(نحو سنة من الإدارة بدون أحزاب -3)
أصيب "حزب الإتحاد من أجل الجمهورية UPR" بجلطة دماغية، تحت تأثير العواصف و الهزات الزلزالية، خلال اللحظات الأخيرة من سيناريوهات و سكرات موت مشروع المأمورية الثالثة. ثم دخل الحزب في حالة موت سريري في نهاية الجلسة الافتتاحية لمؤتمره الوطني، الذي كان عدد كبير من مناديبه مرشحين أو حتى منتخبين عن أحزاب أخرى في تشريعيات و بلديات 2018. مباشرة تم تكليف شخص تعرفونه بالمداومة و مرافقة المريض في غرفة "الإنعاش".
أيها الموريتانيون و الموريتانيات تذكروا جيدا ما وقع للحزب الجمهوري PRDS عام 2005، عندما لم يجد وفد الإتحاد الإفريقي القادم إلى نواكشوط من يدافع عن الحزب الذي يمتلك أغلبية تزيد على الثلثين في البرلمان، و منتسبوه أزيد من سكان البلد. حتى الأمين العام للحزب لم يستطع إدانة الانقلاب. وحده "بيجل ول هميد" صبر أياما على "المعركة السيزيفية" في وسائل الإعلام رفضا للانقلاب و دفاعا عن ولد الطايع. و منذ ذلك الوقت تعلم الرجل أن الأحزاب في موريتانيا هي مجرد عناوين، ما دفعه أخيرا إلى دمج حزبه المعارض في حزب عزيز. ثم دفع فهم تلك الحقيقة مالك "البطاقة الرمادية" لحزب آخر - كان حتى عهد قريب من المعارضة المتطرفة - إلى التوقيع ضمن الأسماء الأولى من النواب المطالبين بمأمورية الثالثة.
للطيبين المدمنين على التصفيق لولي النعمة، و على اللهث الأبدي وراء "آمر" يكونون "مأموريه" الطيعين، و إن "لم يجدوه في الأرض اختلقوه"، شأن نزار قباني مع "الحب"، لأنهم لا يستطيعون العيش دون "تبعية" و "بيعة"، أقول : حذار فنوع الوفاء و العرفان بالجميل مقابل عطاء من لا يملك لمن يستحق أو لا يستحق، قد يكون هو عبودية العصر، و نحن بلد يضع تصفية مخلفات العبودية على رأس أولوياته، ثم إن "المؤمن العاقل لا يلدغ في جحر مرتين".
أما الأشعبيون، اللاهثون و راء سراب ماء و مرعى و ضرع حلوب، تمتعوا بها ذات يوم في هذه الربوع، فأقول لهم : رويدكم "مصارع الرجال تحت بروق الطمع". و "الذكي، الذكي" - في هذا الزمن الذي يمسي فيه المرء مليونيرا و يصبح في طابور الهلال الأحمر - هو من يحصن و يؤمن ما حصله - حلالا أو حراما - قبل السعي إلى زيادته.
في السنوات الأخيرة كانت تجربة العقارات التي باعها الغني و الفقير منا لمكتب الشيخ الرضى، مقابل سراب "بقيعة يحسبه الظمآن ماء"، مثالا حيا على أننا - في المجال المالي المتميز عادة بالجبن و عدم المجازفة - قد اخترنا على أوسع نطاق القمار و العاب الحظ. لا غرو إذن أن نفعل ذلك في الممارسة السياسية و الحزبية، التي هي بطبيعتها مغامرة و رهان على سيناريوهات افتراضية مفتوحة.
سادتي، "حزب الإتحاد" كان حزب زعيم، و محور برنامجه إدامة حكم و مجد ذلك الزعيم. يوم تلقى الزعيم الرصاصة، كاد الحكم و المشروع السياسي أن يصبحا في "خبر كان"، لولا وجود قائد للقوات المسلحة " للعهد عنده معناه". قيل لي يومها إن قيادات الحزب و كبار معاوني الزعيم، حاولوا فتنة "صاحب العهد" و إغراءه بالجلوس مكان ذلك الزعيم، الذي ليس لهم من مشروع سياسي سوى إدامة ملكه.
أين الزعيم ؟ لقد غادر السلطة، ولم يحتفظ بمنصب الوزير الأول و قال لكم إنه لن يكون رئيس الحزب. لقد تبخر "المشروع السياسي"، و لم يبق لكم أيها الاتحاديون، سوى الإتحاد أو الائتلاف مع دائني الشيخ الرضا في "مطاردة دخان"، ضائع وسط غيوم "أبخرة العهد العزيزي". ما ذا تنتظرون استعيدوا منازلكم التي وضعتموها تحت تصرف الحزب قبل أن تخسروها كما خسر دائنوا الشيخ الرضا عقاراتهم. و ليسترح "ولد محمد خونة" "القابض على الجمر" من جمرته، و ليعط الإذن للأطباء بتفكيك أجهزة التنفس و تحرير المريض من عذابات "الموت السريري"، ليستفيد من حقه في "الموت الرحيم".
أريحوا موريتانيا و أعلنوا حل هذا الحزب. حرروا نواب الشعب الذين شاءت لهم الأقدار أن يدخلوا الجمعية الوطنية تحت لافتته، و الله يعلم كم يفضلون "مبادراتهم" مليون مرة عليه، و أنهم لولا "قانون الترحال السياسي" المعيب، ما دخلوا الحزب و لا أي حزب. و عندما يتم تأميم الإرادة السياسية للنواب، يمكننا أن نطمئن إلى أن عصر ابتزاز الرئس و الحكومة من طرف كتلة النواب، لمصالح شخصية و مطالب أنانية قد انتهى.
و لكوادر هذا الحزب و نوابه ممن قد يصرون على رهن مصالحهم ب"الرجل المريض" أو "الميت سريريا"، أتوجه بسؤال واحد : أين هم الثلاثة الأبرز من أقطاب و أوتاد المأمورية الثالثة ؟! ألم يصلكم خبر استقالة اثنين منهما و إقالة الثالث في ظروف تقر عين الحسود ؟!
ألم يأتكم نبأ سيد محمد ولد محم أشهر رؤساء UPR و أحد أبرز المؤسسين سياسيا للعهد العزيزي، بما أنه قاد الكتيبة البرلمانية التي أطاحت بسيد ولد الشيخ عبد الله ؟! إن في قصصهم لعبرة لمن يعتبر.










