سماسرة الإقامات.. وصفقة القرن

عبد الله بشارة

في عددها الصادر يوم الأحد 26 يناير الماضي، خصصت صحيفة القبس تقريراً موثقاً عن سماسرة الإقامات في مصر، وسعت لكشف شبكات الاحتيال وضحاياها من الحالمين في الوصول إلى الأرض الخليجية الفريدة في نعومتها والمتسامحة في إشكاليات الأمن والمتساهلة مع مواقع الاخطار التي تكبر تدريجياً بتزايد أعداد الضحايا الموجودين بلا عمل ولا أمل، ومن دون اسعاف قانوني، وأكثرهم يتسلل وسط الآلاف من الجاليات ويسعى للذوبان في بيئة الوافدين التي تتسيد منطقتي جليب الشيوخ وخيطان وفي غيرهما، حيث تضعف الرقابة مع محدودية امكانات رجال الشرطة وأجهزة المتابعة، رغم الجهد السخي والوفاء الوطني الذي يتميز به سلوك رجال الأمن. تتعرض الآن منطقة الشرق الأوسط إلى موجات من الاضطرابات والفوضى وعدم الاستقرار وغياب الأمن أفرزتها فشل الأنظمة السياسية في عدد من الدول العربية والاقليمية مع تفشي البطالة وعجز المجتمعات العربية في مجالات التنمية وتكاثر السكان، وبسبب سيطرة الصراعات السياسية والحزبية والأيديولوجية على شؤون الدولة في أغلبية هذه البلدان. ووسط هذا الارتباك الأمني في حوض الشام وإيران والعراق ومعارك اليمن وتقلبات السودان، فمن المنطقي أن تتجه الأنظار إلى دول مجلس التعاون، حيث تتسم الحياة بالاستقرار والأمن وسعة فرص المعيشة وبريق الأمل هروباً من اليأس والخوف واحتمالات الاقتتال. وفوق هذه الفوضى المعيشية في المجتمعات العربية تأتي صفقة القرن لحل القضية الفلسطينية حاملة حقائق السياسة ومحطمة آفاق أحلام الشعب الفلسطيني في مستقبل أفضل من واقع اليوم، ومستفزة أصحاب القضية للمواجهة بعد تلاشي التوقعات وانحسار الاهتمام وضعف تعاضد الأشقاء. وتفتح هذه الصفقة المجال للشهية الإسرائيلية بابتلاع حق الشعب الفلسطيني في أراضيه، وإغلاق أبواب الأمل في العودة للاجئين في الأردن ولبنان وسوريا وآخرين منتشرين في مختلف القارات... نحن في الخليج نتوقع أن تلجأ أجهزة الأمن الخليجية إلى التنسيق في ما بينها لإغلاق منافذ التسلل، وأولها مطاردة سماسرة التأشيرات المتاجرين بالبشر وفرض عقوبات رادعة وغليظة وبلا رحمة، فهم فاقدون للإحساس تجاه الوطن وعابثون بأمنه ومستصغرون آدمية الضحايا المحمولين بوعود كاذبة. نشهد الواقع الحالي للإقليم الذي تتسيده حالات اليأس في مجتمعاته لغياب الحكم الرشيد وصراع الطائفية، كما نرى فقدان الأمل في مقاييس العدالة الدولية، لا سيما في الأمم المتحدة المسؤولة عن الأمن والاستقرار العالمي، فيسيطر الغضب الفلسطيني من جبروت القوة التي تهدم ثقته في النظام العالمي وفي ترابط الأشقاء وتدفعه نحو التطرف، فانسداد الأفق المستقبلي الواعد يؤسس لولادة تجمعات انتحارية ليست لديها ما تفقده، ساخطة في رؤيتها ومخربة في سلوكها.. في وسط هذه الأجواء، صعدت الدول الأوروبية حواجزها أمام المتدفقين من سوريا ولبنان ومن مناطق أخرى، ما يزيد الضغط على دول الخليج التي تعاني من زيادات في أعداد الوافدين الذين يشكّلون صيداً مربحاً لعصابات المتاجرة بالبشر، التي غدت تجارة مربحة بشبكات سرية في بلدان