مصر: الصحافي والمخبر

أربعاء, 2017-01-11 11:57
محمد كريشان

الحملة الإعلامية الشرسة الجديدة على محمد البرادعي، لمجرد أن الرجل قال إنه عائد للحياة العامة بعد اعتكاف دام ما يفوق الثلاث سنوات، فضح للمرة الألف بطريقة فجــــــة وقبيحة طينة «الإعلاميين» المصريين الذين يتحولون بكبسة زر إلى منصات لإطلاق الصواريخ على كل من تنتقيه السلطات الأمنية والسياسية في مرحلة من المراحل هدفا للرماية بمختلف أنواع الأسلحة.
عندما يأتي شخص من بين من يسمونه، اصطلاحا وتجاوزا، «إعلاميا» ليعرض سلسلة مكالمات مسجلة للبرادعي مع شخصيات مختلفة، بهدف التشهير والتشويه لقطع الطريق أمام عودته للحياة السياسية التي باتت في مصر اليوم صحراء قاحلة، فأنت لا تستطيع أن تمنع نفسك من التساؤل عن القدرة الهائلة لهؤلاء على وضع أنفسهم على ذمة الأجهزة الأمنية للقيام بأية مهمة مهما بدت دنيئة.
علاقة الصحافة بالأمن والأجهزة ليست جديدة ولن ينتهي الجدل بشأنها لكنها ذات مستويات متعددة. يمكن لأي صحافي مشهور في أي بلد ديمقراطي في العالم أن تكون له بشكل أو بآخر علاقة من نوع ما بأحد أجهزة الأمن، ولكن بطريقة مختلفة تماما عما يمكن أن يجول في أذهاننا. لنشرح أكثر: لنقل مثلا أن صحافيا فرنسيا شهيرا ملما بالشؤون الفلسطينية تحديدا أو العربية عموما مثل الراحلين أريك رولو، وهو دبلوماسي كذلك وعمل سفيرا لبلاده في تونس بداية ثمانينات القرن، وأمنون كابليوك الذي فضح مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان بعد الغزو الإسرائيلي له عام 1982، وكلاهما من الكتاب المشهورين في «لوموند» و»لوموند دبلوماتيك»، وقد كانا على علاقة وثيقة بمنظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها الشهيد ياسر عرفات… لنقل أن هذين احتاجتهما المخابرات الفرنسية في مشورة ما ذات علاقة بهذا الملف. سيتم الاتصال بهما ودعوة أي منهما لغداء أو عشاء وتتم الدردشة معهما في هذا الملف المعقد فخبرتهما ثرية والاستفادة منها أكثر من ضرورية.
ليس غريبا أبدا كذلك أن يقع الاستئناس من قبل الأجهزة المختلفة بآراء أي صحافي بريطاني أو أمريكي ذي باع في ملف من الملفات مثل روبيرت فيسك من «الأندبندنت» العارف الجيد بالشرق الأوسط وتعقيداته أو الراحل باتريك سيل الخبير في الشأن السوري والذي ألف كتابا عن حافظ الأسد. هذا كله شيء وعمل الصحافي مخبرا وكاتب تقارير رخيصا لدى أجهزة الأمن شيء آخر مختلف تماما. في هذه الحالات التي أشرنا إليها بالأسماء، وغيرها كثير، لا أجهزة الأمن ترى غضاضة فيما تفعل ولا هؤلاء الصحافيون يستنكفون فالمعادلة واضحة وكل يعرف حدوده تماما فلا يتجاوزها، وأغلب هؤلاء الصحافيين يعرفون تماما الفرق بين تقديم الخلفيات التنويرية لصاحب القرار في بلاده وكتابة التقارير الأمنية للأجهزة.
هذا لا ينفي أن آخرين مضوا إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، بعضهم صحافي وجاسوس في نفس الوقت وهؤلاء من الصعب في الغالب الجزم يقينا بوضعهم لكثرة ما قد يلفق لبعض الصحافيين من تهم من هذا القبيل، بعضهم الآخر صحافيون بماض مخابراتي لم ينقطع مثل كثير من الصحافيين الإسرائيليين، أو هم صحافيون قديرون بذات الدرجة التي هم فيها ضباط مخابرات بارزون ومن بين أشهر هؤلاء مثلا الراحل يفغيني بريماكوف خبير الشرق الأوسط والكاتب البارز في «البرافدا» السوفييتية والذي ربطته علاقة صداقة بالزعيم جمال عبد الناصر.
في بلادنا العربية، ما لدينا في الغالب شيء آخر، الصنف الموجود هم إما من الوشاة الصغار أو من مروجي ما تريده الأجهزة الأمنية في وسائل إعلامهم أو كليهما، ونوعية التقارير التي يكتبونها هي وشايات في زملائهم الصحافيين ونقل أخبار من ساسة جلسوا معهم بصفتهم الصحافية. 
الغريب، والطريف في آن معا، أن بعض هؤلاء الوشاة ومدبجي التقارير، في بلد مثل مصر أو تونس، باتوا الآن «نجوما» تلفزيونيين، منهم من يقدم البرامج السياسية ومنهم من لبس لبوس المحلل السياسي والمعلق فهو أكثر وجاهة !!. وفي مصر اليوم، تحول بعضهم إلى عصا السلطة التي يهش بها على الناس ويهوي بها على رؤوس المعارضين. من أبرزهم الآن، أحمد موسى، هذا «الإعلامي» الذي بث مؤخرا تسجيلات للبرادعي في برنامجه بغرض التشويه والتحريض كما لم يتوان هو نفسه هذه الأسابيع على القيام بنفس الشيء ضد صحافيين مصريين في الخارج، يفترض أنهم زملاؤه، واصفا إياهم بالعملاء والإرهابيين الهاربين وزعماء الخلايا التخريبية قبل حتى أن يبت القضاء، على علاته، في اتهامات خطيرة كهذه.
هؤلاء «الإعلاميون» الذين يظنون أن ظهرهم محم سيأتي اليوم الذي سيرحل فيه من يتوهمون أنهم رعاتهم الأبديون. يومها سيكونون في حالة رثة أكثر من ضحاياهم الحاليين، ساعتها سيلتقي عليهم كل من ضاق ذرعا بممارساتهم المشينة، إلى جانب المجندين الجدد ممن هم على شاكلتهم وجاؤوا ليحلوا مكانهم. يومها لن يرحمهم أحد.

نقلا عن القدس العربي