحدة عربية رجعية، كما يقول أحدُ مفكري القومية العربية، خير من تجزئة رجعية"، ولا شك أن الشريف الحسين يرافقه لاورانس خير من ابن سعود يرافقه فيلبي ولم تُخطِئ بريطانيا ولم تتردد في الاختيار بينهما. هذان الممثلان للطبقة الظالمة والرجعية عانيا، بدون شك، من الاستعمار التركي – كما عانى من قبلهم الخليفة العباسي المستكفي من الحقد الفارسي التاريخي على العرب – إلا أن عطف العرب على الحسين نابع من كونه ينظر إلى العرب ككيان واحد، في الوقت الذي حُرم ابن سعود من ذلك التقدير كأحد رواد تجزئة العرب، قبل ظهور أبواقها الخائنة أمثال بورقيبة وكميل شمعون وبيار الجميل وعملاء الاستعمار الحاليين، الذين يتعذر حصرهم، المتربعين على كيانات قطرية هزيلة فاقدة، بالتواتر، لأي مستقبل كما يكفي حاضرها عن سؤالها ويدعونها، وقاحة أو جهلا، "أُمما".

كانت "الثورة العربية الكبرى" فاقدة للوعي التاريخي وللرؤية الواضحة لمستقبل جديد وللتنظيم السياسي القادر على تعبئة الجماهير وتأطيرها فكان مصيرها المحتوم الفشل الذريع. جاء ذلك الإجهاض على يد الاستعمار البريطاني يشجعه الاستعمار الفرنسي بابتساماته المتواطئة. فطويت صفحة العمل العربي الشعبي المسلح، الخارج عن شرك القطرية، وبدأت مرحلة الوحل: تكوين الدويلات القطرية العاجزة يرعاها الاستعمار، يرمم تصدعاتها ويُجمّل تشؤُهاتها ويتفنن في أشكالها وأنماطها المجهرية، يدعمها هنا بعميل مقنع ويواجه هناك بحد السيف من رفض الخضوع، محيطا الشعب العربي بهالة من الاستسلام وفقدان الأمل، مبشرا أخيرا بنهاية التاريخ.

قد يقول قائل متمنيا: ليت الشيوعيين العرب كانوا مثل الشيوعيين الصينيين. من حيث وعي واستيعاب واقع أمّتهم فلم يكن بينهم عامل مشترك واحد يشفع لقومنا. رفع الشيوعيون العرب الشعارات الماركسية وجانبوا فهم لينين للنظرية : " تحليل ملموس لواقع ملموس " وتقيدوا بالجانب الشكلي والنصي لأطروحات كارل ماركس وبدلا من أن تكون دليلا على فهم الواقع الكلي وأساسياته والوصول إلى انشغالاته الحقيقية واكتشاف محركاته في المرحلة التاريخية المعاشة كونت لهم النظرية عرقلة كأداء. صارت النظرية عبارة عن نظّارات مُشوِّهة للواقع وانصب الجهد على تكييف الواقع الحي مع النظرية الجامدة. فأصبحت الصورة في واد والتصور في واد آخر.

كون الأمة العربية تمت تجزئتها من طرف الاستعمار لإضعافها وللسيطرة على مقدراتها ونهب خيراتها لم تكن محل اهتمام مثير إلى درجة الربط بين القضاء على الهيمنة الأجنبية والاستغلال الخارجي من جهة والعملية التجزيئية التى مكنت منهما، من جهة أخرى. كون الوحدة العربية ردّ طبيعي على التجزئة الاستعمارية نظروا إليها، بالعكس، أنها خطر ومطلب متعارض مع النظرية الأممية والأخوة بين الشعوب وكادحي العالم. ومضوا بعيدا في الانزلاقات وعندما تأكدوا أن العرب لا يصغون إليهم، أضافوا متاهة على متاهة ـــ مدعاة للسخرية ـــ وقالوا إن الأقليات القومية وحدها هي الثورية. بهذا المنطق لن ولم يمضوا بعيدا في قيادة مجتمعهم، بل سيسلكون طريق العزلة.

وعلى سبيل المقارنة كان الشيوعيون الصينيون يصارعون حزب كيومينتانغ الرجعي الذى يزعم أنه حزبا قوميا ويقولون له:" الحزب الشيوعي الصيني هو الحزب القومي الحقيقي".

لاشك أن الشيوعيين العرب كانوا يكرهون الاستعمار ولكنهم لم يهتدوا إلى سبيل كفاحه، بل إنهم ثمنوا وشجعوا واعترفوا بالتجزئة التى هي أجلّ واجزل سلاح في يد الاستعمار من اجل إضعاف العرب واستمرار السيطرة الأجنبية عليهم. لم يدركوا ـــ بل لم يحاولوا إدراك ـــ المضمون الثوري والتحرري للوحدة العربية التى تتحقق فقط ضد الاستعمار وعملائه، والتى تخلق للعرب، كشعب مضطّهد، حالة من القوة والأمل وتفتح أمامهم آفاقا ترفعهم ليس بمقياس الدرجات وإنما على مستوي النقلة النوعية التى لا تعبر عنها عملية الجمع بين الأجزاء.

لم يطرح الشيوعيون العرب على أنفسهم السؤال: إذا لم يكن المشروع النهضوي المعاصر للعرب يتمثل في الوحدة، ففيمَ يتمثل؟

لم يُثْنِهِمْ المثل الرائع لنضال فيتنام الشيوعية من أجل وحدتها عن قصر نظرهم والتمادي فيه.

لايمكن التصديق أن حركات تقدمية، مثل الشيوعيين، لها الوعي التاريخي والفكر العلمي لايوجد لديها تصور مقنع يمكن الدفاع عنه موضوعيا في مجتمعها، وأنها تسلم بالواقع كما صنعه الاستعمار. لا أحد يطلب من الاتجاهات الرجعية سواء كانت غربية أو دينية نفس الضرورة لأن الأولى تفكر بعقل غيرها والثانية لا تملك الوعي ولا الموضوعية.

الشيوعيون العرب، لحسن الحظ، لا يتطابقون مع الماركسيين العرب و من بين الماركسيين العرب من طرحوا طرحًا صائبا وتحليلا موضوعيًا. مثلت ذلك الطرح، الذي يربِط بين الوحدة والتحرر والاشتراكية، من الزاوية الماركسية، مجلة "دراسات عربية" التي كان من أبرز منعشيها الياس مرقص وجورج طرابيشي في الستينيات والسبعينيات.

إنَّ الأخطاء النظرية والتصورية للشيوعيين العرب لا تعني أن غيرهم لم يُخطئ وربما لجسامة أخطاء الآخرين يصعب في هذا المقام العرضي حتى تحديد ملامحها التي تتطلب المجلدات. يكفي على ذكر الأخطاء النظرية وحتى المنطقية أن غيرهم أصبح متعارفًا عنده أن "القضية المركزية للعرب هي قضية فلسطين" وهذا، من دون التقليل من شأن قضية فلسطين، يُعتبرُ طرحاً غير منطقي بل لا عقلي. وإذا أحتلّ قطر عربي آخر ماذا سيكون ؟

المسألة المركزية للعرب في الزمن الحديث هي وحدتهم. المسألة المركزية هي تلك التي بحلها تُحل جميع المعضلات: وهي تتمثل في السيطرة الأجنبية، والتخلف، وجميع مناحي الضعف مثل التفرج على فلسطين وهي تُذبح مرتين لليوم. إن الوحدة العربية تحل القضية الفلسطينية بينما العكس غير صحيح.          

رجوعاً الى الموضوع فقد سلكت الصين دربا آخر خرج أحيانا على حد تصور العقل المألوف، تقودها كوكبة من الثوار المخلصين لأمتهم إلى حد العماء، جمعت أهداف الصين كلها في وثبة واحدة وقادت معاركها لمدة ستين سنة. على سبيل المثال دنك هسياوبينغ الذي يُعتبر من المؤسسين عام 1921، كان في "المسيرة الكبرى" عام 1934، وقاد الصين بعد موت ماو اتسي تونغ و استمر يصارع من أجل عودة هونغ كونغ ومكاوي وتيوان إلى الوطن الأم حتى آخر نفس له عام 1997.

ينظر البعض إلى مراحل الثورة الصينية كأنها أجزاء منفصلة. هذا مكمن الخطأ. لكي نفهم الثورة الصينية ومراحلها المتنوعة في الشكل والزمن وانسجامها العميق في الغاية، علينا أن ننظر إليها كصاروخ له عدة طوابق، لكل طابق لون ولكن الصاروخ كيان واحد يؤدي رسالة واحدة أو دورا شاملا حددته طببيعة التأسيس والانطلاقة الأصيلة.

بحثا عن ذلك السر وتلك الرسالة ووصولها إلى أهداف مثيرة، من الضروري أن ننظر، أو نطلع، على تفاصيل تاريخ الثورة الصينية و المراحل القاسية السابقة التى هيأت للحالة النوعية اللاحقة. يقول المثل الصيني"من المناسب ونحن نتناول الماء أن نتذكر منبعه".

                                                                                         

 

 

 

 

المرحلة التأسيسية

 

قال ماو تسي تونغ: إن شرارة يمكنها أن تضع النار في السهل كله. هذا ما سيحصل في الصين ابتداء من السنة 1921. في هذه السنة انعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني في مدينة شانغ هاي، وكان المؤتمرون اثْنَيْ عشر، يمثلون 57 عضوا هم مجموع عدد الشيوعيين في الصين آنذاك.

كاد المؤتمر أن يبوء بالفشل يوم افتتاحه. كانت مدينة شانغ هاي موزعة إلى عدة قطاعات خاضعة لاستعمارات غربية مختلفة: هناك القطاع الانجليزي، والقطاع الألماني والأمريكي والفرنسي، وكان المؤتمر منعقدا في القطاع الفرنسي.

بعد الخطاب الافتتاحي دفع شخص ذو ملامح أوروبية الباب الخلفي فجأة وقال: "هذا محل السيد شن؟...عفوا أخطأت الباب".

قال بسرعة أحد مناديب مدينة شانغ هاي المتمرسين: "هذا البوليس السري الفرنسي". بعد مدة قليلة داهم البوليس الفرنسي المكان، ولكن المؤتمرين القلائل أخلوا المكان بسرعة قبل مجيئهم وانتقلوا إلى متن باخرة نهرية على بحيرة قريبة وأكملوا مؤتمرهم.

انتخب على رأس الحزب الوليد، كأمين عام، شن دي اكسيو وكان من بين المؤتمرين شاب في الثامنة والعشرين من عمره أسمه ماو تسي تونغ...

في السنة الموالية تشكلت في أوروبا نواة من الطلاب سيكون لها شأنها وهي بمعنى ما جزء من التأسيس وكان على رأسها شخص ليس ككل شخص وهو الرجل اللامع شو آن لاي، الذي سيُعد من أبرز القادة السياسيين في القرن العشرين بأكمله، يرافقه المسمى كانك شينك الذي سيقضي خمسين عاما وهو عضو قيادة الحزب بدون انقطاع ورئيس مخابراته. بقيا لأكثر من نصف قرن وهما رَفِيقَيْ درب، وقادا العمل السري معا وحرب التحرير وبعد التحرير، الدولة، إلى جانب ماو تسي تونغ. وهما في فرنسا طالِبَيْن أسس هذان الشابان جريدة صغيرة وسمياها: الفجر الأحمر. كان معهما في هذه الفترة شاب قصير القامة، عمره ثماني عشرة سنة مكلف بتكثير النشرة وسموه بكل بساطة: المكثر. الشاب القصير المكثر هو دنك هسياو بينغ الذي سيقود الصين بعد موت الزعيم ماو تسي تونغ.

كان معهم شاب آخر سيكون له شأنه أيضا، لأنه سيصبح فيما بعد الماريشال شن يي الذي شارك في المسيرة الكبرى وقاد الجيش الجنوبي أثناء التحرير عام 1949 وسيعرف في الستينيات كوزير للخارجية.

في سنة 1924، عاد إلى الصين شوان لاي و كانك شينك ليمارسا العمل الثوري حيث يجب أن يمارس، أي على أرض الوطن. في السنة الموالية 1925 لم يتجاوز الحزب 10.000 عضو، وهذا على سلم عدد سكان الصين، يعني قطرة في بحر.

ماو تسي تونغ يعمل في مسقط رأسه، إقليم هونان، أما العائدان من أوروبا فتوجها إلى مدينة شانغ هاي حيث يتواجد أكبر عدد من الطبقة العمالية – البروليتاريا – في فترة كانت الحركة الشيوعية العالمية، نتيجة لنظريات كارل ماركس وإيمانه المطلق بدورها الثوري المنقوش في الجدلية التاريخية كالنفش في الحجر، تنظر إليها نظرة شبه قدسية صوفية، بحثا عن تلك المحبوبة المفقودة: الثورة.

كانت مدينة شانغ هاي ــ ولا تزال ــ  هي أكبر مدينة في الصين، وعلى شواطئ المحيط الهادي شرقا وغربا، وهي ميناء ضخم ترسو فيه يوميا مئات البواخر، وهي عبارة عن جرح ضخم تُستنزف منه دماء الصين، وثغرة في الجدار تندفع منها البوارج المدرعة والمدافع الانجليزية المعادية. كانت هذه الحاضرة الضخمة منملة مزدحمة وبُرْج بابل، تسمع فيه لغات العالم بأسره، وهي جنّة المغامرين والبنات القابلات للبيع والشراء، والشريرين، والمخدرات، والألعاب السرية، فهي القيادة العامة للبرجوازية الصينية الصاعدة آنذاك، كما أنها أيضا هي الجحيم على الأرض ، مقبرة الكائنات البشرية الجائعة والهزيلة التي تُلتقط يوميا من الشوارع باستخفاف كالقمامات.

كان الهدف عند الشابان العائدان من أوروبا واضح لا التباس فيه. جاءا لممارسة العمل السياسي المهني من أجل القيام بثورة عمالية تُغيّر ملامح وواقع الصين ـــ لا أقل ـــ إلا أن لهما أهدافًا مرحلية وسلّمًا تدريجية ضرورية. الهدف الآني هو تقويّة المنظمة الحزبية في المدينة كماً وكيفاً وتنظيم العمل النقابي.

ومع أن الشيوعيين مطاردون من طرف الشرطة السرية، فإنهم يتمتعون بالتعاطف الشعبي وخاصة في ذلك الجيش المُضطّهَد والمستغَل: عمال الميناء الممتلئة قلوبهم حقدا ضد "الشياطين الغربيين". العمل النقابي يتقدم بيُسر عند هؤلاء البؤساء كالنار في الهشيم.

بسُرعة فائقة نظما إلى جانب لي ليسان، الأمين العام المقبل للحزب ومناضلٍ شابٍ آخر، هو ليي شاوشي، الذي سيصبح رئيسا للجمهورية في الخمسينيات، إضرابا عاما للعمال في مطلع 1925 وكان قوياً إلى درجة التمرد. كان المسئولون الغربيون ينظرون باشمئزاز وقلق إلى تطور الأحداث. بسرعة ارتفعت درجة الحرارة وأطلق الجيش البريطاني النار على العمال، فسقط موتى وجرحى. كان عدد المضربين خمسة وسبعين ألفَ عامل وبعد سقوط الضحايا ارتفع العدد إلى مائة وستين ألفا ، إلا أن البورجوازية راهنت على قصر نفس العمال الفقراء. وبعد ثلاثة شهور من الإضراب صارت الحركة المطلبية للمضربين تلهث. وعندما عاد العمال إلى العمل بدون الحصول على مكاسب ومعنوياتهم منخفضة، ضربهم سيف الجلاد من جديد لإعطائهم درسا شديدا يتذكرونه في حالة التفكير مُسْتَقْبَلا في إضراب من هذا النوع.

اعتقلت جماعات واسعة من الأطر الشيوعية – يطلق عليهم الحُمر نسبة إلى لون الثورة – والمناضلون النقابيون وتمت تصفية الكثير منهم جسديا في السجون كما تم حل النقابة العامة لعمال شانغ هاي.

كان على الشيوعيين إما الهروب وإما التراجع في سرّية مطلقة. اختير الحل الأخير والمقاومة المدروسة. بدأ البحث، تحت مسؤولية كانك شينك عن أماكن اجتماعات آمنة، وحماية أماكن إقامة القادة السريين والحصول لهم على عناصر الربط الضرورية بينهم، كما رُتب تنظيم الحزب تحت شعار الفصل التام. كان في تلك الفترة، بعد الإضرابات، نجم لى ليسان المناضل المتطرف بل والمتهور أحيانا والأمين العام المقبل للحزب يلمع بألف نور.

كانت شانغ هاي ــ باب الصين وباب الشرق الأقصى ــ تحت سيطرة أحد "أمراء الحرب"،شون فان، الذي يمتاز بارتداء بدلات مزخرفة بإفراط وبدون ذوق رفيع، شخص معروف بالقسوة اتجاه الضعفاء ويتسم بالخضوع والخسة مع الأقوياء.

استعادت الحركة المطلبية والتحريضة ضد النظام الحاكم والغربيين قدرا من قوتها وبدأت سلسلة من الإضرابات القطاعية، كما التحق الطلاب بالحركة المطلبية والإضرابات، و في نهاية اكتوبر 1926 توّجت الإضرابات بانتفاضة جديدة. و سرعان ما فشلت الانتفاضة وسقط عشرات الضحايا على أيدي أمير الحرب شون فان يعززه أمن الدول الغربية.

بعد فشل هذه الانتفاضة ارتأى كانك شينك، مسئول التنظيم والمخابرات، بمفارقة جريئة أن أكثر الأماكن أمنا وأقلها إثارة للانتباه هو فندق "اكران موند" Grand monde وهو عمارة ضخمة من ست طوابق بين قطاعين غربيين ومحل تسلية للأوروبيين، فيه الألعاب والمسرحيات المستمرة والمغنون والبهلوانيون والمشعوذون، ومدّعو العلاج الفوري للآلام والمدلكون واليانصيب والمنجمون والفلكيون وبائعو الطيور.. الكل يتكلم لغة مشتركة واحدة هي لغة النقود. يقال أن شيئا واحدا من المستحيل العثور عليه في فندق "اكران موند" وهو امرأة  نزيهة.

لم تكن " اكران موند " هي الهدية التافهة الوحيدة التى تُبرهن على " سخاء " فرنسا. فقدْ أهْدَى الفرنسيون لـ شانغ هاي ملعبا غريبا هو ميدان سباق للكلاب يرتاده، أسبوعيا، الغربيون والبورجوازية الموالية لهم وحثالاتهم والمتسكعون والعاطلون الفاقدون الوعي.

بعد انتصار الثورة عام 1949، أعطى  بان هنيان، مسؤول الحزب في المدينة لهذا المكان الذى أريد به احتقار شعب عظيم، صاحب حضارة فذة، عريقة وغنية، الرصد الذى يستحق فصار محل اعتقال جماعي لأعداء الثورة:جنرالات وبورجوازية اتشانك كاي شك، عملاء الغربيين، الغربيين أنفسهم، رجال الدين المسيحيين وأنواع الرجعيين الآخرين. 

اختارت المنظمة الحزبية بذكاء فعلا مكان اجتماعها ووجدت هدوء البال لاستخلاص العبِر والدروس، ووصل الاجتماع الى هذه الخلاصة القاسية: "إن الإنتفاضة كانت عملا سطحيا، خال من المهنية الثورية وبعبارة أخرى عملا مخجلا وعارا بالنسبة لجماعة ثورية" كما يجب التخلي عن رقة العواطف والشفقة واعتماد القساوة مع النفس والعدو. وكان من بين القرارات تنظيم دورة فنية سريعة من بين المستفيدين منها دنك أفا أحد كوادر الحزب الفاعلة للغاية.

