ما يريده الشعب العربي في مختلف أقطاره

هاني العموش

قد تكون الحالة التي تعيشها الأمة بل الواقع الذي نعيشه من بؤس وفقر وحالة مستشرية من الذل والهوان  والعبودية هي نتاج أزمات حكم ونظام مستبد على مر التاريخ العربي والاسلامي بدءا من الدولة الأموية وحتى نهاية الحكم العثماني فهنالك تابوهات تعودت عليها الشعوب وأصبحت جزءا من ثقافتها وتعدت دورها فأصبحت تقليدا وعادات من الصعب الإنفكاك منها،فمثلا تقديس الحاكم والهالة والتبجيل المصاحب له شعبيا وأن لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم الا سبل الرشاد أصبحت عنوانا متوارثا للسياسة القائمة في الأوطان، وكذلك نصوصا دينية وأحيانا دنيوية  من يخرج عنها أو يبدي رأيا فيها يعتبر زنديقا  خارجا من الملة.لقد مر على الأمة حركات تنويرية متعددة  كان يقودها المتنورين والمفكرين من ابناء الأمة لكنهم  لم يستطيعوا  تجاوز ما كان مألوفا عند  الشعوب ومما كان يرسخه الكهنة من طقوس دينية وما تكرسه السلطات المستبدة وتبثه خدمة لأغراضها السياسية، لذلك كانت هذه الحركات توئد في مهدها في كثير من الأحيان  أو تتسبب في إنشغال الدولة في انتكاسة حضارية كبيرة.

إن اتساع الرقعة الاسلامية وتنوع الشعوب المنتمية للدولة عرقيا  واحيانا مذهبيا كان له دور كبير في تفتيت  الدولة وتكريس مغلوط لمفهوم معنى ومدلول الحكم في النظام الاسلامي. إن عصر الانتكاسة الحضارية في الاسلام كان أحد أهم مسبباته هو التنازع على الحكم وتفرغ الأنظمة الحاكمة لحماية نفسها واستئثارها بالإمتيازات التي شرعنها النظام المستبد لنفسه عبر صيغة كانت وما زالت ليست مقبولة لدى الشعوب.

 أما بعد الحرب العالمية الاولى وانتهاء الخلافة العثمانية  فقد تأسست معظم الدول العربية وخاصة دول المشرق العربي على أثر تقسيمات سايكس بيكو والاستعمار بشكل عام  وكانت الشعوب تواقة الى الوحدة والى الحياة الكريمة وجاءت النتائج بعكس التوقعات فقد تم زرع الكيان الصهيوني  الخبيث في قلب المنطقة العربية،وظهرت الانقسامات حادة بفعل التآمر وكرست الهويات الفرعية وعاد الاستبداد بثوب التحرر وإنقاذ الشعوب  وبدأت المأساة الكبرى بتفتيت الأمة وضياع الاوطان ومقدراتها  ونهب خيراتها ضمن منظومة وظيفية تعمل لصالحها ولصالح أسيادها في الخارج.

لم تتمكن منظومات الحكم في العالم العربي من تلبية احتياجات الشعوب نتيجة عوامل متعددة كان أبرزها الاستئثار بالسلطة ورفع الشعارات الفارغة التي  كان لها الأثر الأكبر في تفتيت اللحمة الوطنية للأمة وتشتيت توجهاتها الفكرية فمن الاسلام هو الحل الى القومية والعروبة  الى الإنغلاق القطري الى اجتهادات دينية وهويات قاتلة أثخنت جراح الأمة وأوغلت في إذلال المواطن من خلال تبني تلك الشعارات ممن يمتلك ادوات وعناصر القوة وتطبيقاتها المختلفة سواء على المستوى الاقتصادي او الإعلامي أو الأمني.