التصدير وبمتعهدين في بلدان الاستقبال. وفوق ذلك، هناك خلايا داعش النائمة انتظاراً لمناسبة تحركها لنشر الفوضوية الاقليمية ولتحطيم القواعد التي ترتكز عليها الدول الوطنية في الحدود والهوية ومعالم المواطنة، واستبدال جاهليات داعشية همجية الفكر وبربرية السلوك بها. ولا تتردد خلايا داعش للاستفادة من تطاول الرئيس ترامب على قواعد النظام العالمي وانعدام الاحترام للقانون الدولي والاستخفاف بقرارات المنظمات العالمية والتطاول على جغرافية فلسطين وإعطائها للإسرائيليين، من دون تفويض من أصحاب الأرض الشرعيين، كل ذلك ولّد البيئة التي تنتظرها كتائب داعش لتعود عاملاً مخيفاً ينشد السيطرة.. خطوة الرئيس ترامب خطرة في معانيها ونتائجها، فهي مثال ساطع لفرض حق القوة وتحقير قوة الحق، وفيها تجاهل متعمد لموازين العدالة، التي هي أساس الاستقرار في أمن النظام العالمي، وسيصل تأثيرها السلبي إلى قاعات الأمم المتحدة، فالمبادرة أغلقت أبواب مجلس الأمن في وجه الفلسطينيين ولن يخرج أي قرار مستقبلي من مجلس الأمن لأن الفيتو الأميركي سيعطله، ولن تخرج عنه إدانة أو استنكار يصدر في بيان عام من المجلس، ولن تفتح أبواب المجلس للقضية الفلسطينية، فقد حكم عليها الموقف الأميركي بأن تظل في ملفات الجمعية العامة، وقراراتها غير ملزمة وهي صوت البروليتاريا العالمية المتضامنة مع المظلومين لكنها صوت سياسي ومعنوي، بحاجة إلى آليات تنفيذ لا تملكها.. والمؤلم أن هذه المبادرة سيتم فرضها بدعم أميركي يسدل الستار على الطموحات الفلسطينية ويحصر آمالها في تلك المناطق التي لا تريدها إسرائيل. ومع بيان الجامعة العربية الصادر عن الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في الأول من نوفمبر 2020، يتضح المنحى الذي ستسير عليه القضية الفلسطينية، حيث انتقلت إلى منظمة التعاون الاسلامي في جدة في قرار جاء من وحي القرار العربي، وكنت أتمنى أن يرافق الرفض العربي للمشروع الأميركي موقف عربي ايجابي عبر خطة عربية متكاملة للخروج من مأزق ترامب، فلا تكفي الاشارة إلى المبادرة العربية غير القابلة للتنفيذ وإنما مقترح عربي جديد فيه انصاف للشعب الفلسطيني في دولة متلاصقة الأجزاء تملك مقومات البقاء، تتولد من مفاوضات مباشرة بحضور أميركي وبعض العرب حاملي واقعية الاعتدال، خصوصاً أن التوقعات حول الانتخابات الأميركية تشير إلى احتمال كبير لعودة الرئيس ترامب لأربع سنوات قادمة، ولن يتردد في تنفيذ ما يراه من خطته وباعتراف رسمي أميركي يلتزم به رؤساء الولايات المتحدة القادمون.. Volume 0% وأمام هذا المشهد المؤلم فلا مفر من صون الأمن في الخليج بتعميق التواصل الأمني الخليجي لحماية الاستقرار مع إجراءات احترازية تعالج احتمالات تدفقات بشرية يدفعها البؤس ولا يهمها ما تسببه من اختلال في ثوابت المنطقة، وسيسعى كل طرف في منظومة مجلس التعاون إلى صون حياته في بيئة إقليمية مضطربة لا يمكن التحكم في هندستها المستقبلية. مبادرة الرئيس ترامب صيحة إنذار لمجلس التعاون ليخرج من حوض الشلل الذي يعيش فيه منذ سنوات.

نقلا عن "القبس"

أربعاء, 04/03/2020 - 21:07