التقي الصحفي الأمريكي الكبير إدكار اسنو، صديق الثورة الصينية، خلال تحقيقاته الشهيرة في الصين عام 1936 مع دينك أفا في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكم اتشانك كاي شك، ولم يخف دينك أفا على الصحفي الأمريكي هويته الحقيقية وأنه يعمل في السرية في هذه المناطق كممثل للثورة. تفاهم الرجلان ورافق دينك أفا أدكار اسنو لمدة أيام وفي وقت الوداع لم يتمالك الصحفي، تعاطفًا مع الكادر الثوري وتنبيها له عن طرح سؤال أخير :

                ــ ألا تخاف هنا على رأسك؟

                ــ لا أكثر من الجنرال قائد المنطقة العسكرية. إني أسكن في منزله، أضاف دنك أفّا في نقّة ماكرة .

 لم يمض أدكار اسنو، لباقة، في الفضول إلى معرفة هل جنرال اتشاك كاي شك متعاطف مع الثورة أم أن دنك أفا متسلل إلى قعر داره بحيلة خفية.

قبل هذه الحادثة بتسع سنوات، في سنة 1927، خلال إضرابات العمال، كانت الشرطة البريطانية قد كسّرت معظم أضلاع دنك أفا.

 في بداية 1927 جاءت تعزيزات من القوات البريطانية للسيطرة على الوضع الأمني المتدهور في شانغ هاي بِفِعْلِ جماعة نوعية متميزة لا تلين بقيادة شوان لاي ولي ليسان وكانك شينك. وزّع التنظيم الحزبي على القوات البريطانية المنشور التالي: "إنكم هنا لكفاح ثورتنا.العمال والفلاحون الصينيون لن يقبلوا ذلك وسيصارعون بحزم متزايد من أجل استقلالهم. لا تظنوا دقيقة واحدة أنكم ستُعيدون الماضي وأنكم تستطيعون ذبح الصينيين بالجملة كالحيوانات. إن ذلك الزمن قد ولى إلى الأبد."

في منتصف فبراير 1927 اندلع الإضراب من جديد، وكان شاملا في اليوم الثاني له، وتدخلت القوات البريطانية والفرنسية لدعم القوات الرجعية المحلية، فأُغرقت المدينة في حمام من الدم: أُعْدِمَ في الشارع مئات المناضلين النقابيين وقُطعت رؤوسهم ووُضعت على مقابض من الخيزران وعُرضت على أطباق المطبخ. في نهاية مارس 1927 دخل الجنرال اتشانك كاي شيك بنفسه المدينة والتقى بممثل التاج البريطاني، أي ممثل أعتى وأمكر قوة استعمارية في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين ـــ قبل ظهور الإمبريالية الأمريكيةـــ وشرح ما لايحتاج إلى توضيح وهو أنه جاء ليُطمئن الغربيين.

بعد أيام اندلع الاضراب العام بعنف متزايد وعطل بشكل تام المصانع والميناء.. توقف عن العمل نصف مليون عامل.قال قائد الحزب، شن دي كسِي الأمين العام، وشو ان لاي وكانك شينك: ليس بإمكاننا هذه المرة التراجع، يجب أن نزجّ بجميع قوانا في المعركة وأعطى شو ان لاي الأمر لفرق القتال الحزبية "الحرس الأحمر" أن تتدخل ضد العدو ولكن معظم الفرق بدون سلاح فوجههم أن يستعملوا السلاح الأبيض: الفأس والسكين، وأدوات الجزار والمطرقة، وعصى الخيزران كما علم المليشيا صنع "مدافع" بسيطة هي عبارة عن براميل مملوءة بالنفط، تفجر الوحدة تلو الأخرى على أمكنة العمل عند هجوم قوات القمع.

سيطرت الانتفاضة بعد أيام، وعقد كانك شاينك مسئول التنظيم اجتماعا مهما من 500 إطار نقابي في معبد بوذي وقرر الاجتماع تكوين ميليشيا عمالية من خمسين ألف شخص.

قرر من جديد الجنرال اتشاك كاي شك وحلفاؤه الغربيون وأمير الحرب المحلي القضاء على التمرد العمالي ومضاعفة الهجوم ضد الانتفاضة الثورية قبل أن تفلت الأوضاع من السيطرة واستمرت المعركة مع الفرق العمالية يقودها شو ان لاي وكانك شينك اثنيْ عشرة ساعة. كانت الأطراف غير متكافئة وسلاح اليمين متفوق بشكل لا يسمح بالمقاومة الجدية أكثر من يوم، ومن جديد سقطت انتفاضة شانغ هاي الثالثة وسيطرت القوات النظامية وأعوانها على شوارع المدينة وبدأت حملة جديدة من تقتيل المواطنين الأبرياء والعمال في الشوارع بالآلاف إلا أن شو ان لاي وكانك شينك وبقية المناضلين الأساسيين تمكنوا من الفرار ووضعت صورة شو ان لاي على جدران المدينة مع العبارات التالية:"من أعطى معلومات عن هذا المجرم القاتل أو تُمكن من القبض عليه فله مكافأة قدرها 1000 دولار" كما وُضعت في الشوارع لا فتات تحمل الشعارات المحرضة بهدر دم الثوار والنقابيين و كان بعضها يحمل الشعارات السخيفة التالية:

           "اقضوا على المجرمين الشيوعيين!"

           "اقضوا على المشروع الهادف إلى جعل النساء مشتركات".

كان على كانك شينك مسئول التنظيم، في هذه الظروف الخطيرة والعسيرة، أن يوفر المكان المناسب لاجتماع حزبي ملحّ لإستخلاص الدرس وتحديد موقف عاجل لا يحتمل التأجيل،فكانت الخلاصة هي التخلي عن " وهم الإنتفاضة الحماسية"، يجب التحضير لنضال طويل المدى، مواجهة في الظّل، كما يجب القضاء إلى الأبد على المراهقة التي تختفي في كل ثوري.

 وبصفة متزامنة قُضي أيضا، في حمام من الدم، على انتفاضة مدينة كانتون وعلى تمرد للفلاحين، انطلق من منطقة جنوبية أخرى تحت إسم "انتفاضة حصاد الخريف". إذا كان الإسم شاعريا فإن النتائج كانت مأساوية.

كلما تبقى من الانتفاضات الثورية المتزامنة هو تمرد ريفي يقوده ماو تسي تونغ وهو أنذاك قائد هامشي.

 

كان على الحزب أولا بعد هذه الضربات القاسية أن يعيد ترتيب نفسه وخاصة في مدينة شانغ هاي حيث تتواجد أهم قواته وقادته، فكان صاحب تدبير هذه المهمة شو أن لاي وكان من أكثر الأمور إلحاحا تقوية جهاز مخابرات الحزب والحصول على المعلومات الدقيقة لتفادي الضربات المفاجئة.

كانت هذه المهمة من اختصاص كانك شينك وكلف بالذات باختراق المخابرات الرسمية لي كنونك ، الذي سيكون في المستقبل رئيس المخابرات الخارجية وسيشتهر عام 1954 كرئيس فريق المفاوضين في اتفاقيات جنيف.

مع المعلومات التي بدأ يحصل عليها لي كنونك من عملائه الذين يعملون في قلب جهاز العدو لم يعد الحزب أصمّ ولا أعمى، كما أن مسئول التنظيم والمسئول الأول عن جهاز مخابرات الحزب كانك شينك، نتيجة لرزانته وفاعليته، يجوب الشوارع يوميا وصورته على الجدران ورأسه مطلوب مقابل 1000دولار. لكي يتنقل سرّا، تنكر كانك شينك، وصار جرّار عجلة نقل الأشخاص التي كان معمولًا بها على نطاق واسع في الصين قبل التحرير. كان عدد جرّاري العجلات في شانغ هاي يزيد على عشرين ألفا.

في سنة 1928 انعقد في موسكو مؤتمر الأممية الشيوعية وتقاطرت على العاصمة الروسية أفواج كثيرة من ثوريي العالم أجمع يحدوهم الأمل والتفاؤل بمستقبل الثورة العالمية في تلك العاصمة التي أوقدت فيها قبل 11 سنة شعلة ثورة أكتوبر الحمراء.

كان جوزيف ستالين، هذا الجيورجي الماكر والمنظر نيقولا بوخارين قد انتصرا على زميلهم تروتسكي في ثورة أكتوبر 1917، وأرغماه على الغربة كما أبعدا أيضا اثنين من رفاق ثورة اكتوبر: هما زينوفيفِ وكامنيف.

بهذه المناسبة انعقد في موسكو ، في الغربة ، المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الصيني وكان عدد المؤتمرين 75 مناضلا أتوا من جميع مناطق الصين الشاسعة، دون حضور ماو و شوان لاي وليي لشاوشي وكانك شينك. تم  في هذا المؤتمر انتخاب لي ليسان  كأمين عام للحزب. كان لي ليسان فوضويًا ولكنه شجاع، ذكي ولكنه ضيق الأفق، مغرور يعتبر نفسه "لينين الصين" وكان عمره 29 سنة. يريد لي ليسان الإفراط في المركزة والإفراط في الانضباط والإفراط في التدرّج. كان أكزي أكزيجن رئيس قسم الحزب في شانغ هاي يقول فيه الكلام الهرطقي التالي: "إن لي ليسان أقدامه ليست على الأرض، إذا اتُّبعت سياسته فإنها لن تقود الا إلى الإنفصام بين الحزب والجماهير"، معبرا بذلك عن معارضة منعشي العمل النقابي لخط المؤتمر السادس. ثم زاد اكزي اكزيجن نقده إلى درجة النقد العلني في اجتماع المكتب الجهوي للإجراءات التنظيمية التي فرضها لي ليسان وأتبع ذلك برسالة موجهة إلى المكتب السياسي باسم مناضلي "باب الصين"، شانع هاي، معقل الحزب، يقول فيها: " إن تطبيق تلك الأفكار الجديدة لن يؤديّ إلا لإبعاد العمال عن الشيوعية إلى الأبد ".

لن يدخل – كعادته – شو ان لاي الذي أكده المؤتمر على رأس العمل العسكري والإشراف على هيئة المخابرات الجديدة، توو، في تلك التناقضات والمهاترات لأنه آمن منذ الوهلة الآولى بالثورة وبنهج الشيوعية وأدرك نهائيا معنى الحزب والإلتزام ولم ولن يحيد عن ذلك النهج. سيستمر شو ان لاي في ذلك الاتجاه بصلابة واستقامة، وبتقدير من الجميع مهما كانت التقلبات والأزمات والصراعات لمدة خمسين سنة مقبلة، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة وهو في مقعد رئيس وزراء الصين. صحيح أنه ابن موظف إمبراطوري ولكنه آمن بفكرة المساواة وبمبدأ حرية الصين ولن يُسَلُِيه شيء عن تلك الفكرة وذلك المبدأ، منذ اليوم الذي قاد فيه ما يُعرف في تاريخ الصين ب "حركة الرابع مايو" 1919 التي هزت أركان الصين وهو طالب عمره 22 سنة.

أما كانك شينك، الذي يحيط به عادة عطر من الغموض، والمعروف هو الآخر لنفس المدة الطويلة، بالثبات والمبدئية ونكران الذات فإنه ارتبك ـــ ولكنها ستكون المرة الأخيرة ـــ وتأرجح بين الأطروحتين: ساند أولا اكزي اكزيجن  ثم التحق بخط لي ليسان، متحملا كالعادة مسئوليته التقليدية التي سيقضى فيها عمره المديد  وهي "المهام الخاصة"، إضافة إلى مسولية التنظيم.

في منتصف السنة 1929 قامت السلطات الرسمية بحملة جديدة على الحزب، ليس فقط في شانغ هاي وإنما أيضا في أتين اتسين، المدينة الصناعية في شرق الصين، وكانت الضحايا بالعشرات واعتقلت الشرطة أحد معاوني كانك شينك المقربين وهو ليي اكزاو وواجه التعذيب بصبر وشجاعة، دون أن ينطق بكلمة واحدة تفيد الشرطة وهو بهذا التصرف الرائع قد أنقذ روح مسئوله، كانك شينك، الذي يعرف عنه كل شيء. قيل أن كانك شينك قد أقسم على أن يبقى وفيًا له إلى الأبد نتيجة لشجاعته. بعد ذلك بأكثر من ربع قرن سنجد ليى اكزاو نائبا لوزير الخارجية في وفد شو ان لاي الذي وقع اتفاقيات جنيف الشهيرة عام 1954.

السنة 1930 كانت سنة الثعبان الصينية وستكون مفعمة بالتغيرات والأحداث الفجائية والعادية. من تلك العادية، في كل يوم تطلع فيه الشمس، سقوط مجموعة من الثوريين  في أيدي نظام اتشانك كاي شك. فرض ذلك الوضع المتزايد في الخطورة أجراءات أمنية مشددة على قيادات الحزب: منع مغادرة مخابئهم في النهار، الحد الشديد من الاجتماعات، إقامة نظام فوق سري لعناصر الصلة. العنصر الوحيد الذي لم تطبق عليه هذه الإجراءات هو مسؤول التنظيم والعمليات الخاصة، كانك شنيك، الذي يجوب المدينة طولا وعرضا ، من اتصال سري الى آخر لأن تنكره الدائم وفعاليته ورباطة جأشه سمحت له أن يحصل على مركز بائع التذاكر في شركة اتراموي للنقل البريطانية، أما في الليل فيتفرغ للاجتماعات الحزبية. كان كانك شينك يفضل إعطاء مواعده في فندق "اكران موند"، جنة الألعاب والأعياد الدائمة والدعارة وجميع أنواع الانحلال الخلقي. في هذا المكان القذر بالنسبة للثوريين يوزع كانك شينك التعليمات والرسائل. في تلك الظروف المخيفة والخطيرة اعتقل مسئول التنظيم كانك شينك نفسه! ولكن من يعرف اسم كانك شانك الحقيقي؟ ليس الشرطة قطعا. من يعرف علاقات كانك شينك وعناصره المدسوسة داخل الجهاز الرسمي؟ لا أحد غيره.

بعد أيام من الاعتقال تم إطلاق سراحه... ما المكيدة وما السبب؟ ردا على هذه الأسئلة يكتفي مسئول التنظيم بابتسامة متمادياً في الكتمان، الأسلوب الوحيد الممكن بالنسبة لمملكة الظل التى هو سيّدها.

لا يزال الأمين العام للحزب، لي ليسان، مستمرا في فرض استراتيجيته: الانتفاضة مهما كلف الثمن، فأصبح ما يعرف في تاريخ الحزب بـ خط لي ليسان لا يطاق وصار انعقاد مؤتمر ضرورة ملحة. اُقصي لي ليسان وعُيّن وانغ مينغ أمينا عاما للحزب. في تلك الأيام وضعت شرطة الجنرال اتشانك كاي شك يدها على منظمتين للحزب – أكثر من 800 مناضل – من بينهم عناصر قيادية وأعدم هؤلاء المناضلون جميعا وفي مقدمتهم شن دي كسيى، أول أمين عام للحزب كما عُثر على مطابع وأوكار سرية ومستودعات من الثقافة الثورية واكتُشفت خيوط الاتصال بين مدينة شانغ هاي والقواعد الريفية المسلحة، وعلاقات أساسية مع التجار وأصحاب الفنادق والمطاعم كانت غطاء للعمل السري نسجها ببراعة وصبر شو ان لاي ورفاقه.

بدلا من أن يتراجع نشاط الحزب أو تنهار معنوياته، لم يزده ذلك إلا تصميما ومزيدا من البراعة في التخفي والسرية والفعالية.

في تلك الظروف المأساوية، ظهر كو، رئيس " الحرس الأحمر"  ـــ الفرق القتالية للحزب ـــ وأحد نواب شو ان لاي، في العلن تحت إسم: كوانزي، تمجده إعلانات وصيحات الترويج "كأكبر المشعوذين وسيّد الغرائب والأسرار" واستمر رواجه لعدة شهور، ترافقه خلية حزبية متنكرة، في القلب المتعفن لمدينة شانغ هاي، فندق "اكران موند" ، يسلي كبار الرجعيين والملاعين الغربيين، يصفقون لأعتى أعدائهم، "صفقوا، تقول مقدمة الحفل، هذا الساحر الشرقي الأكبر كوانزي!"

في السنة 1931، التي بدات ببشائر تفاؤل، تحت إسم عام الحصان، بعد سنة الثعبان، لا تكفي الأرقام ولا النوعيات لحصر الخسائر في الجانب الثوري. في "باب الصين" أو "باب الشرق" – شانغ هاي – تفاعل شو ان لاي مع تلاحق ضربات الأقدار بهدوء رهيب وقرر، يساعده كانك شينك، إعادة بناء جهاز الحزب السري لَبِنَةً لبِنَة. لم تمض شهور حتى صار متسولو وأطفال الشارع التائهون مخبرين لكانك شينك، وساحبو العربات الآسيوية والباعة المتجولون سُعَاةُ بريد له. ومع أن المسألة لا تصدق ، حصل كانك شينك، الزعيم المتمرد المطلوب راسه، بفضل لباقته الفائقة وذكائه المفرط وتفوقه المصطنع في التزلف على منصب الكاتب الخاص لأكبر بورجوازي في شانغ هاي، "المكرم" عند جميع الغربيين في الصين وعند نظام الجنرال اتشانك كاي شك الرجعي، السيد يوكيا كنغ. بهذه الطريقة وصل فعلا كانك شينك إلى كهف النمر، و"كيف تأخذ أبناء النمر إذا لم تصل إلى كهفه" كما يقول المثل الصيني. صار مسئول التنظيم الثوري في قلب المافيا يأخذ معلوماته من المصدر مباشرة. لن يكون من المفاجئ لأي أحد، بعد التصفيات المتلاحقة للرفاق المناضلين بالآلاف والخطر الدائم والداهم، أن يكون الساعد الأيمن لـ اشو ان لاي فقد كل براءته وأن يقدم على أقصى أنواع المخاطرة وأن يضطر إلى تجريب حظه: إما المشنقة وإما الظفر في مهمته. العمل المزدوج الذي يمارسه ليس رياضة بنات يافعات وهو أدرى الناس بذلك.. أي خطأ في أية لحظة مدمر وقاتل. عليه ، قبل كل ميزة أخرى، أن يبرهن على برودة أعصاب وموهبة في التخفي خارقتان للعادة. كان عليه أن يخبر المناضلين المهددين قبل فوات الأوان، وأن يحافظ على الوثائق السرية وأن يدبر إقامة قادة الحزب وتحركهم وتهريبهم إذا دعت الضرورة. كان يساعده في هذه المهام الدقيقة شن يون الذي سيستمر في قيادة الحزب العليا حتى نهاية الثمانينات!

من أخطر عمليات التهريب التي قاما بها عملية تهريب شو ان لاي نفسه، الذي أصبحت حياته معلقة بخيط هزيل، مطوق وصورته في كل مكان ورأسه مطلوب مقابل منحة مغرية في مجتمع الفساد والانحطاط. هرّباه إلى قاعدة ماو اتسي تونغ الريفية المسلحة. خرج شو ان لاي متنكرا كراهب مسيحي، وكان ذلك التنكر في مكانه حيث تخلى منذ فترة قليلة اتشانك كاي شك عن الديانة الوطنية الصينية وتقّرب إلى الغربيين باعتناق المسيحية.

بعد مدة قصيرة، بدأ تهريب جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب نحو قاعدة ماو اتسي تونغ الحمراء، تاركين إلى الأبد أمل تفجير ثورة المدن على الطريقة الروسية. لم يبق في شانغ هاي، في مطلع السنة 1932، إلا اثنين من أعضاء اللجنة المركزية، هما كانك شينك ولي زو شنك. لم تنته السنة حتى أصبح ضغط نظام كيو مينتانغ رهيبًا على الجهاز السري وكأنه أنشوطة متحركة تضيق كل يوم عليهما، فتلقيا الأمر بمغادرة الصين والالتحاق بموسكو.

منذ انتفاضة 1927 وقمعها الوحشي، زاد عدد مناضلي الحزب بأفواج كثيفة بلغت مائة وعشرة ألاف عضو، إلا أن تغييرا استراتيجيا جذريا أصبح ضرورة حياتية.

