عندما نبحث اليوم حول تجارب بعض المجتمعات في الديمقراطية، والتي استفادت من حصيلة الصراعات السياسية والاهلية وحولت خلافاتها الى توافق مستديم عبر قنوات الحوار العقلاني والتنازل والانصاف، وتصدير المصلحة العامة صفوف الاهداف الظرفية والمصالح الخاصة، وتغليب مبادئ الاستقرار والامن والانسجام البيني، فسوف نحصل على جملة من الدروس التي يمكن ان تفيدنا حتماً بفهمٍ اكثر لطبيعة السياسات التي ينبغي اعتمادها لصالح البلاد وتنميتها وازدهار احوال المجتمع.
(ان البرلمان بصفته صوت الشعب وارادته استُحدِثَ في العالم الحر من اجل تحجيم وتحديد السلطة الفردية المطلقة وتحديد نفقات ومصروفات المؤسسات الحكومية)
من الطبيعي ان لا تُجدي الانتخابات اي جدوى اذا لم تُمكّن مختلف الاطياف السياسية من حرية التعبير وحرية التنافسية الناضجة، وحرية الاختيار بين الاقطاب المتنافسة، لان ابرز ابجديات الديمقراطية العاقلة انها تمنح حق الاختيار والانتساب دون ترغيب او ترهيب، فدور المعارضة الراشدة ينحصر اساسا في مراقبة الحكومة وتقويمها، وتصويب اخطائها وفق النظم الدستورية والقانونية، عكس المعارضة التي تنطلق من منطلقات ضيقة الأهداف ببعض الأحيان غير واعية بالتحديات ومتطلبات كل مرحلة على حدة.
لا شك ان اهم فوائد الديمقراطية هو فتح المجال امام الاحزاب السياسية للمناوئة الفعلية ضد اي عمل يُخلّ بالنظم والقوانين والضوابط الاخلاقية، الى جانب دعم وتأطير الفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني، للاسهام الجدّي في الرقابة والتقييم والتصويب، لحفظ المكتسبات والحريات العامة والفردية، والمحافظة على الثروات الوطنية، والكفاح في سبيل اقتصاد المال العام دون السماسرة والمفسدين.
(ان النظام الديمقراطي الحق يُتيح للاحزاب المُعارضة حرية التعبير وتأسيس هياكلها وتدعيم قدراتها بل وتُذلّل لها مثل هذه الانشطة ولكن في إطار يحترم دسترة البلاد)
ثمة فرق شاسع بين الانتخاب الذي يجري وفق المبدأ التعددي والنهج الدكتاتوري، ففي ظل الأول تكون الانتخابات شفافة ونزيهة إذا ما توفّرت الرغبة الصادقة في إجرائها حسب ما يُمليه الدستور والقوانين المعمول بها مع ضرورة تهيئة الأجواء المطلوبة والمناسبة لهذا النوع من الانتخاب، وخصوصا حسم قضية التزوير التي غالبا ما تكون هاجس الخوف الابرز لدى المتنافسين ولدى الشعب، بالإضافة إلى لجوء نواب الاغلبية وبعض الفاعلين السياسيّين في بعض الأحزاب السياسية إلى ممارسة سياسة الاغراء، والكذب المعلّب والوعود والوعيد، للتعبئة وحصد اكبر تبعية ممكنة لاستغلالها في تحقيق المتاح من الاهداف، فيشوب الانتخابات الديمقراطية أخطاء قد تقود بالنتيجة المُخجلة إلى فشل النظام السياسي الذي يقود البلاد.
أما في ظل النظام الدكتاتوري، فتكون الانتخابات في الاغلب نشاطا شكلياً ضمن سلسلة حلقات بهلوانية الشكل والمضمون والإخراج، تنتهي بشكل اجرائي آلي محسوم لصالح الدكتاتور، وللشعب الموريتاني تجارب عدة مع مثل هذا النوع من الانتخاب الشكلي في ظل النظام الفردي الاستبدادي، حيث تُجرى عملية الانتخاب بشكل مفبرك ومعدّ مسبقاً، لا يُسمح فيه بالمنافسة الشفّافة، ويكون الرجحان فيه لكفة الحاكم المطلق على أي مرشّح آخر.
(في الأنظمة الحرة تجري الانتخابات بعيداً عن الغش والتزوير أما في الأنظمة الديكتاتورية فليست هناك انتخابات بالمفهوم الحقيقي وإذا ما اجريت هذه الانتخابات فإنّها تكون مجرد انتخابات مزوّرة وغير حقيقية لان هناك فارق كبير بين النفسية السائدة في ظل الحكم الديمقراطي والنفسية التي تسود في النظام الديكتاتوري فالاولى تُولّد الامل والتفاؤل بغدٍ افضل من سابقه والاخيرة تخلق مزيدا من خيبات الآمال والاحساس بالفشل والانكسار والضعف)
يعتقد البعض انه اكثر عمقا من غيره في المطالبة بالقضاء على مختلف مظاهر الفساد والظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، سوى أنه من الواضح والجليّ أن هذا العمق لوحده ليس كافياً لضمان عدم إنتاج ذات المحصلة بنسق جديد، وممارسات مختلفة، فمن العقلانية بمكان ان تكون المطالبات بالتغيير منبثقة عن فهم اعمق وادق لمقومات التغيير واعتماد انجع الآليات لتحقيقه، بحيث تتجاوز دعوات الإصلاح و التغيير تلك الحدود القِطرية لأن أنظمة الفساد ليست سوى خلايا ناشطة ضمن منظومة تعمل على مستوى يجمع بين القومي، واليساري، واليميني، والرجعي، والتقدمي، والديموقراطي، والرأسمالي، والارستقراطي، والتكنوقراطي، والجمهوري، والجهواتي، والقبيلي، والسذّج، والتبّع، والخدم والحشم، وما أن تُتلفَ خلية منها أو يتم استئصالها حتى تُجري المنظومة الأم التكرير اللازم لإعادة انتاج وتوليد وتفريخ خلية أخرى جديدة تستأنف مشوارها نحو فساد اكثر عمقاً.
على الموريتانيين "كل الموريتانيين" ان يستفيدوا من تجربتهم الديمقراطية الاخيرة في استحقاقات 2019 الرئاسية، وأن يدركوا حجم التحديات المحيطة بالبلاد محليا واقليميا ودوليا، وأن يراعوا طبيعة المجتمع الذي يقوم على الكثير من الأرصدة الدينية والاخلاقية، حيث يسعى البعض من دعاة الفتن وزعزعة الاسقرار إلى تفكيك لحمته وضرب وحدته الوطنية، وتشتيت روابطه الاخوية والثقافية سبيلا إلى مكسب مادي أو لأهداف تنحصر على كسب سلطة البلاد وتصفية الحسابات الخاصة.
لقد أثبت الشعب الموريتاني للعالم وللتاريخ أنه قادر على مواجهة التحديات وتقرير مصيره المشترك، وخوض التنافس السياسي في مناخ مطبوع بالود والإخاء والانسيابية، دون الحاجة لأي من عوامل الرقابة الخارجية إلّا إذا كانت على سبيل الدعوة والاشراك دعما للشفافية والمصداقية لسيرورة العملية الانتخابية على النحو السليم.
محمد الامين ولد مولاي المهدي










