كوريا الشمالية ستجبر اميركا على التفاوض معها ندًّا لندّ

جمعة, 2018-01-12 09:27
جورج حداد

في نهاية الحرب العالمية الثانية تقدم الجيش الأحمر من الأراضي السوفياتية لتحرير كوريا من الجيش الياباني الذي كان يحتل كوريا منذ خمسين سنة. ومع هزيمة الجيش الياباني، نزلت القوات الاميركية من البحر في جنوبي كوريا وأخذت تأسر بدون قتال القوات اليابانية المنهزمة أمام الجيش الأحمر.

 وكان اليابانيون يفضلون الاستسلام للقوات الأميركية على الاستسلام للقوات السوفياتية والشيوعية الكورية. والتقى الجيشان السوفياتي والاميركي في وسط الجزيرة عند «خط العرض 38»، الذي أصبح الخط الفاصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية. وطرح الشيوعيون الكوريون مسألة اعادة توحيد الجزيرة وإجراء انتخابات عامة موحدة تحت إشراف الأمم المتحدة، وليختر الشعب الكوري الموحد نظام الحكم الذي تريده الأكثرية، ولكن المحتلين الاميركيين وعملاءهم في المنطقة الجنوبية المحتلة رفضوا ذلك بشدة. وبحكم الأمر الواقع نشأت في كوريا دولتان: شمالية يحكمها الشيوعيون، وجنوبية يحكمها عملاء و«حلفاء» المحتلين الاميركيين. وأخذ الاميركيون يعدون العدة لمهاجمة الشمال واحتلاله وصولا الى تحقيق هدفهم الاستراتيجي الكبير وهو الوصول الى الحدود مع الصين وتحويل شبه الجزيرة الكورية الى قاعدة انطلاق لمهاجمة الصين الشعبية بريا قبل ان يشتد عودها. وباءت بالفشل كل محاولات التوحيد السلمي للشعب الكوري، بسبب معارضة المحتلين الاميركيين، فأصبحت الحرب لا مناص منها. واندلعت الحرب في 25 حزيران 1950 واستمرت حتى 27 تموز 1953، ومرت بأربع مراحل:

1- المرحلة الاولى تقدم فيها الجيش الشعبي لكوريا الشمالية وحرر سيؤول «عاصمة كوريا الجنوبية» ذاتها وألقى الاميركيين في البحر.

2- في المرحلة الثانية حشد الاميركيون قوات ضخمة جدا بالإضافة الى جيوش حلف دولي قاتل تحت علم الأمم المتحدة بعد اصدار قرار من مجلس الامن بغياب المندوب السوفياتي، ودحروا قوات الجيش الشعبي الكوري الشمالي حتى الحدود الصينية.

3- ولمساعدة اخوانهم الكوريين، ورد الخطر الاميركي، اتخذت القيادة الصينية قرارا بارسال المتطوعين الشعبيين الصينيين الى جانب الثوار الكوريين. وقد تمكن الطرفان من دحر المحتلين الاميركيين وحلفائهم مرة اخرى الى اقصى جنوب كوريا.

4- امام هذا الوضع ضاعف الاميركيون قواتهم وهدد القائد الاميركي الجنرال ماكأرثر باستخدام القنبلة الذرية. ولكن القيادة السياسية الاميركية عارضت هذا الاقتراح خوفا من تدخل الاتحاد السوفياتي الذي كان قد اصبح يملك القنبلة الهيدروجينية. وأبعد الجنرال ماكأرثر من الجيش. وانسحبت القوات الشعبية الكورية الشمالية والصينية الى خط العرض 38. ومنذ 23 حزيران 1951 تحولت الحرب الى مناوشات استنزافية عبر خط العرض 38. وبناء على اقتراح سوفياتي تم توقيع الاتفاق على وقف اطلاق النار في 27 تموز 1953. واعتبر خط العرض 38 بمثابة الحدود بين الدولتين الكوريتين: الشمالية المستقلة، والجنوبية المحتلة من قبل الاميركيين.

وحتى الان تعارض اميركا بكل شدة اي شكل من اشكال الاتحاد بين الكوريتين. وتمارس اميركا حيال كوريا الشمالية سياسة عدائية لا مثيل لها من الحصار والتهديدات العسكرية المتواصلة والمقاطعة الاقتصادية الشاملة، بقصد اضعافها وتجويعها تمهيدا لمعاودة الهجوم عليها سواء بهجوم عسكري مباشر او بـ «ثورة ملونة» داخلية، باسم «الديمقراطية وحقوق الانسان» المزعومة.