كان ماو اتسي تونغ هو أول من أدرك، بعد فشل الانتفاضات العمالية بشانغ هاي وكانتون، عام 1927، هذه الحقيقة واستخلص شيئين أساسيين، أولا: اكتشاف المخزون الثوري الذي يمثله الفلاحون، ثانيا: ضرورة الكفاح المسلح من أجل إقامة الثورة وتحقيق التحرير من السيطرة الأجنبية، إلى درجة أن نظرة الحزب تحررت من القوالب الجامدة والدغماتية، وأصبحت في حقيقتها، صياغة قوية بين القومية الصينية والماركسية  - اللينينية ونداء واقعيا مؤثرا في نفوس الصينيين من أجل العمل الثوري. إذا اكتفينا بالنظرية الجامدة وحتمية القوانين الاقتصادية فإن الصين الريفية والفلاحية، في نهاية العشرينات، وهي شبه خالية من البروليتاريا ونقيضها الملازم الطبقة الرأس مالية المستغِلة، فإنها ليست ناضجة للثورة، وهذا المأزق المنطقي لا يمكن التسليم به. بالعكس من ذلك فإن الحزب الشيوعي الصيني رفض هذا الجمود العقائدي وركّز على العنصر الإرادي في النظرية وعلى قدرة الإنسان على خلق تاريخه الذاتي.

جاءت أطروحة لينين حول "الامبريالية: المرحلة الأخيرة من الرأس مالية" تدعم بشكل مناسب إلى حدّمَا هذه التصورات. لأن كون الصين فريسة للاستغلال الأجنبي، يجعلها، موضوعيا ، في نفس الوضع الثوري الذي توجد فيه ابروليتاريات الدول الصناعية، إذا الثورة الوطنية من أجل التحرر والثورة الاجتماعية من أجل المساواة – الاشتراكية بتعبير أدق – تتطابقان.

 في ظرف تاريخي واجتماعي أساسي كهذا، فإن إحداث وثبة شعبية هو خضوع لقوانين التاريخ.

بعد حملات التصفية الساحقة لم يبق في المدن إلا نواة خفيفة مركّزة ومحصنة هنا، وهناك. التحق جميع المناضلين بالكفاح المسلح في الأرياف. ولكن حمل السلاح في الأرياف ليس نزهة وكما يقول ماو اتسي تونغ "لكي تصل إلى قمة جبل تيشان وأنفك في السماء عليك أن تعاني أولا".

بعد فترة قليلة طوق العدو البؤر الثورية الريفية، بدورها، وتجدد المأزق على نمط آخر. إلا أن ماو اتسي تونغ ورفاقه قرروا تطبيق خطة جريئة، بل خارقة للعادة، وهي الهجرة على مدى آلاف الكيلومترات من الجنوب حيث يوجدون وتوجد المدن الكبرى وتتركز قوات اتشانك كاي شنك إلى الشمال الصيني. يقول أبو الإستراتيجية وفن الحرب سن اتزو ـــ الذى عاش قبل ألفين وخمس مائة سنة ـــ " إذا أُعطيّ للعدو حبل طويل بما فيه الكفاية يحدث كثيرا أن يشنق به نفسه".

المسيرة الكبرى

 

 

في الثامن عشر من اكتوبر 1934 – يوم لا ينسى في تاريخ الثورة الصينية – انطلق ماو اتسي تونغ وقواته، على الأقدام، في ما سيعرفه التاريخ ب "المسيرة الكبرى".

المراهق الذي لا يزيد عمره أنذاك عن الخامسة عشر والذي كان مرافقا لماو اتسي تونغ يتذكر ذلك اليوم بالكلمات التالية: "في حدود الخامسة مساء ودّعنا مع الرئيس القرية التي كانت تحتضننا في جنوب الصين، وكنا نزيد قليلا على عشرين رفيقا. توجهنا إلى الشمال وعلى مقربة من القرية وجدنا على يسارنا نهرا، فمشينا مع سهل النهر. كان ماء النهر هائجا يميل إلى الصفرة وصوته القوي كنفخ الصور يرافق سيرنا. غربت الشمس وكانت الرياح باردة تقصفنا برشقاتها منذرة بأن الليلة ستكون قارسة. كان الرئيس بدون معطف، يرتدي بدلة الفدائيين. كان يتقدمنا وخطواته سريعة. بعد أن اجتزنا مسافة قدرها حوالي عشرة كيلومترات سمعنا أصواتا بعيدة ورأينا أنوارا تتحرك. كنت أنا وزميلي زونغ،من الأطفال المشاركين في المسيرة، حائريْن ولكن سرعان ما قال الرئيس : هؤلاء جنودنا. عندما اقتربنا منهم، لاحظت أن المكافحين على جانبي النهر: بعضهم قد اجتاز النهر نحو الشمال والبعض ما زال على الضفة الجنوبية ينتظرنا".

كان المشاركون في المسيرة الكبرى مائة وثلاثين ألف مناضل، من بينهم معظم قادة الحزب وحوالي ثلاثين امرأة ومجموعة من الأطفال والأيتام، كان من بينهم مرافق ماو الذي أستشهدنا بمقطع من مذكراته. هؤلاء الأطفال لقّبتهم المسيرة الكبرى بلقب عطف هو: "الشياطين الصغار".

كل رجل كان يحمل، في بداية المسيرة، إضافة إلى بندقيته، كيلين ونصف من الأرز وعلبتين من الذخيرة أو من القنابل وغطاء وبدلة إضافية للشتاء وثلاث أزواج من النعل، زيادة على بعض الخضرة والفاكهة المجففة والأدوات الضرورية للطبخ وإبرة شخصية وخيوطًا لعلاج الملابس وزوجًا من القضبان للأكل الصيني التقليدي. الكل كان لديه قبعة تحفظ رأسه من الشمس والمطر، مصنوعة صناعة تقليدية غير أنيقة وهي عبارة عن ورقتين من الخيزران ملتصقتان على قطعة من الورق. الجميع كان يحمل نفس الملابس.

كانت المسيرة تنتهز الليل لتتقدم، لكي لا تتعرض للقصف ولتعمية أخبارها على العدو.

يتذكر أحد المشاركين: "أن المسيرة في الليل كانت شيئا رائعا عندما يكون القمر يضيئنا ويكون الطقس معتدلا.عندما نكون بعيدين من العدو ومطمئنين تردد الفرق المختلفة أناشيدها كل حسب دورها بترتيب معروف مسبقا. عندما يكون الليل البهيم بدون قمر فكلنا يحمل شمعة طويلة هي عبارة عن غصن صنوبر أو خيزران وكأنها ألعاب نارية فتكون مشهدا رائعا. تلك الطوابير الطويلة المضيئة تتلوى في الجبال منظرها لا يصدق وكأنه تنين عملاق تجاوز طوله الحد.

في بعض الأحيان يكون المسير غاية في الصعوبة في الليل، حتى ولو كان العدو لا يطاردنا، نتعثر الواحد بعد الآخر في وحل الطين الاسفنجي وعليك إذا سقطت أن تتمالك من أعصابك لكي لا تصرخ وتثير استنفارا غير مبرر، وعلى من هم في المقدمة أن يضعوا صخورا بيضاء أو قطع قماش أبيض في الأماكن المحظورة لكي يكتشفها ويتجنبها بقية السائرين. وعليك أيضا أن تكون دائما منتبها لكي لا تسقط من شدة التعب في حفرة سحيقة، قد لا ينتبه لك أحد في الليالي الظلماء. وعلى المرضى والجرحى أن يضعوا قطع قماش في أفواههم لكي لا تصدر عنهم أصوات عندما يتعثر حاملوهم ويتألمون، في منطقة تتطلب عدم إثارة الانتباه على مرورنا. عند الفجر، بعد السرى، علينا أن ندخل في أقرب القرى، قبل أن تبدأ الطائرات تحوم فوق رؤوسنا. لم تكن عندنا، عادة، أي رغبة إلا في النوم، بعد ليلة كاملة من السير على الأقدام. يقع، أحيانا، أن تكون تلك الرغبة في النوم في غير مكانها، بل إنها مستحيلة، عندما نكتشف مع الصباح أنه من الضروري أن نبحث عن مكان مناسب نختبئ فيه أوانه، بالعكس، من الضروري أن نستمر في السير.

أدركت جيدا قوات حكومة اكيو منتانغ أن مهمتها الأساسية والضرورية هي أن تمنع تقدمنا نحو الشمال حيث سنجد بقية رفاقنا ونصبح في غير متناولها إلا بشق النفس وبخطوط تموين طويلة للغاية".

أحد المناضلين يتذكر"في إحدى الليالي في حدود التاسعة مساء، في الظلام الدامس، توقفنا بعد أن قطعنا مسافة 30 كلم مرة واحدة وكنا نستعد لإعطاء الأكل للرفاق- بعد 24 ساعة من دون طعام مهما كان نوعه- عند توقفنا وصّـلت إلينا الطلائع الأمامية الخبر التالي: إن العدو يتقدم بسرعة نحو نهر أكزيانك وبالضبط في اتجاه بلدة لكبورنا، إذا فهم على علم دقيق بوجهتنا.

كنا في ذلك الوقت على مسافة 45 كيلومتر من النهر. كان علينا أن ننسى كلما قمنا به في ذلك اليوم، أي معركة دامت عدة ساعات وأننا قطعنا مسافة 30 كيلومتر وأننا لم نضع أي شيء في أفواهنا منذ 24 ساعة.

فأسرعنا نحو النهر لكي نضمن لأنفسنا العبور. تخلصنا من كل ما نحمله سوى البنادق والذخيرة والقنابل، لا نبالي إلا بشيء واحد: يجب أن نقهر عبور نهر اكزيانك ".

بعد شهرين من المسيرة الكبرى يتبين أن الجيش الأحمر الناشئ فقد نصف عدده، بل أن ليوبوشنك، الجنرال الأعور المتميز، يقول أن في نهاية السنة 1934، لم يبق إلا خمسين ألف شخص وأن المسيرة فقدت ثمانين ألف رجل! يجب أن نذكر أن الجيش الثوري مر بعدة خطوط مغلقة من طرف الجيش النظامي وأن قصف الطيران الدائم والمداهمة المستمرة من طرف الجيش البري للعدو يخلّان حتما بالنظام في الصفوف ويؤديان إلى الفرار الدائم في كل الاتجاهات. فلم يتمكن أحد من عدّ الموتى والجرحى المتروكين في ميدان المعارك وألئك الفارين من القصف الذين لم يتمكنوا من الالتحاق. قال الجنرال ليو نفسه، في مذكراته أنه كاد أن يؤخذ باليد مرة: "عرفت شخصيا أخطر وضع في حياتي خلال المسيرة، في يانشو في ولاية هونان، الطريق يمر بمضيق دقيق بين جبلين. كنت في المؤخرة على رأس أربع كتائب، أما بقية الجيش فقد اجتازت المضيق ولكن عندما وصلت إلى المضيق لحقت بنا قوات كيومينتانغ واحتلت، بهجوم سريع مفاجئ  ومعدّ، المضيق وقطعت علينا الطريق. فأصبحنا في وضع مأساوي لا نحسد عليه ولكننا كافحنا بضراوة النمور واحْتللنَا الجبل. في وقت ما من المعركة، كنت مع ستة رفاق نقاتل بالسلاح الأبيض. فكدنا  نؤخذ باليد".

في ديسمبر 1934، غيرت المسيرة اتجاهها، فبدلا من الشمال أدرك القادة أن الوصول إلى الشمال قد يتطلب التوجه إلى الشرق أحيانا وإلى الغرب تارة أخرى. فتوجهت المسيرة فعلا إلى الغرب حيث لا ينتظرها العدو وحققت انتصارات غاية في الأهمية بالنسبة لمعنويات المناضلين. تركت المسيرة الخط المستقيم واعتمدت أيضا الخط الهجومي، وبذلك أخذت المسيرة وجها آخر نسْجه من المفاخر والبطولات.

كانت أول تلك البطولات اجتياز نهر ووجيانغ. يقول أحد المشاركين في مذكراته:" بدأ العبور عند الساعة التاسعة صباحا يوم الثالث يناير 1935 وعند الشاطـئ بدأ جزء من جنودنا مناورة هجومية. على مسافة كيلو متر إلى اليمين، وتحت حماية نار كثيفة، توجهت ثلاث زوارق تحمل العشرين من جنودنا إلى الضفة الشمالية، كان العدو يمطر زوارقنا بالرصاص ولكن مدفعيتنا ردت بعنف وكثافة حيث لم يتمكن العدو من دقة توجيه نيرانه. وصلت الزوارق إلى منتصف  النهر، وفي الوقت نفسه  لاحظ العدو أن كوماندوس آخر وصل إلى قدم صخرة الشاطئ، التى يوجد عليها خط ناره، عند ذلك ارتبك من تقدم الزوارق وفوجئ بوجود الكوماندوس على مقربة منه على الأرض الصلبة. عندئذ زدنا كثافة النيران وانفجارات القنابل، فأصاب العدو الذعر واحتل الكوماندوس الذي خرج من تحت أقدامه مركزهم الأول في الوقت الذي أرست زوارقنا على الشاطئ الشمالي، وإنهار خط دفاع الرجعيين".

بعد ذلك بيومين كانت المسيرة على أبواب مدينة زوني. تنكرت كتيبة أولى ، ترتدي زي الجيش الرسمي، ودخلت المدينة وفتحتها فكان انتصارا تاما وأتيحت للجيش الأحمر فرصة استراحة لمدة أسبوعين، كما تمكن من تكوين لجان ثورية وتأسيس قوات دفاعية محلية وقام بتوزيع عادل للثروة الموجودة بين السكان. كان الإنتصار في مدينة زوني بداية مرحلة جديدة والتحق بالجيش الأحمر 3000 متطوع، كما وضعت على جدران المدينة الصحف الجدارية التي تمجد الثورة والحرية والمساواة وأقيمت مهرجانات خطابية لشرح أهداف المسيرة الكبرى، ونُظمت تمثيليات مسرحية مرتجلة تهدف إلى توعية الشعب. في هذه المدينة علم الجنرال والقائد الشهير في المسيرة شوته أن ابنه الأكبر، وعمره 19 سنة، قد أسِرَ وأعدم على جبهة أخرى. شوته لم ينطق بكلمة واحدة واستأنفت المسيرة تقدمها نحو الشمال واحتلت مضيق لي شان الذي يقال عنه:"أن رجلا واحدا بإمكانه أن يوقف فيه جيشا من 10.000 رجل".

النزيف البشري في المسيرة مستمر فيجب  تعويض الخسائر الدائمة في الجيش، لذا صار العمل الدعائي بهدف تجنيد شباب جدد مهمة ملحة. كونت القيادة من أجل ذلك الهدف مجموعات عمل خفيفة تتقدم المسيرة من أجل العمل في الجماهير، ونتيجة لذلك العمل ولسمعة المسيرة الزاحفة وشجاعتها ولعملها من أجل الشعب والفقراء والمظلومين، التحقت بالمسيرة الكبرى أمواج بشرية هائلة عوضت الخسائر السابقة. فراق هؤلاء الشباب لعائلاتهم نحو المجهول، وبدون أي تعويض مادي، من أجل الثورة فقط، له طابع التجرد المطلق وطعم السمو المبدئي. منهم باقون في القرى من الأهالي يشجعون المتطوعين بالقول الصيني المؤثور: "من ليست له القوة ليفارق زوجته اللطيفة هذا الإنسان لن يكون أبدا رجلا".

في هذه المرحلة، اشتدت المطاردة بالطائرات والمدفعية، ووصل الجنرال اتشانك كاي شك بنفسه ليقود العمليات من مدينة اكيانغ وهي على طريق المسيرة. فلم يبق للمسيرة الثورية الضخمة إلا المناورة، فتوجهت مباشرة إلى مدينة اكيانغ متظاهرة بأنها تريد مهاجمة العاصمة الإقليمية التي يقيم فيها رئيس الدولة الرجعي. ولكن على مقربة من المدينة اتجهت المسيرة فجأة إلى الغرب وتقدمت بسرعة فائقة: 60 كيلومتر لليوم. وهنا وقعت شبه معجزة:إلتقت المسيرة الكبرى وهي مطاردة من طرف الطيران ومطوقة من طرف الجيش البري مع جيش إقليمي ثوري في إقليم يونان كان ينتظرها وقد فتح لها طريق التقدم. فانتصر من جديد الجيش الثوري على الجيش الرسمي. في هذا اليوم أصيبت زوجة ماو اتسي تونغ بأشلاء قنبلة، إلا أنها نجت في النهاية.

بعد هذا النصر بأيام، تعرضت عقبة جديدة هائلة وهي عبور نهر يانغ زيجيانغ في المكان الذي يُسمى فيه نهر الرمل الذهبي، والذي عرضه 300 متر ويتدفق بسرعة 5 متر في الثانية. بالرغم من الرياح والأمواج وحراس جيش اتشانك كاي شيك اجتاحت الطلائع النهر وأمّنت الضقة الشمالية. عبور المسيرة بكاملها دام 9 أيام وتسعة ليالٍ. بعد العبور دُمرت الزوارق واستمر السير.

 بدخول إقليم سيشوان شعر معظم المقاتلين بالغربة. رجال السهول الجنوبية اللا متناهية، يخشون تضاريس هذه الأرض وخاصة هذه الجبال الضخمة التي تتساقط عليها الثلوج، وهم يرونها على البعد. إنهم يخشونها مرتين، مرة لطبيعتها ومرة إذا عرفنا أنها وَكْر شعب مولع بالحرب، وهو شعب لولو.

شعب لولو هو أحد تلك الأعراق التي يربو عددها على الخمسين عرقا والتي يسميها الصينيون "الأقليات الوطنية" والتي تتواجد أساسا في المناطق الحدودية. يبدو أن بعض هذه المجموعات الأثنية كانت تحتل في كل العصور المناطق الجبلية، إلا أن بعضها قد أُرْغم، عبر الزمن وتحت وطأة المحتلين، على التخلي عن الأراضي الزراعية الخصبة واللجوء إلى الجبال الوعرة وغير المنتجة. إن شعب لولو مشهور بغزواته الفتاكة وباختطافه للسكان الآخرين من أجل جعلهم عبيدا، وهو ينقسم إلى طبقتين: الأسياد وهم لولو السود ـــ وهم فعلا سمر وغير صينيين ـــ ويمثلون عشرة بالمئة من السكان، ولولو البيض وهم العبيد المملوكون. منذ دخول المسيرة أرض لولو، الجيش يتقدمه الجنرال لين بياو والجنرال ليو بوشينك ويسير بطوابير متقاربة وبحذر شديد لأن شعب لولو له سمعة سيئة وينقض على من تأخر. كانت الاتصالات الأولى معهم صعبة. يقول أحد المشاركين في المسيرة الكبرى: "في البداية، كان اللولو، عندما يرون جيشنا يطلقون صرخة حرب طويلة وينقضّون علينا برماحهم، كفرق النحل الهائج، كما أن اللولو لهم خبرة فائقة في المصادرة، ولم نَرْتَحْ للقاء من هم أكثر مهارة منا في هذا المجال. إننا عبأنا جميع جيشنا من أجل تقديم الهدايا للولو  لكي نحصل على إمكانية المرور بدون خسائر فادحة ولكنهم لايرضون بشيء ويأخذون ماوقعت عليه أبصارهم ويمضون في الخشونة إلى حد بعيد حتى تفتيش جيوب المناضلين، ولكن الطريقة الوحيدة للحفاظ على أرواحنا هي الإبتسام والصبر."

 

      عند وصول المسيرة إلى مدينة ميا نينغ وفتحها، وهي تحت سيطرة سلطات كيو مينتانغ، بادر الثوريون بفتح السجن، فوجدوا به الكثير من أفراد شعب لولو. وكان هؤلاء المساجين، وعددهم يزيد على مائتين، في حالة يرثي لها: بعضهم لم يعد قادرا على الوقوف وحَمَلَهُ جنود المسيرة على ظهورهم ليخرجوه الى ساحة عامة. 

عندما وجد الناس أقاربهم في هذا الوضع المأساوي بكى الكثير منهم، ومن وجد أن قريبه قد مات في السجن أصابه النحيب. أمام هذا الألم الجماعي، سالت دموع الثوريين الأشداء. كان المطلق سراحهم يشكرون ويمجدون جنود المسيرة لأنهم أنقذوا حياتهم، أما أقارب أولئك الذين ماتوا في السجن فكانوا يتعلقون بالمحررين يستنجدونهم من أجل الانتقام لموتاهم. الجنود كانوا يواسون الجميع ويبكون بدورهم من شدة التأثر بهذا المشهد الأليم ويتعهدون بالقضاء على هؤلاء التافهين، جنود اتشانك كاي شيك.