إزاء هذا الوضع السيء والإنحدار الحاد في امتهان كرامة المواطن وفقدان الحرية والعدالة والمساواة وانتشار الفساد وانتفاخ الكروش والعروش لنخبة ضئيلة تتحكم في مفاصل حياة الانسان وتزيد من بؤسه ومعاناته بحيث أنه فقد القدرة على الاحتمال جاءت ثورة الربيع العربي وامتطاها  شر فرسان من الداخل والخارج وكانت النتائج كما هو غير مأمول منها، لكن على الرغم من ذلك ومن تمكن الدولة العميقة مسندة من عصابات حاكمة تمتلك القدرة على تغيير المسارات فإن النتائج الخيرة على المدى الأبعد ستكون خيرا على الأمة وأن شواهد التاريخ تشير على أن الثورات الشعبية ستحسم الموقف لصالح الأمة والأوطان.

إن المتاهات الأيديولوجية وما يصاحبها من أدلجة لمفاهيم قد تكون أولوياتها سابقة لما يجب أن يكون وينتظم سياقه كانت أحد أهم عوامل إنحراف البوصلة للوصول للأهداف الاستراتيجية المرجوة للأمة. إن الخيار المطلوب والذي أصبح مطلبا ملحا خارج الابعاد والمتاهات التي ذكرناها أعلاه يتمثل في الوصول للخيار الديموقراطي ولن يكون ذلك الا بأن يصلح النظام السياسي نفسه ويغير التهج السياسي في ادارة الدولة بحيث تستبعد الوصفة المستبدة في اتخاذ القرار اولا وبالتشريع القانوني والدستوري الذي يؤسس لدولة المؤسسات والقانون ثانيا. إن  الخيار الديموقراطي يجب أن يخرج من  أزمة البعد الديني ببعده الأيديولوجي الجامد الى بعده الحضاري الذي يفضي الى القيم الاسلامية المتمثلة بالبعد الحياتي وكيفية التعامل مع الآخر.ولو نظرنا لتطبيق القيم الاسلامية في الدول والمجتمعات لوجدنا ان تطبيقها يتناسب طرديا مع الديموقراطية فقيم العدالة والحرية والصدق وعدم الغش والاحسان في التعامل مع الأخر والنزاهة والاستقامة والاخلاص في العمل والمحافظة على الممتلكات والمال العام…….الخ تجدها اكثر تطبيقا في المجتمعات الاوروبية مثلا والكل يعرف المقولة وجدنا في الغرب اسلاما بدون مسلمين.

وكذلك نرى  امكانية للوحدة والاتحاد ولو بأقل أشكالها عندما تتجذر الديموقراطية. ومن هذا الباب نرى أن  ما يريده المواطن العربي مع اختلاف الأولويات العيش الكريم بكفاية الدخل  والتأمين الصحي والتعليم غير المكلف إن لم يكن مجاني،وتخفيف الضرائب على الطبقات المتوسطة والفقيرة، والتوزيع العادل للثروة، و الحرية والعدالة والمساواة، وأن تكون خدمات النقل مريحة وحديثة وشبكة الطرق والمواصلات جيدة، ولا ننسى الاصلاح السياسي الذي يعيد السلطة للشعب خلاصة القول أن يعيش المواطن العربي بكرامة واحترام في وطنه. إن المجموعة المنظمة التي تتبنى هذه الخيارات خارج اطار الايدولوجيا مع الحفاظ على العناوين الرئيسة التي يتفق عليه أغلبية الشعب بمعنى عدم محاربة هذه العناوين  هي المجموعة او الحزب الذي سيلتف حوله الاغلبية من ابناء الوطن.

واخيرا على الرغم من الحالة  السوداوية التي تعيشها الأمة فإن الأمل كبير والخيارات متاحة للتغيير نحو بزوغ غد مشرق  نعيش فيه كما تعيش باقي الأمم الحضارية، فالتأسيس للديموقراطية والاتفاق عل تحقيق الحياة الكريمة للمواطن هي الأسس التي تقود الى الإتحاد وتلبية الأماني المشروعة في أن تأخذ الأمة مكانها الذي يليق على الخارطة الدولية.

رأي اليوم

سبت, 29/02/2020 - 17:10