ان الامبريالية الاميركية هي العدو القومي الرئيس للشعب الكوري بأسره: فهي تحتل كوريا الجنوبية منذ الحرب العالمية الثانية، في حين ان الجيش السوفياتي انسحب من كوريا الشمالية بعد تحريرها من اليابانيين، كما انسحب المتطوعون الشعبيون الصينيون منذ نهاية الحرب الكورية في 1953، وهي تقف سدا منيعا بوجه الوحدة القومية للشعب الكوري، وهي تحاصر كوريا الشمالية وتستفزها وتتنمر عليها وتفرض عليها العقوبات السياسية والاقتصادية والانسانية العادية، لعزلها واذلالها وتجويعها واضعافها، تمهيدا للانقضاض عليها في ساعة شؤم.

ولو كان التفوق الاميركي يتوقف على الاسلحة الكلاسيكية لهبّ الشعب الكوري منذ سنوات طويلة وجر اميركا الى حرب استنزاف لن تقوى على تحملها. ولكن اميركا تعتمد في غطرستها وعهرها الستراتيجي على امتلاكها للاسلحة النووية وبعدها عن الارض الكورية.

وهذا ما جعل الشعب الكوري البطل يضع نصب عينيه مهمة كسر ميزة التفوق النووي الاميركي، وامتلاك القنبلة النووية ووسائل ايصالها الصاروخية الى وكر الدبابير في عقر دار اميركا ذاتها.

وبالرغم من العزلة الدولية المفروضة عليها والحصار الاقتصادي والحرمان والجوع، تمكن هذا الشعب الصغير البطل وقيادته الحكيمة والشجاعة وعسكريوه وعلماؤه العظماء والمتواضعون وعماله البسطاء، رجالا ونساء، من صنع القنابل النووية والصواريخ الباليستية عابرة القارات، رغما عن اميركا وبالرغم من كل نباح آلة البروباغندا اليهودية والامبريالية العالمية.

وتقول وسائل الاعلام المختصة ان صاروخ «خواسون ـ 12» يستطيع أن يصل الى القاعدة الاميركية الكبرى في جزيرة غوام في غرب المحيط الهادئ في غضون 17 دقيقة.

وأن صاروخ «خواسون ـ 15» يبلغ مداه 13 الف كلم وهو يطال اي نقطة كانت في الولايات المتحدة «يبلغ مدى الصاروخ الباليستي الروسي المرعب "توبول  ZH65 RS-12M2ـ 12 الف كلم».  وهذا يعني انه بمقدور اميركا ان تضرب كوريا الشمالية بالقنبلة النووية، ولكنه يعني أيضا ان بامكان كوريا الشمالية ان تمحو اميركا من الوجود سواء ضربتها اميركا ام لم تضربها. كما بامكان كوريا الشمالية ان تضرب كل اوروبا الغربية حتى ايسلندا. هذا ناهيك عن اليابان التي هي على مرمى حجر من كوريا الشمالية.

وحسب رأي الخبراء الاميركيين اصبح لدى كوريا الشمالية 60 رأسا نوويا، واحتياطاتها الحالية من اليورانيوم المخصب والبلوتونيوم يسمح لها بانتاج 6 رؤوس نووية جديدة كل سنة. وحسب رأي هؤلاء الخبراء فإنه اصبح لدى كوريا الشمالية تكنولوجيا صواريخ «خواسون» التي تحمل ثلاثة رؤوس نووية وأكثر.

ان اميركا الآن اصبحت مجبرة على التفاوض مع كوريا الشمالية ندا لند.

وأن السياسة الداخلية والخارجية الكورية الشمالية ستتغير تماما من الآن فصاعدا!

صراع تاريخي

منذ 23 يونيو/حزيران 1951 وبعد سنة من المعارك الحامية أصبح الصراع الكوري بين طرفين لا غالب ولا مغلوب بينهما، فلا الأميركيون وحلفاؤهم دحروا المد الشيوعي في شبه الجزيرة ولا الشيوعيون الكوريون وحلفاؤهم الصينيون استطاعوا توحيد شطري كوريا تحت اللون الأحمر. وقد عرض ممثل الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة إلى وقف لإطلاق النار، ولم يتم التوصل إلى اتفاق بين الأمم المتحدة والصين إلا في 27 يوليو/تموز 1953 بقرية «بانمونغوم» الواقعة على خط العرض 38 الفاصل بين الكوريتين وعلى الرغم من انتهاء الحرب إلا أن النزاع الحدودي ما زال مستمرا بين الطرفين حتى هذا اليوم.