عملية إطلاق سراح المساجين خلقت وضعا جديدا من التعاطف من طرف اللولو، وفي غمرته بادر المفوض السياسي للجيش السادس، الشاب وانغ شنغ، بالاتصال مع رئيس اللولو، يديا، ونظم لقاء بين الجنرال الأعور ليو بوشنغ وهذا الرئيس.

اللقاء تم على شاطئ بحيرة إسمها هيجبيان ونتج عنه ابرام معاهدة صداقة تُوّجت بما يعرف عند اللولو "بقَسَم الدم" وهو عبارة عن العملية التالية : ذَبَحَ رئيس اللولو  دجاجة وسيّل قطرات من دمها في قدحين بهما ماء وهو يكرر العبارات التالية : "اليوم الرئيسان ليو بوشنغ ويديا صارا شقيقين بالدم، وليموت منهم من خان الآخر مثل هذه الدجاجة". بعد ذلك، أخذ الجنرال ليو بوشنغ الإناء الآخر وقال بصوت عال لكي يسمعه الجميع : "أنا ليو بوشنغ ويديا أصبحنا اليوم شقيقين بالدم. نحن مستعدان لأن نحيا ونموت معا، ولأموت مثل هذه الدجاجة إن خنت يميني".

الجنرال ليو بوشنغ من أبرز جنرالات الجيش الأحمر الصيني إلى جانب شوته ولين بياو وشن يي وبنك دهوي، وهو دبلوماسي رائع ورجل توافق، ومصالحة، كما أنه استراتيجي ماهر.

بعد مراسيم حفل "قسم الدم" رافق رئيس اللولو محاطا بالكثير من محاربيه المسيرة الكبرى إلى أقصى نقطة من إقليمه، هناك أعطى الأمر لعشرين من عبيده ـ اللولو البيض ـ أن يكونوا أدِلاّءَ للجيش الأحمر في طريقه نحو الشمال وأن يبقوا معه لتعلم أسلوبه في القتال.

في الرابع والعشرين من مايو 1935 وصلت طلائع المسيرة إلى مدينة آنشنشانك على شاطئ نهر دادو في المكان الذي سُحق فيه تمرد تايبنك قبل 72 سنة. في هذا المكان الرمزي الذي يمتاز بصعوبة ظروفه ومناخه، عبأ الرجعي تشانك كاي شك قواته وطلب من أمراء الحرب المحليين أن يُعيدوا التاريخ بالقضاء على التمرد الجديد. قال الماريشال شوته "تذكرنا القول الشهير : إن التاريخ يتكرر مرتين، المرة الأولى على شكل دراما والثانية على شكل مهزلة". المسيرة الكبرى تخدع التاريخ وتفوز حيث فشل روادها في القرن التاسع عشر، التايبنك، عندما خسروا معركة حاسمة.

مرة أخرى خلقت بطولة مناضلين أشاوس المعجزة. بالرغم من نيران الرشاشات، بالرغم من الأمواج المخيفة لهذا النهر المتدفق من الجبال الشاهقة فإن الزورق الأول أرسى على الضفة الأخرى وكوّن رأس جسر، ولكن لواء الجنرال لين بياو هو وحده الذي تمكن من الاجتياز. بعد ذلك تدخل الطيران وأرغم معظم قوات المسيرة الكبرى على الانسحاب من هذا الموقع والتوجه نحو جسر ليدنك في عالية النهر، وبدأ السباق بين الأطراف المتصارعة نحو الجسر.

يتذكر أحد قدماء المسيرة الكبرى : "أُعطي لنا الأمر أن نجتاز المسافة وهي 160 كلم في ثلاثة أيام. اتبعنا دربا صغيرا متعرجا ووعرا يحفه، من جهة، جدار جبل عمودي تغطيه الثلوج وتغيب رؤية قممه في عناق السُّحب، ومن الجهة الأخرى سهل سحيق تجري فيه مياه الدادو المضطربة. إنعكاس بياض الثلوج الأبدية يضرب عيوننا والبرد القارس يخترق أجسادنا. لا نضع أقدامنا على موضع إلا بحذر شديد وكان المثل القائل : "كل خطوة غير محسوبة ثمنها ندم دائم" في مكانه. لم يكن الخوف من الخطر هو الذي يلاحقنا وإنما إلحاح الوصول إلى جسر ليدنك".

ويضيف شاهد آخر "كلما كانت الصعاب والعراقيل ضخمة زاد دور العمل السياسي، لذا وجهنا نداء إلى خلايا الحزب ووضحنا لهم الصعوبات التي تواجهنا وضرورة الوصول في صباح الغد إلى جسر ليدنك". إن عبور جسر ليدنك وحده يلخص مآسي المسيرة الكبرى بأكملها.

وصلت بالفعل المسيرة إلى الجسر عند الساعة السادسة صباحا في الموعد المنشود يوم 29 مايو 1935، بعد ليلة برد تباهي الذئاب بالمشي تحت المطر اللا منقطع. إن جسر ليدنك عبارة عن جسر قرد على نهر مضطرب. إن سلاسل الجسر تتمايل على النهر في الفراغ لأن السلطات نزعت خشب الجسر للحيطة.

وفي مقابل الجسر، على ضفة النهر الآخرى، فيلقان للعدو مدججان بالسلاح يسيطران على المدينة ومدفع رشاش ثقيل يكنس الضفة التي وصلتها طلائع الجيش الأحمر. لم يبق إلا المرور أو الموت. لابد من العبور على هذا الجسر وطرد حامية العدو.

إنهم كانوا في وضع يشبه الوضع الذى تتحدث عنه حكاية سحق الملك هان هسين لدولة شاوو القديمة، ما قبل الميلاد، وهي كالتالي:

غادر هان هسين موقعه، وهو مضيق البئر، في الصباح الباكر، قبل الفطور، ورمي بجيشه في مكان الخطر مرتّبًا إيّاه في خط قتال مريب، حرق بواخره وكسّر أدوات طبخه ووضع النهر عند ظهره، أما جيش شاوو العدو فكان أمامه. بالنسبة لهان هسين كان على جيشه إما أن ينتصر وإما أن يغرق في النهر.

عندما رآه جنود شاوو من فوق متاريسهم تفجّروا يقهقهون ضحكا ويسخرون منه بالعبارات التالية: " هان هسين لا يعرف الحرب" .

سحق هان هسين جيش شاوو، وبعد أن تناول الفطور، على حساب، وفي أواني العدو، قطع رأس سيّد شاوو.

أمام الجسر طلب القائد الأمامي للمسيرة عشرين متطوعا فتطوع أكثر من 100 مقاتل. بدأ المتطوعون العشرون العبور عبر السلاسل المعلقة في الهواء، رؤوسهم وبنادقهم مدلاّة نحو النهر الهائج ويتقدمون، مثل القرود، بأيديهم وأصابع أقدامهم. فجأة بوق الجيش الرسمي يصرخ منذرا بالخطر ومدافعهم تفرقع وصوت على بعد يأمر : "أقتلوا ... أقتلوا!" سرية المتطوعين العشرين تتقدم. قائدها أصابته رصاصة وسقط في النهر وجرف جثمانه التيار المائي القوي، وسقط ثان وثالث والباقون يتقدمون، يشجعهم صياح وهتاف رفاقهم على الأرض. وصل في النهاية معظمهم إلى الضفة الأخرى واستقبلهم رصاص العدو إلا أن أغلبهم إجتاح جدار النار بقفزات جنونية وشجاعة فظيعة. وبمفعول رمي قنابلهم السريع والمتلاحق استطاعوا السيطرة على المدفع الرشاش وطرد حامية رأس الجسر. وراءهم كان جيش المتمردين يقطع بسرعة البرق الأشجار لتعويض خشب الجسر ويسيطر على الممر وبدأ ينهال على الضفة الأخرى، فهرب العدو مذعورا وسقطت في لحظة مدينة ليدينك.

معركة جسر ليدينك لم تزد على ساعة زمانية. سقط من سقط وهم بالعشرات، الجرحى والمحروقون لا يمكن حصرهم، ولكن، مع خطورة وجُرأة المجازفة المسيرة الكبرى ستستمر ... وذلك ثمرة روح التضحية العالية والتضامن المطلق وعناد هؤلاء الثوار الذين محوا التراجع من قاموسهم وقرروا أن التقدم قدر محتوم وتجرؤوا على طبيعة قاسية ومناطق يجهلونها وأن يواجهوا مهما كانت المخاطر، عدوا يفوقهم بالعدد والعتاد وخاصة السلاح الثقيل والطيران.

بعد هذه الواقعة واصلت المسيرة تقدمها في صعود متزايد في الارتفاع، في جبال تغطيها الثلوج وتزداد برودة وسوء ضيافة.

هنا يقع جبل مينيا كونكا الذي يصل إرتفاعه إلى 7600 متر! حتى السهول التي تمرّ بها المسيرة قد يصل علوُها 3000 متر. الصيف يقترب ومع ذلك فإن الثلج يتساقط بالدوام نتيجة للارتفاع. الليالي الباردة تُثلج هؤلاء الرجال الجنوبيين الذين لا يملكون حتى معطفًا.

إن المسيرة الكبرى أخذت في تلك الأيام ملامح انسحاب جيش نابليون من روسيا، ملامح تارة مأساوية وتارة أخرى بطولية أسطورية.

أحد المشاركين يتذكر : "المحطة الأخيرة للوصول إلى القمة لم تكن طويلة ولكن كل خطوة تتطلب مجهودا هائلا. عند 200 متر من القمة، كان الهواء نادرا بدرجة أصبحتُ أتنفس بصعوبة فائقة ... إنتابني الدٌوار وصرت فجأة أسود البشرة، وأستقيم واقفا بأعجوبة، أقوم بخطوتين إلى الوراء من أجل خطوة واحدة إلى الأمام. وأنا أجاهد من أجل التقدم أقول في نفسي لن أصل إلى القمة. أقوم بجهد مرعب لأستقيم على قدميّ، لأنني أعرف جيدا أنني إذا اسقطتُ لن أستطيع الوقوف من جديد. سمعت فجأة وراء ظهري صوت سقوط شيء على الأرض تبعته صرخة. التفتُ بصعوبة، وكأن لدي حيلة، ورأت عينيّ المضطربتين أحد الحمالين ملقى على الأرض ـ على الثلج على الأصح ـ وكل حمولته إلى جانبه. كنت في هذه المرحلة من العجز والصراع اليائس عندما التحق بي عناصر الربط وأخذوا بيدي. وبعد حين، شيئا فشيئا، شعرت بالراحة وعودة بعض القوة. أمامنا حقل من الجليد والثلج لا مُتَنَاهٍ ولكن أقدام الجيش الذي تقدمنا حفرت في الثلج سبيلا كالخندق بين جدارين من الثلج بقامة شخص، وعلى حافتي هذا الطريق الذي داسته آلاف الأقدام سقطت، ملقاة على الأرض، جثث الكثير من رفاقنا. إنهم قاوموا حتى آخر نفس من أجل سعادة شعبهم، وفي النهاية ناموا في ثلج القمم."

إن الثوريين الصينين عاشوا هنا حلقة مأساوية من أقسى مراحل المسيرة الكبرى. الخسائر كانت مروّعة.

مرة أخرى، المراهق الذي كان مرافق ماو تسي تونغ والذي علمه ماو نفسه الكتابة والقراءة يتذكر : "وصلنا أخيرا إلى القمة. هنا الأرض يكسوها الثلج فتجمع الرجال مجموعات من ثلاثة وخمسة يستند كل واحد منهم إلى الآخر، أما البعض، وهو منهك، فاسْتَلْقَى على الأرض لا مُبَاليًا بالثلج. عند هذا المشهد توجه إليهم الرئيس ماو وقال بلطف : "أيها الرفاق ليس من الممكن أن نمكث هنا. الهواء قليل، من الخطير أن نتأخر في هذا المكان، نحتاج مجهودا قليلا لنلتقي مع جيشنا في الجبهة الرابعة، على الطرف الثاني من الجبل." بعد هذا التوجيه إنتفضنا في حركة واحدة وبدأنا بنشاط جديد مرحلة الهبوط من رأس الجبل نحو السفح الآخر".

المسيرة الكبرى تناقصت كثيرا خلال الأشهر السبعة نتيجة للإصابات في المعارك، والجوع والمرض وبرْد الجبال الشمالية. فهي لم تعد تزيد كثيرا على 30.000 شخص، بدلا من مائه وثلاثين ألفا عند انطلاقها.

في سفح الجبل، وجدت المسيرة فعلا الجيش الرابع وعدده 45.000 رجلا وحصل اللقاء في جو ابتهاج منعش بعد الخروج من آخر شرك وهو شرك جبال جياجين الفتاكة.

في نهاية شهر أغسطس آب 1935، صار الهدف قريبا ولكن امتحاناً أو محنة غير منتظرة أخيرة تنتظر المسيرة وهي وحل المروج الفظيع واللا متناهي.

فقد الجنود كل طاقاتهم في ذلك الوحل وهم يقطفون كل ما رأوا من نبات وفاكهة برية وفطر مهما كان نوعه وطعمه للتغذية.

يقول أحد القادة في مذكراته : "من فوق أبسط مرتفع بالإمكان النظر إلى هذه المساحة اللامتناهية، تلك الفيفاء المظلمة. يُخيّل للإنسان أنها محيط بلا ساحل. في الأيام التي لا تظهر فيها الشمس فإن الاهتداء فيها من المستحيلات. المروج تتخللها مستنقعات كثيرة يغوص فيها بدون رجعة من جانبه الحظ أو غامر بنفسه أو ضعفت يقظته".

مستنقعات هذه المروج كانت من محطات المسيرة المفجعة. طوابير من الجيش بأكمها إلتهمتها تلك المستنقعات المتحركة، الاسفنجية.

المرج تتخلله إلى جانب المستنقعات الوحلية، ربوات صغيرة تنبت فيها أعشاب، فعلى الشخص أن لا يضع قدمه إلا على الربوات.

كانت حادثة الحبل الذي يذكره ماوتسي تونغ في احدى قصائده ترجع إلى هذا المشهد الهلوسي، وهو حبل طويل فتله أحد قادة الطلائع الأمامية بعد أيام من الخسائر المتلاحقة ليبين به الطريق السالكة لبقية المسيرة.

أصبح من القاتل في هذه السُّهُوبِ الموحلة أن تضيّع الحبل. إن هذا الحبل أصبح بمثابة سلك الحياة. "بعد الظهر، في اليوم الخامس، يقول أحد القادة، كنا نستدفئ تحت الشمس، في بقعة معشبة، عندما تغير الطقس فجأة. رياح عنفية غلفتنا بسحب سوداء، كأنها شياطين شريرة تنقض على فرائسها، ثم بدأ الثلج يتساقط، بداية متصلب، بقدر بيضات الحمام، ثم الثلج الناعم العادي. للوقاية من شدة البرد تجمع الرفاق، يرصّ بعضهم البعض، كل جماعة تخفي رؤوسها تحت غطاء واحد. عندما انتهى تساقط الثلج قام الرجال ينفضون أغطيتهم من الثلج وأحيانا يساعد بعضهم البعض على الوقوف، ولكن عند الذهاب كان من المستحيل الحصول على الحبل الثمين. بدأنا نبحث في الأرض وطبقة الثلج بأصابعنا وكأننا نبحث عن إبرة ولكن لم نعثر على الحبل ...

لم يكن عندنا حطب لنشعل النار والبرد كان مخيفا : صار الاختيار عندنا بين البقاء في هذا المكان المشؤوم أو التقدم ليلا والمخاطرة بإمكانية السقوط في المستنقعات الغادرة".

على ذكر الحبل، هذا مقطع من إحدى قصائد ماو يقول فيها تقريبا ما يلي :

                  لسنا رجالا إذا لم نصل سور الصين العظيم

              فإننا نعدّ في أصابعنا مسيرة 20.000 لي

             على قمة جبل لي أو بان

             راياتنا ترفرف حسب مشيئة رياح الغرب

             اليوم نشدّ في أيدينا الحبل الطويل

             متى نوثق به التنين الأخضر؟ ـ يعني اليابان.

إجتازت فعلا المسيرة الكبرى امتحان عبور مروج المستنقعات المرعب وهو ما لم يقدم عليه من قبل إلا قلة قليلة من المغامرين أو الفارين من خطر فائق.

عبور المروج خلف آلاف الرجال : من سقط في المستنقعات المذهلة، من تاه، من مات جوعا أو من شدة البرد. الفلاحون الذي استقبلوا الناجين لم يصدقوا عيونهم ـ هل هم أمام إنس أم جنّ ـ لأنهم أولا لم يروا من قبل جماعة خارجة من المروج الوحلية وثانيا لأن هزال أجسام رجال المسيرة مخيف وبالرغم من ذلك هم بمفارقة غريبة يتقدمون في طوابير منتظمة.

بالرغم من الإرهاق وهزال الأجسام جنود المسيرة كانوا يكررون أمام الفلاحين هذا النشيد العاتي أصواتهم تعانق السحب وتزلزل السهل الفسيح :

           الجيش الثائر له ثلاث رسالات :

           النصر على الامبريالية

           القضاء على الاقطاعية

           توزيع الأرض وبناء سلطة البروليتاريا.

بعد المروج توجه الجيش الأحمر نحو إقليم شئان كسي للالتحاق بقوة أخرى من حزبهم تقيم قرب النهر الأصفر.

الجيش الرسمي قد فاتته الفرصة. لكن سكان هذه المناطق النائية من تبت ومسلمين هم حلفاء نظام اتشانك كاي شك فبدءوا بدورهم يلاحقون الناجين من المسيرة الكبرى.

يتذكر، في مذكراته مرافق ماوتسي تونغ الذي كان آن ذلك مراهقا، إحدى المعارك مع هذه الأقليات الوطنية : "يوم المعركة كنت مع الرئيس على قمة مرتفع، أصلع من رأس كاهن بوذى، لا تنبت فيه شجرة واحدة ولا عشب. بدأت المعركة بدون سابق انذار ... فرقعة مدافعنا ردّ عليها صهيل الخيل التي فقدت فرسانها وتعدوا في كل اتجاه. النار كانت كثيفة من الطرفين ... تمكنتُ من رؤية الفرسان يسقطون من فوق سروجهم ويتدحرجون على الأرض وأحيانا الرجال والبهائم تهبط من الجبل وتتدحرج حتى السفح. بعد هذه المعركة الدامية هربت هذه العصابات بدون رجعة ولم تصرّ بعد ذلك على لقائنا".

أخيرا جاء الوقت المنتظر، المسيرة الكبرى تطأ الأرض المعتدلة والسهول الخصبة، وتلتقي مع الجيش الشمالي. نحو رفاقهم واللافتات التي ترحب بهم فإن مشاة المسيرة الكبرى يتقدمون بنظام، بالرغم من الجروح والأمراض وهزال الأجسام والثياب الرثة. أجسادهم دبغتها الشمس والرياح والبرد الشديد والبقاء ليلا ونهارا في العرى مدة سنة بأكملها، لا يبالون بشيء سوى خلاص الصين من السيطرة الأجنبية ونجاح ثورة المساواة.

خط السير الذي فرضته الظروف للمسيرة لم يتفاد، أي نوع من الصعوبات : الأنهار المضطربة، الجبال الثلجية، الصحاري الخالية من السكان والمأوى، دون أن ننسى فقر الثياب الشديد، وضعف، بل إنعدام، المعاش في كثير من الأحيان، ناهيك عن صعوبة علاج الجرحى والمرضى.

لاشك أن المسيرة الكبرى إحدى نوادر التاريخ وعجائب الزمن : مسيرة على الأقدام تدوم سنة وثلاثة أيام، تقطع مسافة 12.000 كلم، تعبُر 18 سلسلة جبلية من بينها 5 مغطاة بالثلوج الأبدية و 24 نهرا، تجوب 12 إقليما، تستولي على 62 مدينة، تقضي 15 يوما في معارك مواجهة أساسية وتقوم بثلاث مائة مناوشة عسكرية ثانوية.

القادة التاريخيون الثلاثة للمسيرة هم ماوتسي تونغ و شو ان لاي والماريشال شوته  إلا أن القادة الأساسيين الذين سيشتهرون فيما بعد في الدولة لمدة ستين سنة كانوا في معظمهم في المسيرة أمثال : ليي شاوشي الذي صار رئيسا للجمهورية والجنرال لين بياو الذي كان في فترة ما هو الخلف للرئيس ماو، الماريشال شن يي الذي كان وزيرا للخارجية، بنك دهوي  الذي كان وزيرا للدفاع في الخمسينات، دنك هسياو بينك الذي صار هو الرجل القوي في الصين بعد موت ماو عام 1976 وحتى عام 1997، الماريشال يه  جيانك ينك الذي اشتهر مرات عديدة خلال المسيرة الكبرى والذي صار وزيرا للدفاع في مرحلة متأخرة وحتى عام 1981، كاو كانغ الذي استمر لعدة عقود من الزمن في قيادة الحزب، ليي رويكنك الذي كان رئيسا للأركان وصار ضحية للثورة الثقافية ثم أعاد له دنك هسياو بينك الاعتبار وكان عضو القيادة في الثمانينات، شن يون الذي كان نائبا لرئيس الوزراء بعد انتصار الثورة عام 1949 والذي استمر كعنصر أساسي في قيادة الحزب بدون انقطاع حتى منتصف الثمانينات، وغيرهم.

 

في كهوف ينان

 

انتهت محنة المسيرة الكبرى والآن تبدأ تجربة حرب التحرير القاسية. كانت الحرب إلى الآن ضد النظام الرجعي والهيمنة الغربية على الصين، الآن اجتاح اليابان الصين وأصبحت المهمة الملحة هي الكفاح ضد اليابان وتأجلت إلى ما بعد المهمة السابقة. على الناجين من المسيرة الكبرى أن يُضمّدوا جراحهم بسرعة وأن يواجهوا قدرهم الجديد، أن يكونوا في مستوى الطموح الخيالي الذي حددوه لأنفسهم : مواجهة الجيش الياباني الجبار وتثوير مئات الملايين من الصينيين الفقراء والأميين الممتدين على مساحة تفوق مساحة موريتانيا تسع مرات ... كما يقول ماو تسي تونغ عن اتساع الصين : "عندما يسدل الليل ستاره في الشرق الصيني فإن الشمس ما تزال تلمع في الغرب وعند ما تُغطي الظلمات الجنوب فإن الشمال لا يزال في الضوء".

بمحض التوقف عند الحساب الرياضي الموضوعي فإنه إما المحال وإما الجنون، ولكن ليس هذا ولا ذاك إنه الحساب الذي يصل إليه الثوريون المهنيون ومن بين هؤلاء أولئك الذين هم على يقين من أنهم ينظرون إلى حقيقة قد لا يراها الآخرون بنفس السطوع الباهر ونفس الحرارة المحرقة ونفس الالحاح الفاتن. إن من برهن على عظمة حقيقية وعلى ذلك المجهود المرعب وعلى إرادة لا تلين، مثل الناجين من المسيرة الكبرى، قد تبدو له كل التحديات مجرد عقبات يتطلب اجتيازها ترتيبات عملية أو استراتيجية. غيرهم قد يقول لا حول ولا قوة.

استقر الثوار في مدينة ينان الصغيرة وعلى الأصح في الجبال المحيطة بها آخذين من الكهوف منازل ومكاتب منيعة لمدة أربع عشرة سنة. تأسست بذلك القاعدة المحررة التي كانت هي المنطلق وهي مركز الاشعاع. وكانت المهمة الأولى الحصول على منخرطين ومجندين جددًا لتعويض الخسائر الفادحة ولمواجهة الأقدار الجديدة والمتجددة باستمرار بدون شفقة.

 جاء الفلاحون والمثقفون وجميع أنواع الوطنيين من كل أنحاء الصين تغريهم تجربة المسيرة الكبرى وتلك الحياة الصافية المبنية على المبادئ الانسانية والمساواة في ينان، فإرتفع عدد سكان المدينة الصغيرة من خمسة آلاف إلى مائة ألف.

كانت من أولى خطوات الحزب تأسيس مدرسة سياسية يديرها بنك شن لتكوين وتأهيل المناضلين وإعطاء العمل الثقافي والعقائدي أولوية الأولويات كما يجب لمن يريد ثورة تاريخية.

من أجل وضوح وتوضيح الرؤية، الذي بدونه يكون النضال صراع زنوج في نفق، كتب ماوتسي تونغ عدة مؤلفات أساسية نظرية وعملية، من بينها :

  • في التناقض
  • المسائل الإستراتيجية في حرب العصابات.
  • حول الحرب طويلة المدى.
  • أحاديث ينان عن الفن والأدب.

ألّف ماوتسي تونغ كتبه وهو يعيش في الكهوف الثلاثة المتوالية في الجبل.

يقول في كتابه " في التناقض " : إن سبب التغيير وتطور الظواهر يكمن في التناقضات الداخلية للأشياء والظواهر نفسها. كل حقيقة، سواء كانت طبيعية أو اجتماعية تنطوي على تناقضات هي مصدر حركتها. الأسباب الخارجية لا تخلق إلا تغيرات كمية، حركات ميكانيكية. هذه الأسباب الخارجية لا تؤدي تأثيراتها إلى نتائج إلا عن طريق الأسباب الذاتية. لذا يرى المؤلف أن الهزائم التي منيت بها البروليتاريا الصينية في انتفاضة 1925 و 1927 و 1929 تأتي من الاخطاء الانتهازية، ثم المغامراتية التي ارتكبها الحزب الشيوعي أكثر مما تأتى من تفوق البورجوازية.

ثم يتعرض الكاتب إلى خصوصية التناقضات التي يأتي حلها أساسا عن طريق التمييز بين التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية. تحديد التناقض الرئيسي في وقت محدد بالنسبة لبلد معيّن هي المهمة الأولى للثوري. الدغماتي هو من لا يدرك انتقال أو تحول التناقضات. على سبيل المثال : الحقيقة أن في بلد شبه مستعمر كالصين، في بداية القرن العشرين، التناقضات بين الطبقات تصبح ثانوية بالنسبة للتناقض بين الاستقلال الوطني والامبريالية. كذلك ديالكتيك التناقضات يسمح بالقول إن التطورات السياسية والثقافية قد تصبح حاسمة، في وضع معيّن، حتى ولو كانت بشكل عام، القاعدة الاقتصادية هي المؤثرة.

إذا أضفنا إلى هذا التحليل دراسة نواحي كل تناقض ـ الجانب الرئيسي والجانب الثانوي ـ اللذان يتطوران بشكل غير متساوٍ ويتبادلان المواقع في سيرورة التاريخ وصراع المتناقضات وتحولها المتبادل فإننا نُكمل المشهد المعقد.

حسب أطروحة ماوتسي تونغ فإن السيطرة على قانون التناقض يجنّب الثوريين الأخطاء الدغماتية من جهة والبرغماتية والتجريبية السطحية من جهة أخرى، وهما انحرافان يهددانهم باستمرار.

نظرية الحرب الشعبية تعرض القواعد التكتيكية والقواعد الاستراتيجية في وحدتها الجدلية وتعني في نفس الوقت كل عمل سياسي أو عسكري. والفكرة الأساسية هي أن تسحق القوى المعادية الوحدة تلو الأخرى بحشد كل مرة قوى متفوقة. "الطريقة: واحد بعد الآخر" تقتضي أن لا تدخل المعركة إلا إذا كنت ستكون منتصرا وتتطلب التكتيكات التالية: "إذا تقدم العدو نتراجع، إذا استقر نهاجمه، وإذا أُنهك نضربه، إذا تراجع نطارده حتى النصر النهائي".

علينا أن نعوّض التفوق الاستراتيجي للعدو بالتفوق التكتيكي. إذا كنا استراتيجيا واحدا ضد عشرة فعلينا أن نواجه العدو تكتيكيا بعشرة ضد واحد.

كما أن العدو الامبريالي متفوق في المجال الفني للسلاح فعلينا في المرحلة الأولى أن نتبع استراتيجية دفاعية لأن الحرب الشعبية تكون دائما حربًا طويلة المدى. في هذه المرحلة يجب علينا أن لا ندخل إلا معارك سريعة (واحدة بعد الأخرى) نستعمل بالتناوب التركيز والتشتت.

المرحلة الأخيرة هي مرحلة الاستقرار الاستراتيجي (العدو يستقر) يتلوها الهجوم المضاد الاستراتيجي الذي يجعل من الانتصارات الصغيرة المتراكمة سابقًا انتصارا كبيرا. في نظرية الحرب هذه فإننا "نزدري بالعدو من النظرة الاستراتيجية" ولكن على المستوى التكتيكي يجب أن نعتبره جيدا.

المؤلف الأخير يناقش موضوعا كان محل جدل آنذلك بين أنصار "الفن للفن" ومن يرون أن الفن، بما فيه الأدب، يجب أن يكون له هدف اجتماعي وسياسي.

كان ماوتسي تونغ يدافع عن مفهوم "المحارب الثقافي" الذي من واجبه التحرر من عاهتين: الاقطاع الذهني، أي التقاليد، والامبريالية الثقافية، أي تأثير الغرب. الخط الذي يدافع عنه ماوتسي تونغ هو أن تكون الثقافة انعكاساً إيديولوجياً للسياسة والاقتصاد الجديدين وأن تكون في خدمتهما، وبعبارة أخرى أن يكون الأدب والفن في خدمة الشعب، كما يجب على الكتّاب والفنانين أن ينسجموا مع الشعب وان يعيشوا حياة الفلاحين البسطاء، ومن هنا جاءت ضرورة دورات المثقفين في الأرياف وداخل ورشات العمل اليدوي في المدن.

في تلك الظروف أيضا كتب ليي شاوشي كتابه : "كيف تكون شيوعيا جيدا".

بلغ الحزب في تلك الفترة مرحلة متقدمة من الانسجام ووضوح الاهداف المرحلية والبعيدة، نتيجة ربما للعُزلة التي فرضها على نفسه أو فرضتها عليه الظروف، كما وصل إلى مستوى متقدم ونادر من الجماعية في القيادة.

في مؤتمر الحزب لعام 1937 ألغى منصب الأمين العام وصار على رأسه عدة أمناء متساوون، هم : وانغ منغ، أمين عام سابق، ماوتسي تونغ، شو أن لاي، شوته، بوقو، أمين عام سابق، شانغ كواتو، كانك شنك وشن يون. والحق أن الحزب لم يعرف في جميع مراحله إلا القيادة الجماعية، سواء كان ذلك في عهد ماوتسي تونغ أو في عهد دنك هسياو بينغ. صحيح أنه حصلت صراعات داخل الحزب ولكن بين خط عقائدي وآخر، لم يكن الهدف منها ولم يحصل أن توّجها حكم الفرد. في عنفوان انتصار خط ماوتسي تونغ في زمن "الثورة الثقافية" وهو مبجل في جميع المنابر لم يقبل على سبيل المثال طرفا يقوده شوأن لاي أن يكون الشعار الرسمي المرفوع هو فقط ضد كونفيشيوس ـ وهو ربما يُنعت بذلك ـ دون أي يكون يرافقه شعار ضد لين بياو ـ وهو ربما ينعت ماوتسي تونغ في التطرف إلى حد ما ـ فصار الشعار مزدوجا "بي - لين، بي - كونك" (كونك هو كونفيشيوس بالصينية).

وعندما اتهم دنك هسياو بينك بخيانة شنيعة أيام الثورة الثقافية، وهي الميول البرجوازية، لم يُقصَ من المكتب السياسي.

في عهد دنك هسياو بينغ كان بنك شن، الناجي من الثورة الثقافية والذي ظن الكثير من الأجانب أنه أعدم عام 1966 ـ وهي عادة غير مألوفة للقادة في الصين الشعبية ـ هو الحَكَم وعمره 85 سنة بين الأطراف في الحزب ويقول لدنك هيساو بينغ عام 1987 : "نعم للتحديثات الأربعة ولكن بشرط أن يرافق ذلك مكافحة الليبرالية البورجوازية والتلوّث الفكري".

كان من الأحداث التي شاهدتها مدينة ينان عاصمة الثورة النائية زواج ماوتسي تونغ ب شيانك شينك، زوجته الشهيرة التي لعبت دورا سياسيا بارزا في الستينيات والسبعينيات كعضو في اللجنة المكلفة بالثورة الثقافية والتي ستتهم بعد موته بالتطرف اليساري كعضو في "عصابة الأربعة".

كانت زوجة ماوتسي تونغ الأولى قد تم القبض عليها من طرف نظام اتشانك كاي شك مبكرا وأعدمت رميا بالرصاص، أما الثانية فقد اتهمها أبناؤه من الزوجة الأولى بالمعاملة السيئة وتم استخلافها، على رغبة هؤلاء الأبناء الحديثي السن، بشيانك شينك. كان القادة الأساسيون، أمثال ليي شاوشي و شو أن لاي وشوته متحسسين من الزواج الجديد الذي رافقه طلاق إلا أنهم قبلوه على مضض بشرط أن لا تتدخل الزوجة الجديدة في الشؤون السياسية. غيّرَت بالمناسبة زوجة ماوتسي تونغ الجديدة إسمها : كانت "التفاحة الخضراء" فأصبحت "النهر الأزرق سماوي".

    احتلال اليابان للصين زاد من الشعور القومي ـ القوي أصلا ـ عند قادة الحزب الشيوعي كما أدى إلى درجة كبيرة من المرونة الواقعية اتجاه نظام كيومنتانغ والبحث عن أكبر جبهة وطنية لمواجهة الغزاة ـ العدو الخارجي.

كان الاحتلال الياباني للصين قد حشر اتشاك كاي شك في زاوية ضيقة : إما أن يستمر في الحرب ضد الثوار الصينيين ويفقد آخر مكان له في قلوب المواطنين، كخليفة لمؤسس الجمهورية الصينية الدكتور الوطني سن ياتسين، وإما أن يقاوم الاحتلال الأجنبي وسيجد نفسه حتما حليفا للثوار. لم يبق لاتشانك كاي شك إلا الاختيار الأخير، فأبرم معه شو أن لاي تحالفا باسم الحزب الشيوعي عام 1936. فتعاون لمدة تسع سنوات الأعداء السابقون ضد المحتل.

كان هذا الاحتلال عبارة عن تدمير للبلد، بعد كل ما عانى منه على أيدي الغربيين وكان اليابان بدون رحمة اتجاه السكان المدنيين. في نانكين، عاصمة اتشانك كاي شك، نفّذ، على سبيل المثال، اليابانيون مذبحة همجية صار ضحيتها مائتا ألف شخص. فتح اتشانك كاي شك بدوره حواجز النهر الأصفر، لعرقلة اليابانيين وكانت النتيجة غرق ملايين الفلاحين، كما دفعت تلك الفيضانات ملايين آخرين نحو الهجرة إلى مناطق نائية ليس لهم فيها أبسط مصدر للرزق.

تجلت مقاومة الحزب الشيوعي منذ الوهلة الأولى في نمط الحرب الذي لديه فيها براعة فائقة وهي حرب العصابات، التي اتسعت رقعتها يوما بعد يوم ودفعت الملايين إلى الالتحاق بالحزب. في نهاية الحرب وصل عدد أعضاء الحزب إلى مليون ومائتي ألف عضو إضافة إلى عشرات الملايين من الانصار.

لم تلْهِ الحرب قيادة الحزب عن تعميق خطه العقائدي والسياسي وتجذير الثورة وتكوين المناضلين تكوينا صلبا وراسخا باستمرار لأن عمق ذلك التكوين هو الضمان لنجاح النضالات المريرة المسلحة في الحاضر ونجاح البناء في المستقبل.

بدأت عام 1942، في وسط الحرب، في عاصمة الثوار، ينان، "حملة التقويم" وهدفها مراجعة الانسان وتذويبه وإعادة صياغته كانسان جديد منقلب على نفسه ذهنيا وأخلاقيا وليس مُتغيرًا شكليا. الواقع أن مفهوم الانقلابية موجود عند بعض الحركات الثورية الأخرى إلا أن الحزب الشيوعي الصيني أوصله في الممارسة إلى حد نادر لم يجربه غيره.

الهدف الثاني من "حملة التقويم" هو تنظيف الحزب من العناصر المعادية له في الواقع وللشعب والأمة والثورة والماركسية، كالناس المتأثرين بالبورجوازية والامبريالية، "العناصر الغنية بالافكار الملتوية والخبيثة" والهادفة إلى "تعفّن العلاقات بين القادة وزرع الشكوك بينهم بصب سم الريبة بلطف".

الهدف الثالث هو القضاء على الجواسيس المندسين وأساليبهم الهدّامة، لأن التحالف بين الثورة والنظام الرجعي الساري يمتاز بالابتسامات الظاهرة وطعنات الخناجر في الظهر. من بين الأساليب الخبيثة التي يستعملها نظام اتشاك كاي شك هو استعمال البنات لجمع المعلومات ويحذر منها الحزب بالجملة التالية : "إن ميدان المعركة رقم واحد عند النساء الجاسوسات هو سريرهن".

الهدف الرابع هو عزل "النعاج الجرباء"، أي ضيقي التفكير والدغماتيين.

استمرت الحملة حوالي سنة ووصلت إلى جميع المستويات الحزبية وإلى جميع الولايات التي يسيطر عليها الحزب، مثل ما تضع الشرارة النار في السهل. استمرت جمعيات النقد والنقد الذاتي على مستوى القيادات العيا ثلاثة شهور وتناول خلالها الكلام أعضاء القيادة واعترفوا بأخطاء كثيرة بكل بساطة وصدق وإخلاص للحزب وللثورة.

كان الأعضاء المشرفون على "حملة التقويم" يدركون أن كل توبة ليست بالضرورة صادقة وأن إعادة التأهيل عملية طويلة المدى، كما أن القضاء على العملاء والجواسيس والمندسين عملية لا تتحقق بالنوايا الطيبة وبالوعظ وإنما بالقوة، وأحيانا بالقساوة التامة وكما قال ماوتسي تونغ : "الثورة ليست حفل استقبال من أجل مأدبة عشاء".

كانت عاصمة الثوار المعزولة، ينان، وجوها الثوري الصافي من المغريات التافهة، الخالية من المضايقات إطارا مناسبا لتلك المهرجانات التي تستمر لعشر ساعات متتالية من أجل الإمعان في وضع كل مناضل من القيادات الحزبية على ضوء الطريق الثوري المثالي واعتبار أنه إذا تُرك للمرونة والتسامح موطئ قدم فإن ذلك سيهيئ الأرضية إلى الانحراف العقائدي والسياسي والاخلاقي وفي النهاية إلى الانهيار.

في بداية سنة 1943 وصلت الحملة إلى درجة راقية من الدقة، فانعقد مهرجان لتصفية القيادات العليا من الشوائب. تناول الكلام من على المنصة بعض القادة البارزين من بينهم: ماوتسي تونغ الذي حذّر من ـ بل قل أكّد ـ وجود تأثير البرجوازية الصغيرة داخل الحزب وقال : "يجب أن يُهزّ المريض ويُصْرخ بوجهه : "أنت مريض ويُؤمر بالعلاج".

كان على المنصة القادة التالية : بنك شن مدير مدرسة الاعداد الحزبي، شن يون، كاو كانك، كانك شينك، لي فوشون، شن بودا، شن يي، شوته، إضافة إلى ليي شاوشي وشو أن لاي الرجل اللامع ـ يقول البعض ألمع من ماو نفسه ـ الذي يمتاز بمرونة فائقة ويقبل مهما كانت الظروف، انسجاما مع مبدإ الانضباط الحزبي، الدور الثاني ويحذر، كما يحذر من الطاعون، من المرض المنتشر في كل البلدان وفي كل التاريخ وهو تعالى القادة والذي يسميه الصينيون بدقتهم ولباقتهم المعروفتين : "سُكْر القِمم".

قال بنك شن في هذا المهرجان : "القبض على العملاء والضالين مهمة جميع المناضلين" كما قال كانك شينك : "إعادة تأهيل المنحرفين عملية طويلة المدى".

بذلك لم يبق منفذ للتهاون أو التساهل : إما الثورة التامة أو لاشيء. وصلت فعلا "حملة التقويم" إلى صياغة وانصهار المناضلين في بوتقة الحزب حقا لا شكلا، ووصل الحزب إلى تلك النوعية التي كان يحلم بها الثوار والتي يمكن وصفها بأنها قوة صلبة لا تتزعزع قادرة فعلا على صنع الثورة الرادكالية التي ستفوق ثورة السوفييت وستصمد أمام كل التحديات وكل الضربات ومكايد الامبريالية الحاقدة.

لا يكفي أن يُبنى ـ مع أن بدونه لا ثورة عميقة ـ حزبُُُُ عقائدي قوي أي منسجم فكريا ومنضبط عمليا، بل يجب إضافة إلى ذلك تثوير الجماهير، وتثوير الجماهير مرتبط بتغيير ظروفها. بعد برنامج الحد الأدنى الذي اتّبعه الحزب في فترة التحالف مع كيومنتانغ، قررت الثورة الإصلاح الزراعي تحت شعار "الأرض للفلاحين" ـ الفلاحين الفقراء ـ وتوزيع الثروة بجيمع أنواعها بين المواطنين بشكل متساوٍ، في المناطق المحررة، ومحاكمة الاقطاعيين والملاك والظلام، محاكمات شعبية علنية في كل قرية ومدينة، الشيء الذي يتيح الفرصة لتعميق الوعي السياسي في الشعب. بلإصلاح الزراعي وتوزيع الثروة يدرك الشعب أن مصلحته مرتبطة بالحزب ويزيد من الدفاع عنه والانخراط في صفوفه وحمل السلاح في جيشه.

في منتصف الأربعينيات، والحرب العالمية تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد إلقاء القنبلة الذرية على اليابان، وصل عدد المناطق المحررة إلى تسع عشرة، تضم مائة مليون نسمة ويُدافع عنها جيش من مليون مقاتل وميلشيات تضم إثنى عشر مليون شخص.

بعد هزيمة اليابان عادت الحرب الأهلية بين الثوار ونظام كيومينتانغ إلا أنها رجعت والحزب الشيوعي لم يكن نائما. فلم يكرر أخطاءه عام 1925، 1927 و1929. القوى الوطنية، آنذاك، إنعزلت في الشعب وهذا هو سبب فشلها. على العكس كان اتشانك كاي شك، في هذه الظروف الجديدة، يتوسل للسماء أن يعيد التاريخ نفسه. حدث واحد كان من شأنه أن ينقذ اتشانك كاي شك من هزيمة نكراء وهو تناقض داخلي في صفوف الثورة، الشيء الذي احتاطت له الثورة في الوقت المناسب كما اتخذت الحيطة اتجاه العناصر والجيوب الذي بامكانها أن تنقلب أو تلك التي فقدت مصالح نتيجة لشمول حملة المصادرة وتوسيع المرمى. توسيع المرمى أبعد بعض الفئات التي كانت موضوعيا من حلفاء الثورة ولكن "مرة على ظهر النمر يصبح النزول منه صعبًا"، كما يقول المثل.

بعد الشعار الذي طرحه الحزب سابقا : "اضرب ساق الكلب لكي تصل إلى رأسه"، صار الشعار : "إذا لم تغرّز رأس الكلب الذي يغرق فإنه سيقفز خارج الماء ويعضك في اليد".

تحرر الأمريكيون من أعبائهم السابقة في الحرب العالمية، لمساعدة ودعم اتشاك كاي شك،

وتخلصت قوات اتشانك كاي شك هي الأخرى من هموم حرب اليابان وتفرغت لكفاح الثوار، كما أغدق عليها حليفها القادم من الطرف الآخر للمحيط الهادئ بالسلاح المتطور وبدأت حملة عسكرية واسعة وصلت إلى درجة تهديد عاصمة الثوار، ينان.

مرت الثورة الصينية بأوقات محفوفة بالمخاطر ولم يبق لماوتسي تونغ ـ الذي أصبح منذ سنوات قليلة هو الرئيس ليس فقط الفعلي وإنما الرسمي أيضا، بعد انسحاب وانغ منغ ـ إلا المخاطرة الدائمة المرفوقة بالتصميم والثبات والثقة المطلقة في الشعب الصيني وإرادته في الاستقلال.

عند ما حوصر من طرف قوة تتألف من ثلاث مائة ألف جندي مقابل خمسة وعشرين ألف مقاتل قال ماو: "لن نواجه تنين البحر بجواهرنا".

ماو تسي تونغ يعرف بالدرجة الكافية تراث الصين لكي يتذكر إرشادات خبير الحرب القديم سن اتزو: " إذا كنتم عدديا في حالة ضعف، يجب أن تكون لديكم الجُرأة على الأنسحاب".

صار الضغط يقتضي أولا وقبل كل شيء إنقاذ قيادة الحزب فتذكر الجميع المسيرة الكبرى. كان من الضروري فعلا الهجرة من ينان، إلى الشرق هذه المرة. كانت هذه المسيرة تضم فقط خمسة وعشرين ألف مشارك، من بينهم أعضاء اللجنة المركزة للحزب ونساء كثيرات، لأن القوات الأخرى مبعثرة على طول وعرض الصين الشاسعة.

أصبح وانك دونكسيك، الطفل اليتيم الذي كان مرافق ماوتسي تونغ خلال المسيرة الكبرى، هو رئيس حامية اللجنة المركزية ـ استمر في ذلك المنصب حتى موت ماو وبعده في عهد دنك هسياو بينك. جمع وانك رجاله وشرح لهم أهمية وخطورة الخطوة الذين هم بصدد القدوم عليها وضرورة الاستعداد للتضحية العظمى دفاعا عن قيادة الحزب.

على مدى ثمانِ ليالِ مشت على الاقدام قيادة الحركة التمردية الصينية نحو النهر الأصفر، تنام في النهار لكي لا تُكتشف من طرف طائرات اتشانك كاي شك. عند الوصول إلى النهر، على أمر من شو أن لاي، شيّدت وحدة الطفل اليتيم جسرا مؤقتا خلال تهاطل المطر في النهار ـ لأن حركة الطيران متعطلة ـ و بهذه الوسيلة المرتجلة عبر الفارّون أطول نهر في الصين مشهور بعنفه واتساع فيضاناته. يقول المثل الصيني: "مادمت لم تستسلم لأمواج النهر الأصفر فإنك لم تفقد الشجاعة".

لم يفقد ماوتسي تونغ، كما لم يفقد شو أن لاي شجاعته في وقت الاملاق هذا كما في أيام المسيرة الكبرى، ووصل هؤلاء القادة الصينيون، مرة أخرى، وهم في الشدّة، إلى عظمة حقيقية، نادرة في التاريخ.

الفلاح يهزم السلاح: " الإمبريالية نمر من ورق "

 

إن القادة الثوريين الصينيين لم يفتهم مرة واحدة أن وعْيَ الظروف السياسية هو الأساس في النجاح وأن الحرب هي فقط أداة للسياسة. بدون خط سياسي حازم لن يبقى جيش من المتطوعين منسجما على مدى طويل، كما أن أي استراتيجية لن تكون فعالة. حدّد ماو لخط الحزب، في تلك الظروف الصعبة الهدف التالي : "زيادة القوى التقدمية، غزو القوى الوسطية وعزل القوى المحافظة"، القوى التقدمية تعني العمال والفلاحين، القوى الوسطية تعني المثقفين والفلاحين المتوسطين والتجار والرأسماليين غير المرتبطين بالمصالح الأجنبية، أما القوى المحافظة فهي الإقطاعيون والرأسماليون المرتبطون بالمصالح الأجنبية ومن يتبنى مصالحهم. كانت العقبات كثيرة وخاصة عقبة التطرف اليساري وجنوح الجماهير إلى المساواة المطلقة، وأيضا ميول بعض القادة المحليين والمنظمات إلى التسلط والثأر الشخصي : الضرب المبرح والاهانة والشتم العلني خلال المحاكم الشعبية وحلقات التصفية السياسية في مهرجانات عامة. من بين تلك الشتائم، لكي نفهم ما بلغته روح الانتقام والحقد على الملاك عند الشعب، النموذج التالي : "إنك بيضة سلحفاة، ذكر حمار، إبن كلبة". فاضطر ماوتسي تونغ إلى التوجيه التالي : "لعلاج مرض عقائدي أو سياسي يجب أن نبتعد عن العنف. الطريقة الوحيدة الصالحة والفعالة هي علاج المرض لإنقاذ الانسان"، كما وضح من الناحية الاجتماعية أن التعامل مع المواطنين يجب أن يكون على أساس الانتماء الطبقي الحالي وليس على الأصل الطبقي، على أساس وسائل المعاش الحالية وليس الفقر أو الغنى القديم.

يوضح ليي شاو شي، الرجل الثاني في الثورة آنذاك خصوصية الوضع في الصين: "بسبب خصوصيات التطور التاريخي والاجتماعي في الصين وتأخرها فإن الصيغ الصينية، من زاوية الماركسية، تشكل حالة نادرة تختلف تمامًا عن الصيغ الأوربية ..." إن معظم الجماهير في الصين تتألف ليس من العمال وإنما من الفلاحين والنضال موجه ضد إضطهاد الرأسمال الأجنبي ومخلفات إقطاع القرون المظلمة".

مع ضراوة الحرب وشموليتها في السنوات 1947 و1948 و1949 كان التوجيه العقائدي والسياسي هو المحرك الأساسي عند الحزب. يقول ماوتسي تونغ : "أيها الرفاق، العدو أصبح الآن معزولا تماما، ولكن سنفشل إذا إرتكبنا ـ أولم نصحح ـ أخطاء مبدئية حول إحدى الاختيارات السياسية الكبرى". كانت آمريكا تلوّح باستعمال القنبلة الذرية ضد الثوار الصينيين، كما استعملتها ضد اليابان قبل سنتين أو ثلاث سنوات. قال ماو : "إن اتشانك كاي شك والغربيين لديهم المال والسلاح ولكنهم لن يحصلوا على قلوب الصينيين وفي النهاية فإن الفلاح، وليس السلاح، هو الذي سيكون له الدور الحاسم، وإن الشعب سيحطم القنبلة الذرية"، معتمدا،في ما يبدوا، على سن اتزو الذى يقول إن العامل المعنوي والفكري وظروف الحرب أهم من العامل المادي، كما أنه يرشد الملوك والقادة العسكريين أن لا يتّكلوا على مجرد القوة العسكرية.

أطلق ماو في تلك الفترة قولته الشهيرة : "إن الامبريالية وجميع الرجعيين هم نمور من ورق"، يعني بذلك أن شعبا مصمما سيهزمهم وشرح أن الشعب الصيني عليه أن يتجاهل العدو على المستوى الاستراتيجي ويعتبره جيدا ويعدّ له العدة على المستوى التكتيكي.

يوضح ماوتسي تونغ لكي لا يبقى التباس: ماهي الثورة، هذا الهدف الأسطوري الذي يرى فيه الشعب خلاصه : "الثورة هي تمرد، هي فعل عنف تطيح بموجبه طبقة بطبقة أخرى".

خلال المعارك العسكرية الضارية وصراع الرجعية في كل قرية لم يترك الحزب جانبا من الثورية إلا وطرقه معتبرًا أن الثورة لكي تكون تامة يجب أن تكون شاملة لجيمع مناحي الانسان، فشن حربًا على الخرافة في المجتمع الريفي المتخلف، وحوكمت الآلهة البوذية وكُسّرت بحضور جميع السكان، في الوقت الذي كان المواطنون يسجدون لتماثيلها ويأخذون بعض الحصباء من عند أقدامها للتبرك والشفاء. في احدى المناطق أُخرج تمثال الإلهة القوية شيتيان التي، عندما تُغاظ أو لا يقام بحقها كاملا، تتسبب في إسهال يؤدي إلى الموت المحتوم. وجّه لها الحزب اتهاما، كما يوجهه لملاك الأرض المستغِلين، في محاكمة شعبية علنية بسبب ما أنفق في البخور من أجل تهدئتها المزعومة واكتشفت المحكمة أن ذلك المبلغ كان كافيا كل سنة لإنقاذ أرواح عديدة خلال سنوات المجاعة. فحُكم عليها بالتدمير. ظن بعض الكهول أن القائمين بهذا العمل "الشنيع" سيصابون بمرض الاسهال القاتل إلا أن أحدا لم يُصب في تلك الفترة وتحطمت نهائيا في المنطقة سلطة الإلهة شيتيان.

القضاء على تلك التصورات العتيقة كان صراعا مريرًا يجري داخل دماغ كل فرد، صراعًا غير مرئي بين الأفكار البالية الموروثة عن المجتمع القديم المتخلف والأفكار المتنورة الصادرة عن العقل والفكر الجديد حسب ما وصل إليه الإنسان العصري.

كان الحزب يعتبر أن الانتصار في هذا الصراع لا يقل أهمية عن الانتصار على اليابان الغازي، وقد يفوقه لأنه يحرر الأذهان والعقول من القيود الوهمية التى عطّل بها الإنسان البدائي نفسه والأجيال اللاحقة، ولأنه يفتح أبواب التقدم والحرية الحقيقية من الخوف واللامعقول.

كتب آنذاك هينتون أحد المثقفين الأمريكيين وأحد أصدقاء الثورة الصينية والذى عاش مع الثوار هذه اللوحة:" يقع في الصين الريفية هدوء في الليل لا يعرفه الغرب الصناعي. عند مجيئ الليل، الكل يعود مبكرا إلى المنازل. إذا أوقد سراج فهو مجرد فتيل قطن في إناءٍ من الزيت النباتي. هذه الشعلة المتمايلة لا تبعد الظلمات الا لبضعة أمتار، ولا تظهر من النوافذ الورقية، كما أن تلك النوافذ تفتح على أفنية داخلية تحيط بها أسوار عالية تمنع ظهور أي نور من الشارع. في الليل، ظلام كثيف يغطي الأرض ويتوقف كل نشاط بشري. التجوّل في الريف في الليل يشبه النزهة في مقبرة فسيحة. عندما تكون السماء ملبدة يكون الظلام ساحقاً، مرعبًا، بدائيًا، يشبه ليل ما قبل التاريخ، قبل اكتشاف النار. لذا لم يكن من الغريب أن يكون السكان يخشون الليل، ويعتقدون بوجود الأشباح ويتحدثون عن أشكال عديدة من الطيف، بشعة ومسيطرة على الأرض وفي الهواء.

التباين المستمر بين الضوء والليل، و الليل الضوء ، حسب دوران الأرض، يُعطي حقيقة مرئية للصراع الكوني القديم، في تصور الصين التقليدية، بين " الين " و " اليانغ "، الأسود

و الأبيض، الذكر والأنثي، الخير والشر".      

في تلك الأوقات كانت الحرب في أقصى عنفوانها، إلا أن الحزب رآى ضرورة التفاوض من أجل وقف إطلاق النار، فبعث إلى اتشانك كاي شك والامريكيين رجل المهام الصعبة: شو أن لاي. إنه من شبه المحال أن تختلف مع شو أن لاي، لأنه مستعد دائما، حتى ولو كان لا يتخلى عن شبر واحد، على تفهم  حُجج الخصم. إن سحره الروحي وتهذيبه ولطفه ونباهته يؤثران على محاوريه ولو كانوا على حذر. فتم وقف إطلاق النار. كان عنصر الربط من الجانب المتمرد هوانك هوا، الذي سيصبح وزيرا للخارجية في الثمانينيات.

الحقيقة أنه، بوقف إطلاق النار أو بدونه، فإن مصير الصين قد تحدد نهائيا. إن المعنويات العالية للثوريين وتجربتهم في القتال والدرجة المتفوقة في التنظيم لدى الحزب خلقت، في كل مكان، على طريقهم لتحرير الصين، الحماس العارم في الجماهير. إن اتشاك كاي شك هُزم عسكريا لأنه عُزل سياسيا في الشعب. في نظر أقدم خبير استراتيجي معروف ـ سن أتزو ـ " الجيش هو الأداة فقط التى تُنزل بالعدو الضربة القاتلة بعد أن تم إضعافه مسبقًا. الجيش المنتصر هو الجيش الذى يهجم على جيش مُعرّض للهزيمة، على عدو سبق أن أثبطت معنوياته. الجيش المنتصر هو منتصر قبل أن يبحث عن القتال أما جيش منذور للهزيمة فإنه يقاتل بدون أمل في النصر". 

لم تستمر الهدنة إلا بضعة شهور وعادت الحرب من جديد لتعركهم عرك الرّحي بثفالها، دون أن يتخلي ماو تسي تونغ عن تعاليم سن اتزو وخاصة هذا التعليم: " من يفقد المبادرة يُهزم عادةً ومن يحافظ عليها ينتصر غالبًا ".

أخذ جيش التحرير الشعبي المبادرة، " لأننا، يقول ماو، لسنا دوق السونك " ، وهذا ملخص لحكاية دوق السونك: في القرن السادس قبل الميلاد، كان الدوق المذكور مرة على رأس جيشه ينتظر جيشا غازيا، يفصله عن نهر. عندما صارت القوات المعادية، في طريق العبور، في منتصف النهر، حثهُ وزيره على الهجوم فرفض. عندما صار جيش العدو كله على اليابسة، ولكن قبل أن يُرتّب صفوفه في وضع قتالي، جدّد الوزير إلحاحه للدوق من أجل الهجوم فرفض الدوق من جديد مُرغمًا الوزير المزعج على الصمت بالعبارات التالية: " إن الفاضل لا يسحق الضعيف ولا يأمر بالهجوم قبل أن يشكل العدو صفوفه ".

جُرح دوق السونك وهُزم جيشه وشُتّت.

في إقليم شانتونك وخلال ثمانية أيام وثمانِ ليالِ من المعارك العنيفة هزم الفلاحون المتطوعون بقيادة الماريشال شن يي جيشا من مائتي ألف وأسِرَ قائده ثم تلت ذلك المعارك في الشمال الشرقي خلال ثلاث معارك حاسمة يقودها من الطرف الثوري الماريشال لين بياو والجنرال كاو كانك ومن طرف كيومنتانغ الجنرال اتشانك كاي شك نفسه، الشيء الذي لم يمنعه، خلال ثلاثة أسابيع، من فقدان أربع مائة ألف مقاتل. لم يسقط غبار تلك المعركة حتى اندلعت معركة سهول الوسط. هذه المعركة كانت من أعظم المعارك في التاريخ: حشد كل معسكر ما يزيد على نصف مليون رجل في معركة دامت شهرين وخمسة أيام وانتهت بتدمير جيوش كيومنتانغ ما بين النهر الأصفر ونهر يانك اتسي كيان. على جبهة أخرى تلاقى الجيشان: الجيش الشعبي الشمالي، والجيش الشعبي الشرقي، واستوليا بالتعاون على المدينة الصناعية الشرقية اتين اتسين وطوقا بيكين العاصمة وفرضا استسلام نصف مليون ثالث من جنود اتشانك كاي شك. وهنا انهار آخر أمل عند الثورة المضادة.

هكذا وصلت مقاومة الاقطاع الصيني إلى نهايتها. بين موسمين من الرياح المدارية، سحقت فرق فلاحي الحزب الشيوعي الصيني قوات الرجعية يؤطرها ويرشدها ويسلحها الأمركيون، الواحدة تلو الأخرى.

لم يبق لفلول اتشانك كاي شك المهزومة إلا مغادرة الصين القارية واللجوء إلى الأبد إلى جزيرة تيوان.

هذا النصر الكاسح، على مستوى قارة، أدى إلى إحدى تلك التغييرات الضخمة والعميقة التي تهزّمن حين لآخر التاريخ وتغيّر مجرى الأحداث العالمية.

كتب ماوتسي تونغ ورفاقه بهذه الطريقة الفذة أهم صفحات تاريخ الصين الحديثة، ولكن الصعوبات لم تنته فهي لهم بالمرصاد، تنتظرهم : حكم أكبر بلد من الفقراء على وجه المعمورة.

أعلن ماوتسي تونغ، في فاتح اكتوبر 1949، ميلاد جمهورية الصين الشعبية للجماهير المحتشدة في بيكين على ساحة "تيان آن من" (باب السلم السماوي) يحيط به ليي شاوشي، رئيس الجمهورية المقبل، شو أن لاي، رئيس الوزراء المقبل، شوته، القائد العام للقوات المسلحة وباقي أعضاء قيادة الحزب.

حقق الحزب مرحلة أساسية من برنامجه وهي تحرير الصين من السيطرة الأجنبية المباشرة وغير المباشرة ولكن هدف الثورة أضخم وأشمل من ذلك وهو صياغة الصين بشكل جذري وتغيير نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية باتجاه بناء نموذج جديد يختلف تماما عن ماعرفته الصين على مدى ألفي سنة وعلى ما عرفته البلدان الأخرى. أهداف النموذج الهائل والطموح هي القضاء على الطبقات الأنانية المستغِلة وعلاقات إنتاجها الظالمة وخلق مجتمع عصري تسوده المساواة، هذا على أنقاض بحر من التخلف والجمود عمره ألفا سنة وحجمه ثمان مائة مليون شخص.

بدأت الخطوة الأولى إذا في اكتوبر 1949 تضايقها المجاعة واقتصاد منهار عاجز عن توفير الضروريات مثل اللباس والنعل، فكانت حقا خياطة تتطلب الكثير من الإبر والخيوط.

كان المرتكز الأول هو الارادة الفولاذية التي لا تتزعزع عند ملايين اعضاء الحزب والمرتكز الثاني الإدراك التام أن الانسان هو كل شيء وأن بدون وعيه وتكوينه وتثويره ثم التقاط طاقاته الخلاقة لا عمل يدوم ولا مجهود يصل إلى هدفه النهائي.

لم يكن الثوار الصينيون يجاملون المجتمع المتخلف ـ لأنه لن يمضىّ في ثورة ـ ولم يخطبوا ود الأعداء الامبرياليين ـ لأنهم لن يصبحوا أصدقاء ـ ولم يبحثوا عن دعم وإرشاد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ـ لأنهما لن يساعدا ثورة. فاعتمد القادة الصينيون على أنفسهم وعلى قدرات بلدهم وشعبهم مدركين أن النجاح والتضحية هما الملجأ الوحيد، وأنهم لن ينالوا هدية من الغربيين بل سيفرضون أنفسهم بدون منّة أي أحد عليهم، منتهجين طريق طول النفس والصبر وأن الشجرة التي غرسوها تحتاج إلى وقت ـ وهذا الانتظار ليس متاحا لكل أحد ـ لكي تحمل أوراقا، ثم زهورا، ثم ثمارا ومن بعد ذلك فقط قطاف.

في اكتوبر 1949، الصين تسبح في الفوضى والبؤس. قطاعات الانتاج الأساسية ـ الزراعة والصناعة ـ لا يصل انتاجها إلى نصف نشاطها قبل الحرب، ومستوى معاش الصينيين من أخفض المستويات في العالم.

كانت القرارات الأولى للثورة هي تأميم الممتلكات الأجنبية وتعميم الإصلاح الزراعي، الذي سبق أن طبق في المناطق المحررة في الثلاثينات والأربعينات. تطبيق الاصلاح الزراعي ـ توزيع الأراضي على الفلاحين ـ كان مرنًا، مع تساوي القطع الأرضية. لم يكن الاصلاح الزراعي عملية ميكانيكية جامدة وبيروقراطية وإنما كان حركة جماهيرية واسعة تهدف، إضافة إلى العدالة الاجتماعية و إنصاف الفقراء، إلى تثوير الفلاحين وبث الوعي في صفوفهم. الاستيلاء على الأرض يجري تحت قيادة هيئات شعبية يؤطرها الحزب. الفلاحون المستغِلون (الاغنياء) والاقطاعيون يمْثلون أمام محاكم شعبية مكونة من الفلاحين الفقراء.

في السنة 1951 ـ وبسرعة فائقة ـ إنطلقت في أقصى الشرق (ماندشوريا)، على يد احد صقور الثورة، وهو كاو كانك، حملة "الضّدّات الثلاثة" : ضد الفساد، ضد التبذير، ضد البيروقراطية، ثم عُمّمت على البلد كله. وتلتها عام 1952 حملة "الضدات الخمس" : ضد الراشين، ضد المخالفات الجبائية، ضد المخالفات التجارية، ضد السرقة، ضد سرقة الأسرار العامة. كانت هذه الحملات عبارة عن تعبئة شعبية عامة، يمْثل بموجبها المتهمون أمام المحاكم الشعبية، وليس محاكم إدارية، وبحضور جميع سكان المنطقة. كل مواطن له الحق في رفع دعوى على أي مخالفة لمبادئ واهداف الثورة إلا أن كل شخص عليه أن يفكر جيدا قبل رفع دعوى، لأن الحزب يراقب أي تلاعب أو كذب يصدر ضد مواطن بريئ ـ لأن العقوبة في هذه الحالة خطيرة ـ ويعتبره تخريبًا وبثًا للشوك على طريق الثورة.

كان يشرف على عملية التطهير هذه عضوان بارزان من أعضاء المكتب السياسي هما : بنك شن عمدة بيكين القوي وليو رويكنك وزير الأمن العام.

شوّشت، بطبيعة الحال، حملة "الضدات الثلاث" و"الضدات الخمس" مؤقتا على النشاط الانتاجي في مرحلة حرجة ولكن الحزب يدرك أنه بدون تصحيح جدي لن يكون في الصين إنتاج له فائدة عامة ومستمرة. وصلت الحملتان الاثنتان إلى هدفهما وهو القضاء على جميع أنواع الفساد في الوظيفة العمومية وإلى شيوع الأخلاق الحميدة. نجاحهما زاد من التصاق وثقة الشعب بالنظام الجديد، الشيء الذي هيأ الجماهير الفلاحية إلى سياسة الملكية الجماعية.

ابتداءا من يونيو حزيران 1951 رافقت تلك الحملات طريقة أخرى مرتبطة بهما وهي "الإصلاح بالعمل" (اليدوي)، طريقة جديدة ليست سجنا للعذاب في زنزانة وإنما عقاب ووسيلة لمراجعة النفس مع الآخرين وبمعايشتهم مع فائدة على المجتمع بالانتاج الزراعي في الأرياف.

من أبرز المحكوم عليهم بإعادة التهذيب عن طريق العمل اليدوي آخر امبراطور للصين، بويي، ابن السماء، ابن التنين، الذي أطاحت به جمهورية الدكتور الوطني سن ياتسن عام 1912. علينا أن لا نُخْطِئَ في مدة حكمه : ليس عهد السلطان مولاي اسماعيل. عندما أطيح به كان عمره لا يتجاوز ست سنوات. بعد مدة، حاول قريبه الأمير سو، الملقب "المجنون"، أن يعيد له امبراطوريته فباءت المحاولة بفشل ذريع. من جديد، عام 1917، دخل أحد أمراء الحرب، الذين يتوزعون آنذاك الصين، مدينة بيكين على رأس جيشه وأعلن إعادة سلالة كينك. فطال عهد الحكم الجديد للامبراطور بويي اسبوعين ... كانت جمهورية سن ياتسن ابنة بارة : فحافظت لبويي على عنوانه الشرفي كامبراطور ومنحته ميزانية سنوية وحق استمرار اقامته في القصور العريقة، موزعا ملله بين مطالعة "آليس في بلد العجائب" وأفلام آمريكية عديمة الفائدة. كائن مثل بويي، وهو ينسلخ من شرنقة يَشَمه، لاتفرط فيه الدول الكبرى، لعلها تستعمله يوما، عند الاضطرار. كان اليابان أكثر شطارة من الغربيين فنظم سفره سرًا إلى الاقليم الشرقي وتوّجه كامبراطور لماندشوريا. عمر بويي عند تتويجه كعميل لا يزيد على خمسة وعشرين ربيعا ولكن عليه إشارة ختم القدر.

عندما أحكم، عام 1949، الماريشال لين بياو قبضته على ماندشورياٍ واحتل القاعدة الحصينة عاصمتها موكدن سقط الامبراطور في يد كاو كانك، الذي كان أكثر من متسامح ـ على غير عادته ـ وحُكم على الامبراطور بالعمل اليدوي فقط لكي يتهذب من جديد. فعفى عنه الرئيس ماوتسي تونغ عام 1959 عند ما أصبح بستانيا مثاليا ومواطنا متواضعا. تم تعيينه بعد ذلك كنائب في البرلمان حتى موته 1967. كتب بويي سيرة حياته تحت عنوان : "من امبراطور إلى مواطن".

لم تترك الاحداث الخارجية وجوّ الحرب الباردة مهلة للتركيز التام على البناء والعمل الداخلي. بعد سنة فقط من نجاح الثورة اندلعت حرب كوريا وهي حرب بين كوريا الجنوبية الضعيفة تساندها الولايات المتحدة وكوريا الشمالية الناشئة تحت الراية الحمراء، يساندها فنيا وماديا الاتحاد السوفياتي. حرب كهذه ليس فيها مجال للحياد أو التردد بالنسبة للصين الشعبية. في منتصف أكتوبر 1950، بعد ما تأكدت مشاركة الجيش الآمريكي في القتال ضد كوريا الشمالية دخل الجيش الصيني المعركة يقوده أحد الجنرالات المتميزين، وهو بنك دهوي ـ الذي حرر عام 1948 عاصمة الثوار الرمزية ينان بعد أن اخلوها في مرحلة الضعف وسقطت في أيدي الأعداء ـ يساعده الجنرال شن جنك الذي سبق أن جُرح وأُسّر من طرف قواة كيومينتانغ واستطاع الفرار وكان بدوره أول من حقق، في مارس 1948، انتصارا حاسما بعد تردّي 1947. قيل أن الجيش الصيني الذي شارك في حرب كوريا بلغ مليون متطوع وكان كل جندي يحمل ارشادًا شخصيًا من الرئيس ماو هذا نصه : "إن متطوعي الشعب الصيني عليهم أن يعطوا عناية فائقة لكل هضبة، لكل نهر، لكل شجرة، لكل جزء من عشب من أرض كوريا"، ٍكما أن عليهم أيضا أن لا يسقطوا وهم أحياء في أيدي العدو الامبريالي. في حرب كوريا سقطت سيول عاصمة كوريا الجنوبية في أيدي الشماليين وكان الجنرال الآمريكي الشهير في الحرب العالمية الثانية والحاكم العسكري لليابان، مك أرتور، يقود بنفسه المعارك. طُوّق الجنرال الآمريكي وكاد أن يؤسّر في أقصى الجنوب وطلب استعمال القنبلة الذرية ضد الصين ولم ينج إلا بفضل الانسحاب. أعفيّ الجنرال مك أرتور من منصبه وتحركت آلة الأمم المتحدة من أجل حل سلمي يصون ماء الوجه، ساعد فيه موت استالين المفاجئ عام 1953. ضحايا حرب كوريا من الطرفين بلغوا مليون وأربع مائة ألف قتيل، كان من بينهم إبن ماوتسي تونغ.

دعّمت حرب كوريا قاعدة النظام الجديد بحرارة المشاعر التي أثارتها ضد الغرب. إلا أن بناء الاقتصاد مهمة ملحة لا تتحمل التأجيل.

المخطط الخماسي الأول (1953ـ 1957) للتنمية الاقتصادية ركّز على الصناعة التي حدد لها هدفا طموحا : مضاعفة الانتاج. مهندس هذا المخطط هو كاو كانك، الجنرال الشهير إبان الحرب، الذي كان أول حاكم عسكري لماندشوريا. كاو صار رئيسا للجنة الدولة للتخطيط ودافع هو ونائبه راو شوشي عن فكرة إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر غنًى صناعيًا واختلفا مع ماوتسي تونغ ودنك هسياو بينغ الذين كانا يدافعان عن ضرورة مساعدة المناطق الأكثر تخلفًا. في نهاية المخطط تجاوزت الصناعة الأهداف المحددة لها وزادت الزراعية الإنتاج الزراعي ب 23%. المخطط الثاني 1958 ـ 1962 أعطى أهمية أكبر من الأولى للزراعة وحُدّدت الأهداف الزراعية طويلة المدى في مخطط على مدى اثنتي عشرة سنة 1958 – 1969 من أجل زيادة الانتاج ب 300% وهو فعلا ما حصل بفضل التعاونيات الزراعية. بدون أن يُقضي على مفهوم الملكية، شجعت الدولة والحزب الفلاحين على تجميع قطعهم من 20 إلى 30 عائلة حوالي (30 هكتار) ووضع وسائل عملهم معًا.

على المستوى السياسي لاحظ شو أن لاي في تقرير للجنة المركزية في بداية 1956 ضعف تغلغل الحزب في الطبقات المثقفة، فأعطيت الإشارة لحملة اتجاه المثقفين تحت عنوان "لتتفتق مائة زهرة"، فكانت فترة استرخاء نسبية في الصرامة الثورية في مرحلة تتطلب الحد الأدنى من الواقعية لتقوية الاقتصاد. تعددت في تلك الفترة الجمعيات بمشاركة مجموعات ومثقفين جانبيين غير أعضاء في الحزب الشيوعي وظهرت "جمعية مائة زهرة" وأسست جريدة حرة تحت اسم :"الساحة العمومية" تنقد "علاقات السيطرة والتناقضات الداخلية" في المجتمع الاشتراكي الجديد.أظهرت للحزب تلك الفترة من التفتح أن بعض المثقفين "مازلوا يميلون إلى النمط الليبرالي" فاضطر الكاتب الكبير والعالم الشهير كوو موجو، في منتصف السنة 1957، إلى الوقوف ضد هذا التوجه في مقال تحت عنوان : "الزهور السامة"، فخبا بعد ذلك ضوء ورائحة "المائة زهرة".

أطلقت ابتداءا من منتصف السنة 1958 حملة "القفزة الكبرى إلى الأمام" ونظام "الكومينات" أو الجمعيات الشعبية في الأرياف. هدف "الكومينات الشعبية" هو تغيير العقلية الريفية القديمة والحياة العائلية التعسة واستبدالها بحياة جماعية حية في إطار مجموعة أوسع أفقا. أما "القفزة الكبرى إلى الأمام" فهي التعبير الاقتصادي لهذه الثورة وهدفها زيادة الإنتاج في جميع المجالات. مع كونها تشددًا جديدًا، تهدف القفزة الكبرى إلى خط عام متوازن في التنمية، بدون إهمال أحد القطاعين الأساسيين، الزراعة والصناعة، تحت شعار : "السير على ساقين" وهو نقد للمخطط الأول الذى أعطى الأولوية للصناعة.

من الناحية النظرية، شهدت تلك الفترة وخاصة منذ نهاية 1959 تطورا جديدا يتجسد في كفاح "الانتهازية اليمينية" و"الإيديولوجية التحريفية". تلك التوجهات والعبارات لها دلالة وصلة غير منطوقة بخطابات الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، كروشتشيف، الذي مضى بعيدا في نقد سلفه استالين، الرجل الصلب والماركسي الدغماتي الذي لا يلين للرأسمالية الغربية. يرى الصينيون أن فضح تصرفات وأخطاء استالين في ذلك الوقت هو نوع من مهادنة الغرب والتقرب منه والاستعداد للتخلي عن الخط الماركسي الصحيح وتحريف الماركسية اللينينية وتمييعها وإفراغها من شحنتها الثورية.

في تلك الظروف أعفيّ الماريشال بنك دهوي من منصبه كوزير للدفاع على أساس ميوله لموسكو وخلفه الماريشال لين بياو.

الماريشال بنك دهوي أسطورة بأكملها : عند الحادية عشرة من عمره ترك عائلته بسبب الفقر وسار على طرق الصين الطويلة بدون هدف محدد. إلتحق مبكرا بالحركة الثورية وكان عنصرا أساسيا في الانتفاضات الشيوعية الأكثر جُرأة، كما شارك في المسيرة الكبرى وصار في ينان أحد قادة الجيش الثوري البارزين. مقاتل بلامثيل، بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء، فإن بنك دهوي هو الذي واجه جيش اتشانك كاي شك الشمالي بعد انسحاب قيادة الحزب من ينان عام 1947 واستردّ بجدارة المدينة الرمزية، كما تم اختياره عام 1950 لقيادة الجيش الصيني في كوريا، حيث هزم بعد أسابيع من القتال الجنرال الآمريكي مك أرتور الذي كان هو أشهر القادة العسكريين الآمريكيين قاطبة في زمنه.

ابتداءا من سنة 1960 بدأ سوء التفاهم بين القيادة الصينية والقيادة السوفييتية يطفو على السطح ولأول مرة تكون دولتان شيوعيتان على خلاف مُعلن، فهزّ ذلك قوة المجموعة الشيوعية ـ أو المعسكر الشرقي كما كان يقال ـ وأحيا تفاؤلا عند الغربيين وخفف من رعبهم من امكانية اجتياح الثورة العالمية لبلدانهم وتشاؤمهم من المستقبل كما أزعج ذلك الخلاف حركات التحرر ودُوّل العالم الثالث التي كانت ترى في قوة وانسجام الكتلة الشيوعية ضمانة لحريتها واستقلالها أو أملا في استرجاع حقوقها المداسة من طرف الاستعمار الغربي.

بمناسبة الذكرى الثالثة والاربعين لثورة أكتوبر تلاقت الأحزاب الشيوعية الواحد والثمانون بموسكو وكان الوفد الصيني بقيادة ليي شاوشي، رئيس الجمهورية ويضم أعضاء بارزين من المكتب السياسي للحزب من بينهم دنك هسياوبينغ وكانك شنك مسؤول المخابرات. وجّه من جديد كروشتشيف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي نقدا لاذعا لأستالين إلى درجة تحدي ليي اشاوشي في الاجتماع مخاطبا إياه : "إذا كنتم تريدون استالين بامكانكم أن تأخذوه ... تأخذوا الجثة"... هذا الكلام الخشن، على طريقة الصقالبة الفظة، لا يتحمله الصينيون الذين لا ينطقون عادة بالاشياء إلا بلطف وتهذيب ويفضلون الموت على التحدي أو فقدان ماء الوجه. رفض الصينيون في المؤتمر توقيع النص الختامي التقليدي الذي تقدم به مُنظّر الحزب السوفييتي، سوسلوف.

طلب الصينيون نقاش الأمور العقائدية أولا و التي يترتب عليها المستقبل وفي الاجتماع العلني أطلق دنك هسياو بينغ النار على السوفييت وعلى "التحريفية الجديدة" وعلى سياستهم المكشوفة التي "تسوق المعسكر الاشتراكي إلى الاستسلام أمام الامبريالية".

في أكتوبر عام 1961 انعقد المؤتمر الثاني والعشرون للحزب الشيوعي السوفييتي. كان الوفد الصيني بقيادة شو أن لاي، الوزير الأول، يرافقه إلى جانب وفد كبير عضوان أساسيان  في المكتب السياسي : بنك سن، عمدة بيكين وكانك شينك مسؤول المخابرات الدائم. عند افتتاح المؤتمر عاد اكروشتشيف الكرة بالتهجم على استالين وهاجم الألبانيين المتغيبين والملتزمين بخط استالين. في اليوم الثاني للمؤتمر صعد شو أن لاي على منصة الخطابة و، وفيا لنفسه، رفض أطرُوحات اكروشتشيف بدون تجاوز كلامي ولكن في نهاية خاطبه لم يحيّ، حسب العادة، اكروشتشيف، وفي اليوم الموالي قرّر الوفد الصيني، "لفضح التوجهات الانتهازية والمضادة للثورة التي ينتهجها اكروشتشيف"، أن يضع اكليلا من الزهور على قبر أستالين في موسكو مع العبارة التالية : "إلى الماركسي- اللينيني الكبير استالين"، وبدون انتظار نهاية المؤتمر غادر الوفد موسكو.

تكرر اللقاء في بداية 1963 بوصول وفد من الحزب الشيوعي الصيني إلى موسكو من أجل لقاء أخير بين الحزبين وكان الوفد الصيني بقيادة الثلاثي الصدامي : دنك هسياو بينغ، بنك شن وكانك شينك ـ الذي أصبح الآن غنيا عن التعريف. شرح من جديد الصينيون أطروحاتهم وتتلخص في كون مركز الثقل أو الجاذبية في الحركة الثورية العالمية قد انتقل إلى العالم الثالث وأن العمال في الدول الرأسمالية قد تبرجزوا ولم يعودوا بعد الموضع الثوري المثالي. على العكس فيجب الآن البحث عن طرق تحالف واسع ضد الامبريالية مع حركات التحرر الوطني والقوى غير المنحازة أو المعادية للآمريكيين. بالنسبة للحزب الشيوعي السوفييتي هذه الأطروحات بدعة تامة بل هرطقة لا تُغتفر خارجة على روح ونص الماركسية الأورتودوكسية. كان الوفد السوفييتي بقيادة المُنظّر سوسلوف الذي يشبه الموميا البيضاء الخارجة من الثلاجة، فلم يَرَهُ أحد وهو يضحك ولم يَرَهُ أحد وهو يقوم بحركة أو نظرة زائدة على ما هو مقرر لرجل آلي.

إنتهت المباحثات بعد أسبوعين بدون أي تفاهم وعُلّقت إلى أجل غير مسمى. فكان الفراق التاريخي بين الحزبين الذي هز القارات الخمس وكان محل اهتمام وسائل الاعلام وجميع السياسيين في العالم.

بعد ذلك بقليل، في نهاية السنة 1964، وهي سنة التنين في الحساب الصيني، صارت الصين محل اهتمام جديد مفاجئ، مُثيرة حول نفسها الرعب والاعجاب: جّربت الدولة المتخلفة أول قنبلة ذرية لها، وبعبارة أخرى، بالنسبة للأمريكيين والسوفييت، صار الضبع له بندقية.

 

الثورة الثقافية: المرحلة الأخيرة من الثورة الجذرية

 

كان الانفصال الأكبر في الحركة الشيوعية العالمية إشارة بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني لرفع مستوى الثورة في الداخل وفي الخارج. أطلق الحزب حملة شعواء ضد "ميول الأطر إلى التوجه نحو الرأسمالية" وعبأ العناصر الثورية ضد "الفنيين والتكنوقراطيين" معتمدا على العفوية الثورية لدى الشباب مقابل محافظة الأطر. فكانت "الثورة الثقافية" الشهيرة التي ملأت الدنيا ما بين منتصف الستينيات وبداية السبعينيات.

أبرز الحزب الواقعية المستمرة لمسألة الصراع الطبقي وضرورة كفاح الروح البورجوازية في المجتمع الاشتراكي بعمل وتاثير مستمر على البنية الفوقية الثقافية. ذلك التجريد له مغرى سياسي محدّد. الفريق القيادي الذي ينعشه ليي شاوشي في جهاز الدولة يُعطي الأولوية للاعتبارات الفنية والاقتصادية بدلا من اعتبار الصفاء العقائدي. وتُعزى لـ دنك هسياو بينغ هذه المزحة التي تعطي للفعالية الفنية الأولوية على الثورية : "لون القط لا يهم مادام يصطاد الفئران". أما ماوتسي تونغ فكان دائما منشغلًا بالتحذير من الخطر الداهم وهو الميول إلى "التحريفية" والتي تعيد الانفصام بين النخبة ـ بالامس أدبية واليوم تكنوقراطية ـ والجماهير وتتراجع عن الوظيفة الثورية للصين.

 أدخل ماو الحركة الجديدة اولا في مجال النشاطات الثقافية، قبل أن يشكك قي الشرعية القانونية والإدارية للمسئولين في الدولة. حركة التهذيب الاشتراكي التي سبق أن أطلقها خلقت ميثلوجيا ثورية جديدة تمجدها الصحافة يوميا ولها رموزها في التفاني الثوري أمثال فلاحي تاتشاي ورواد تاشينغ ورافقتها حملة واسعة اتجاه المثقفين من أجل اعادة الاعتبار للعمل اليدوي. وعلى المستوي الخارجي، كانت الحملة الأيديولوجية في أوجّها ضد "التحريفية السوفييتية والروح الأكروشتشيقية ـــ نسبة الى الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوفييتي اكروشتشيف ـــ  الزاحفة نحو أقدام الإمبريالية".

كانت أدوات التثوير والدعاية " للثورة الثقافية البروليتارية العظمي" أولا الكُتيب الأحمر للرئيس ماو والجرائد الجدارية المكتوبة بحروف كبيرة ومعلقة في الأمكنة العامة. ظهرتْ أول جريدة جدارية في نهاية مايو 1966، على جدار جامعة بيكين من طرف أستاذة مساعدة للفلسفة، الشابة نييه يانزى، وكانت تحمل النص التالي: " لنُكسّر جميع الرقابات وجميع المؤامرات الشيطانية التى يحيكها التحريفيون، نُكسّرها بإقدام، بصفة راديكالية، بشكل كامل وشامل، نهائياً! لنُحطم جميع الأغوال، جميع العناصر التحريفية من نمط اكروشتشيف! لنقود الثورة الإشتراكية إلى النهاية!"

علق ماو تسي تونغ على هذه الجريدة الجدارية التعليق التالي:" هذه طلقة المدفعية الأولى للثورة الثقافية "، كما طلب ماو تسي تونغ من النواة القيادية المكلفة من طرف اللجنة المركزية للحزب بالثورة الثقافية أن تعمم هذه الجريدة الجدارية. كما نشرتها " يومية الشعب". رأس الحربة للثورة الثقافية هم الحرس الأحمر الثوري المتشكل من الشباب: الطلاب وتلاميذ الثانويات والإعداديات وبعض المعلمين و الأساتذة والعمال و الفلاحين ولتفريغهم لهذه المهمة التاريخية أغلقت الجامعات والثانويات والإعداديات لثلاث سنوات. تطهير بلد مثل الصين من العناصر غير المنسجمة مع روح الماركسيةـ اللينينية الصافية تتطلب عملا شاقا و زمنا طويلًا فعلا. كان الحرس الأحمر  له الحرية المطلقة في التحقيق مع جميع الناس مهما كان مستواهم والتشهير بهم في الجرائد الجدارية وفي المهرجانات ومن ثم في " يومية الشعب" ووسائل الإعلام الأخرى.

أطلق ماو العنان لهؤلاء الشباب ضد "الأجهزة الجامدة أو التى أصابها الروتين وتناست الهدف السامي والأعلى لوجودها وهو الثورة المتجددة يوميًّا والمتعمقة باستمرار" من خلال صحيفة جدارية وقعها بإسمه وألصقها على جدران إحدى الجامعات عنوانها: " أقصفوا قيادات الأركان ".

من أبرز تظاهرات الحرس الأحمر المهرجان الذى عقدوه في يوم 15 سبتمبر 1966 في ساحة " تيان  آن من" وضمّ مليون شاب أحمر والذي حضره ماو، وانطلق منه العمل الثوري الجديد، تحمل راياته مئات آلاف الشباب نحو جميع مناطق الصين الأخرى.

في شهر نوفمبر 1966 شرح احد عناصر النواة القيادية للثورة الثقافية، وهو كانك شينك الذى كان دائما في لهيب الثورة منذ خمسة وأربعين سنة، هدف وماهية الثورة الثقافية: "الثورة الثقافية البروليتارية العظمي تؤشر على مرحلة جديدة، أكثر عمقا وأكثر إتساعا في تطوير الثورة الاشتراكية في الصين. هذه الحركة تُركّز ضرباتها على العناصر المسيطرة على مراكز القيادة والتي انخرطت في الطريق الرأسمالي . إن الجماهير الواسعة من العمال والفلاحين والجنود والطلاب والمثقفين الثوريين يشكلون القوة الأساسية لهذه الثورة الثقافية العارمة. إن الجماهير الواسعة من الشبان والمراهقين الثوريين، الذين شكلوا الحرس الأحمر، لهم روادها الشجعان".

المهم هو القضاء على أعداء الثورة، والتحريفيين بشكل خاص، والعناصر المتأثرة بالروح البورجوازية. حركة تثوير وتقويم لا سابق لها عمت الصين. كان قادة بارزون ضحية لتطرف الحرس الأحمر، هؤلاء الشبان الثوريون المتمردون. أول ضحية لهم كان ليو رويكنك وزير الأمن العام سابقا ورئيس أركان الجيش حاليا، المتهم بالسير على طريق الماريشال بنك دهوي ـــ الذي أُبعد قبل سبع سنوات ـــ ثم تلاه عمدة بيكين العاصمة وعضو المكتب السياسي، بنك شن، المتهم بإتّباع " الطريق البورجوازي" ثم اتهم بعد ذلك رئيس الجمهورية ليى شاو شي ليس فقط بإتباع الطريق البورجوازي وإنما أيضا " بالتخلي عن الماركسية ــ اللينينية " والانخراط  في " النهج التحريفي"، ثم تُرك أسمه الأصلي المعروف واختير له أبشع الأسماء  وأُلصق به وهو : "الأكروشتشيف الصيني". بعد هذا اللقب الجارح والمهين تأكد جميع المراقبين أنه انتهى معنويا  وأنه لن ينال بعد ذلك أبسط عطف من طرف أي عضو في الحزب. الا أن ـــ وهي المفارقة المثيرة ـــ كون ليى شاو شي يُعتبر في طور حضانة مرض " الجذام التحريفي " لم يُنزع منه لقب رئيس الجمهورية، ولكن الشرعية المؤسسية والقانونية لم تعد معتبرة، لأن كل شيء أصبح يترتب على الشرعية الثورية الأكيدة.

بدوره أتُهم دنك هسياو بينغ بالتخاذل الثوري والميول البورجوازي، ومع ذلك لم يفقد عضويته في الكتب السياسي للحزب. من اتهم دنك هسياو بينغ فإنه لا محالة يفكر في شو أن لاي. في بداية يناير 1967 علقت مجموعة متطرفة من الحرس الأحمر، إسمها مجموعة

16 مايو، لافتة في ساحة " تيان آن من " أذهلت الناس لأنها تتعرض إلى قمة مقدسة وتقول: "اشووا شو أن لاي"، إلا أن مجموعة أخرى من الحرس الأحمر جاءت بلافتة أخرى مغايرة: "حرق شو أن لاي هو حرق القيادة العامة للبروليتاريا" وأضاف حراس حُمر آخرون : "التعرض لـ شو أن لاي عمل معادٍ للثورة". فتوقفت الأمور عند هذا الحد.

واجه شو أن لاي، كعادته، العاصفة ببرودة أعصاب ولم يعلق على هذه الزلاّت، وكأنها تعني شخصا آخر، كما أنه لم يصارع طيش موجة عمياء. الرجل المتزن والمتميز حقًا يعرف متى ينحني ومتى ينهض، كما تقول الحكمة الصينية.

مع أن الثورة الثقافية أنطلقت بشكل عفوي ضد البيروقراطية والجمود ولمنع إمكانية تغلغل

" وباء التحريفية " في الصين ومن أجل حصول الشباب على تجربة ثورية فعلية معاشة إلا أنها بقت دائما تحت رعاية ماو تسي تونغ والقيادة الفعلية للعناصر الأكثر يسارية مثل الماريشال لين بياو وزير الدفاع، وآنذاك "أقرب رفيق" للرئيس ماو، والمُنظّر شن بوتا وزوجة ماو، وكانك شينك، إضافة إلى الرجل الذي لا يمكن القيام بعمل جدي دونه شو أن لاي ولو كان غير متطرف.

عُقد المؤتمر التاسع للحزب عام 1969، بعد المرحلة الأولى من الثورة الثقافية وكان نجمه، بدون منازع، لين بياو. اعتبر المؤتمر أن " القيادة العامة للبروليتاريا انتصرت على القيادة العامة للبورجوازية" ـــ أفهموا " الأكروشتشيف الصيني " وأعوانه ـــ كما حرّض المؤتمر على استمرار الثورة في الصين ومتابعتها في العالم ومكافحة الامبريالية الأمريكية و

" التحريفية السوفيتيية ".

في سنة 1970 زار ياسر عرفات يرافقه أبو إياد، الصين فنشرت " يومية الشعب" التعليق التالي : " بالنسبة لفلسطين، كما هو الحال بالنسبة لجميع الشعوب، الاستقلال الوطني لا يُبلغ إلا إذا أُعطيّت الثقة للبندقية".

إلا أن حدثا مفاجئا في نهاية 1971 أربك جميع المراقبين وهو سقوط لين بياو في طائرة فوق مونغوليا. هذا الحدث تطلب انعقاد مؤتمر جديد للحزب قبل الأوان، في سنة 1973، وأعطي الفرصة لتهدئة سيل الثورة الثقافية العارم وعنفوّان رياحها. كان المؤتمر فرصة لتوازن جديد: صار شو أن لاي هو الشخصية الثانية رسميا وصعد إلى مقدمة المكتب السياسي للحزب ثلاثة عناصر شابة ومتطرفة هم : شانك شون شياو، وانك هونك ون، ياو ون أيان، وهم الثلاثة مع أرملة ماو سيتهمون، بعد موت ماو بالتآمر وسيُعرفون تحت إ سم مشؤوم طارت شهرته في أنحاء العالم : " عصابة الأربعة" .

أكد المؤتمر العاشر مكتسبات الثورة الثقافية بتجديد، لمن كان يشُكّ، المنطلق العقائدي للدولة وهو الماركسية ــ اللينينية وفكر ماو تسي تونغ وان " دكتاتورية البروليتاريا" و " الخط الجماهيري" يبقيان ملزمين للمؤسسات ومجال البُنية الفوقية.

في تلك الفترة، كان من حسن حظي شخصيا أن أُتِيحت لي فرصة زيارة الصين لمدة خمسة وعشرين يوما، زرتُ خلالها، إضافة إلى منطقة بيكين وبعض مؤسساتها ومعالمها، مدينة نانكين، العاصمة القديمة لـ اتشاك كاي شك ومدينة الزهور هانشو الجميلة التي يقول فيها المثل الصيني : " إذا كانت الجنّة في السماء فإن على الأرض هانشو"، ومدينة شانغ هاي، مهد الثورة الصينية. لم أر في الصين شخصا جسيما ولا هزيلا، الأجسام متقاربة ومتوازنة، كما أنه لا يوجد مُتسوِّّل واحد، وإذا كان السراق واللصوص لهم وجود فهم ندرة كوجود المستقيمين والنزهاء في سوق المزاد العلني في مقاطعة السبخة.

إن هذه الحالة التي حققتها الثورة الصينية في أقل من أربع وعشرين سنة من الحكم في بحر من البشر يفهمها جيدا الموريتانيون، الذين لا يزيد عددهم على ثلاثة ملايين، وهم في السنة السابعة والأربعين من الاستقلال وتزداد بين صفوفهم نسبة المتسولين ولا يخشى هزيلو الجسم اقتراعا شفافا وإمكانية تحقيق نسبة فوق محترمة لصالحهم إن لم يفوزوا بالأكثرية المطلقة. أما السراق والمجرمون فجاء الاستقلال كمؤشر على تكاثرهم الدائم وازدهارهم المستمر وبرهنت السنوات، الواحدة تلو الأخرى، في جو الانفلات وعدم الشعور بالمسئولية العامة وانغماس الجميع في البحث عن المصالح الشخصية كمبرر لوجود الإنسان، ان مستقبلهم متهلّل.

كان من حسن الطالع، خلال تلك الزيارة، أن قابلتُ  الرجل العظيم شو أن لاي الوزير الأول. سبق أن إطلعت على ذهول من رأوه في مؤتمر جنيف عام 1954 ومؤتمر باندونغ عام 1955، وما ذكروه عنه من ثقة في النفس وتهذيب وذكاء، إلا أنه زيادة على تلك المميزات،  فقد أثارت انتباهي الحالة التالية: عندما جلست أمامه ونظر إلىّ شعرت أن نظرته اخترقت جسمي ووصلت إلى الجدار ورائى.

طرح شو أن لاي أسئلة محدودة حول موريتانيا وتحدث بعد ذلك لمدة حوالي خمسين دقيقة تناول خلالها مستقبل موريتانيا وكان متشائما ولم أفهم... الا بعد ثلاث سنوات. ثم تحدث عن تصّور الصين للعالم وعن سياستها الخارجية. كنت فعلا شابا ولكن على درجة من الإدراك والاطلاع ولكنني لم أسمع، لا من قبل ولا من بعد، حديثا أكثر انسجاما من ذلك الحديث الذى وصل إلى سمعي عن طريق ترجمة غير خالية من العيوب.

قبل وفاته ـــ عام 1976 وأيضا وفاة ماوـــ بسنتين أعاد شو أن لاي الأعتبار إلى من يثق بقدراته كخلف له وهو دنك هسياو بينغ، الذي أقصته زوبعة الثورة الثقافية، وعينه نائبا لرئيس الوزراء. بعد وفاة الزعيمين التاريخيين صار دنك هسياو بينغ القائد أو الموّجه على الأصح للصين، داخل قيادة جماعية متكاملة الجوانب تضم مخضرمين قادوا الفترة التأسيسية ـــ كانت الصحافة الغربية فد روّجت من قبل ان بعضهم أُعدموا في عهد الثورة الثقافية ـــ  أمثال ليو رويكينك وبنك شن وشن يون والماريشال يي جيان يينك إلى جانب الجيل الجديد.

المسلسل الثوري الطويل والشاق للصين غيّر ليس فقط الحياة المادية للشعب وإنما أساسا ربّما شيئًا أهم وهو الإنسان ووعيه. في الفترة الماضية، كان الاهتمام المستمر والهدف الدائم هو خلق انسان جديد، صلب العود. هذا الانجاز الجبار، الذى كان الوصول إليه أقرب منه الوصول إلى الثريا، هو الذى أعطى للصين صلابتها الخاصة ومكّنها من الانتصارات المتلاحقة في جميع الفترات وفي جميع المجالات.

عندما بدأت فترة التحديث وبناء اقتصاد صيني عصري، منذ عهد دنك هسياو بينك وحتى الزعيم الحالي، هو جنتاو، كان الرهان مشروعا والطموح له مبرراته، هذا ما برهن عليه التطور المستمر وسريع الوتيرة والانجازات الهائلة التى من آخرها تشييد سدّ المضايق الثلاثة، الذى يُعتبر بمثابة سور الصين العظيم للقرن الواحد والعشرين، والذي كلف خمسين مليار دولار واستمر العمل فيه مدة ثلاث عشرة سنة.

يتعجب الناس، البعيد والقريب، من نتائج الصين، من أرقام نموها، من إنجازاتها، من ثبات خطواتها وثقتها المطمئنة في نفسها ـــ دون ظافرية سطحية ـــ وينسون ستين سنة من الجدّية  بدون انقطاع وأن الأيادي التى استمرت تحبكها حتي 1997 هي أيادي الناجين من المسيرة الكبرى .

قد لايري البعض تناغم وانسجام الحلقات المختلفة في جوهرها. لا مانع أن نرى من بعد طوابق عمارة تختلف الألوان: طابق أحمر وطابق برتقالى وطابق بنفسجي، وهل هي بذلك ليست عمارة واحدة؟ ما يحدد طبيعة العمارة ليس شكلها من بعيد وإنما تصورها في المخطط الأصلى وعمق أسسها ومادة بنائها  لكي تصمد على مر الأيام وتتحمل باستمرار طوابق جديدة.

هذه الحيوية الطافحة، هذا الإبداع الخلاق، هذه المسيرة المطمئنة ليست من نسج الصُّدف فهي تعبير ملموس وحيّ على كون الثورة الصينية لم تكن مجرد مزاح، إهمالية من صنع الهواة.

إن الثورة الصينية أدركت منذ البداية مكمن ومصدر القوة وركزت على تلك الأداة العصية وصاغتها صياغة، تلك الأداة التى هي في نفس الوقت الغاية لكل بناء حضاري جليل وعميق: الإنسان.           

خميس, 09/04/2020 - 21:02